إعلان

ابن خلدون في قراءاتٍ خارج "الكليشيه"

المصدر: تونس- النهار العربي
تونس - بثينة عبدالعزيز غريبي
ابن حلدون
ابن حلدون
A+ A-

يقول الباحث حسين مؤنس في كتابه "تاريخ موجز للفكر العربي": "عندما يحسب الناس أن ابن خلدون لا يتميز إلا بمقدمته فهم يقلّلون من شأن تاريخه المسمى بكتاب العبر، ويحسبون أنه تاريخ عادي لا يتميز على غيره من التواريخ العامة التي كتبها غيره، وهذا ظلم لابن خلدون ألحقه به جيل طه حسين وعبد الحميد العبادي وأحمد أمين، لأنهم لم يقرأوا تاريخ ابن خلدون وهم معذورون، لأن هذا التاريخ الطويل (ست مجلدات) لا يصبر على قراءته ليتعرف قدره إلا مؤرخ وهب حياته كلها لهذا العلم الجليل".

 

 

ويقول الفيلسوف التونسي أبو يعرب المرزوقي في كتابه "المفارقات المعرفية والقيمية في فكر ابن خلدون الفلسفي": "ما لم نفهم النقلة النوعية التي أحدثها ابن خلدون في المجالين المعرفي والقيمي، فلن ندرك المعنى العميق للمقدمة، ومن ثم يمتنع أن نتجاوز مضغ كليشهات حول فكر ابن خلدون بقراءات سطحية لا تصل علمه بالمتقدم عليه، ولا تمكن من الاستفادة النظرية والعملية من ثورته الفلسفية".

فعلاً، لم تسلم كتابة تاريخ ابن خلدون من هذه الكليشيهات والقراءات السطحية التي ربما كانت السبب الذي دفعه، أي ابن خلدون، الى المبادرة بتدوين ترجمته الذاتية قبل وفاته.

ولكن هذه الترجمة التي تحمل تأكيداً من ابن خلدون نفسه على أن تاريخ العلامة ليس فقط مقدمته الشهيرة، فمع ذلك لا يزال في المخيال الشعبي العربي لا يحمل إلا رمزية المقدمة.

 

التّرجمة الذاتيّة

اعتبر تفرداً وتميزاً إقدام ابن خلدون في زمانه على نشر ترجمته الذاتية قبل وفاته (وقد وافته المنية دون أن يتمها) في كتاب عنونه: "التعريف بابن خلدون ورحلته غرباً وشرقاً"، ولكن اليوم تعتبر خطوة مدروسة منه لحفظ تاريخ تحكمه إمكانات التشويه والمغالطات والمزايدات داخل أوطان تنبأ لها العلامة بالانهيار فيكثر فيها :"المُنَجِمون والمُتَسَوّلون والمُنَافِقُون والمُدَّعون والقَوَّالون والمُتَصَعلِكون، وضَارِبو المَندَل وقَارئو الكَف والطَالع، والمُتَسَيسون والمَداحُون والإانتِهَازيون".

وقدم ترجمته ضمن الجزء السابع والأخير من كتابه "العبر"، وأتى من خلاله على أبرز التفاصيل التي تخص نشأته وتكوينه ورحلاته، والمناصب التي تقلّدها وفكره.

يستغل ابن خلدون ترجمته ليرد على كل اتهامات عصره وتشويهه بتبعيته للملوك، فيطرح سبب كل قصيد مدحي كان يهديه للسلاطين. ويستحضر العلامة قصته في المغرب حين اعتُقل مع مجموعة من المصريين، وكان السلطان آنذاك ينوي إعدامهم فدعاهم على العشاء، ولكن ابن خلدون تبين نياته الخبيثة. وبادر بإلقاء قصيد مدحي للسلطان حتى جعله يتراجع عن الإعدام، بل أصر عليه للبقاء في المغرب وطرح عليه منصباً، ولكن ابن خلدون أوهمه بضرورة العودة الى مصر لجلب أمتعته وكانت مجرد خدعة حتى يعود من حيث أتى.

 

 

 

نشأة ابن خلدون

يقول ابن خلدون في تقديمه لنفسه في كتاب التعريف "وأما نشأتي فإني ولدت بتونس  في غرة رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبعمئة، وربيت في حجر والدي، رحمه الله، الى أن أيفعت وقرأت القرآن العظيم على الأستاذ المكتب أبي عبد الله، محمد بن سعد بن برال الأنصاري، أصله من جالية الأندلس من أعمال بلنسية، أخذ عن مشيخة بلنسية وأعمالها وكان إماماً في القراءات، لا يلحق شأوه، وكان من أشهر شيوخه في القراءات السبع أبو العباس أحمد بن محمد البطرني، ومشيخته فيها وأسانيده معروفة".

ويتابع: "بعد أن استظهرت القرآن الكريم من حفظي، قرأته عليه بالقراءات السبع المشهورة إفراداً وجمعاً في إحدى وعشرين ختمة، ثم جمعتها في ختمة واحدة أخرى، ثم قرأت برواية يعقوب ختمة واحدة جمعاً بين الروايتين عنه، وعرضت عليه رحمه الله قصيدتي الشاطبي، اللامية في القراءات والرائية في الرسم، وأخبرني بهما عن الأستاذ أبي العباس البطرني وغيره من شيوخه وعرضت عليه "التقصي لأحاديث الموطأ" لابن عبد البر، حذا به حذو كتابه التمهيد على الموطأ مقتصراً على الأحاديث فقط".

 

ابن خلدون والثورة

استطاع ابن خلدون من خلال استقرائه للتاريخ وفقه منهجه التطوري القائم على الملاحظة والتحليل والتفسير، استطاع أن يكتب ماضيه وحاضره ومستقبله الذي هو اليوم روح حاضرنا وبذرة البحث في الخيط الناظم لمستقبلنا. وكان دقيقاً في وصف الملوك والحكام المستبدين ودورهم في اندلاع الثورة: "يحاولون إظهار القوة من خلال احتكار السلاح والجيش، وذلك لقمع الناس إذا أرادوا الثورة ومواجهة استئثار هذه النخبة الحاكمة للسلطة والثروة"، ويتابع: "يلبسون على الناس في الشارة والزي وركوب الخيل وحُسن الثقافة، يموّهون بها، وهم في الأكثر أجبن من النساء على ظهورها". وقال ذلك في حديثه عن "الترف" كعلامة من علامات انهيار الدول بظهور الجيل الهادم لها، وبالتالي ولادة الثورات التي من شأنها أن تعيد عملية البناء.

 

أثر كتاباته

أثر كتابات ابن خلدون ليس فقط عربياً بل هو كوني، وقد دافع عن كتاباته المبدعون الغربيون أكثر حتى من المبدعين العرب، بل شق من هؤلاء تكالبوا من أجل تقزيم فكره ومحوه. فابن خلدون الذي سبق أوغست كونت الى تأسيس علم الاجتماع، بتأسيسه علم العمران، حتى أن بعض المفكرين  يذهب اليوم الى تشويه كونت لمضمون العلم الجديد آنذاك حين سمّاه بعلم الاجتماع، في حين أن التسمية الأكثر شمولية هي علم العمران (تسمية ابن خلدون)، وهو عكس ما تحاول تأكيده بعض المؤسسات الجامعية العربية حين تدافع عن أوغست كونت كمؤسس علم الاجتماع الأول تاريخياً. هذه المؤسسات التي تقزّم من وزن الإضافة التي قدمها ابن خلدون للعلوم، والتي سبق بها الغرب.

كما تظهر روح كتابات ابن خلدون الاجتماعية والفلسفية في  كتابات لعديد المفكرين العرب الذي تأثروا به، الى درجة أن إنتاجاتهم ليست إلا إعادة إحياء للفكر الخلدوني بوجوه أخرى كثيرة.

نأخذ مثالاً لذلك كتاب: "لماذا يخاف العرب الحداثة؟"، فيتساءل خليل أحمد خليل:"الأمة التي لا تتعلم ولا تنتج العلم والعلمانية (كالعروبة)، تغطي حضورها بغيابها الحضاري، فلا تقوم قائمة لدولها إلا في نطاق قبائلها المغلقة، المتغالبة والمغلوبة عموماً التي تعيش تاريخها المقلوب".

 

ونجد مرجعية ذلك في قول ابن خلدون: "المغلوب مولع أبداً بتقليد الغالب، في شعاره وزيّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده، والسبب أن النفس تعتقد الكمال فيمن غلبها". ويتابع "فإذا جاء المطالب لهم (أي إذا قامت الثورة عليهم)، لم يُقاوموا مدافعته، فيحتاج صاحب الدولة حينئذ إلى الاستظهار بسواهم من أهل النجدة، ويستكثر من الموالي (القوى الخارجية)، ويصطنع من يُغني عن أهل الدولة بعض الغناء، حتى يتأذن الله بانقراضها، فتذهب الدولة بما حملت".

نعود أيضاً الى مفهوم الانهيار الذي تكلم عنه الدكتور أحمد خليل أحمد، والذي نراه امتداداً للفكر الخلدوني: "سيشهد العالم العربي، الجمهور الملكي، الفوار والثائر، دورة تفكيكية كاملة قد تمتد حتى عام 2050 دورة مشروطة بمآلات الرأسمالية الغربية التي تتفكك هي الأخرى، فيما هي تفكك بيئتها الحيوية في الداخل والخارج (العربي والإسلامي)، وبعد اكتمال هذه الدورة الكبرى حول الذات ستستأنف العروبة إعادة بناء ما تفكك، لكن بواسطة أجيال عربية مباينة جذرياً للأجيال الراهنة، رهانها الأكبر القطع مع جيلنا، والمضي الى العصر بلا قيود". ونجد مرجعية لذلك أيضاً في نظرية ابن خلدون حول تطور المجتمعات، فيرى أن بناءها يمر بثلاثة أجيال: جيل أول يبني، وجيل ثان في امتداد مع الحيل الأول، أما الحيل الثالث فهو الجيل الهادم الذي تنهار معه الدول.

وهذا مثل من أمثلة كثيرة لا نقزّم من خلاله الأعمال الجديدة قدر ما نحاول التأكيد على أهمية هذه الصيرورة والاستمرارية في المحافظة على الخيط الناظم بين الأزمنة المتوارثة فكراً وعملاً، والمتناسلة وفق منهج تطوري تغييري تحكمه الحاجة الى البناء.

نعود لننهي مع نص الدكتور حسين مؤنس: "ابن خلدون لا بضع نظريات أو يعتسف قوانين، بل يؤرخ ويدرس ويحلل ويعطينا صورة أشبه بلوحة أشعة سينية لجسم قطاع كامل من قطاعات أمة الإسلام (..) هنا نجد القوة الحقيقية لابن خلدون وموضع فخره الذي لا ينازعه فيه أحد، هنا نحن مع قمة رفيعة الذروة من قمم فكرنا العربي...". ويوضح أنها "تلك القمة التي يقف عليها الشريف الإدريسي (...) وكل منهما يتميز على غيره من المؤرخين والجغرافيين بأنه يضع أمة الإسلام في الوضع الذي تستحقه: أمة العلم والمعرفة التي تدرس وتبحث وتستكشف طليعة الدنيا في موكب العلم والعرفان".

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم