إعلان

بايدن أخطأ في أفغانستان... وكذلك منتقدوه

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
أفغان يركضون إلى جانب طائرة نقل سي-17 الجوية في مطار كابول الدولي طلباً للهرب من حكم "طالبان"  (أ ب)
أفغان يركضون إلى جانب طائرة نقل سي-17 الجوية في مطار كابول الدولي طلباً للهرب من حكم "طالبان" (أ ب)
A+ A-

بسبب تداعيات الانسحاب الأميركيّ الفوضويّ من أفغانستان، طالب جمهوريّون بإقالة الرئيس الأميركيّ جو بايدن لفشله في تأمين مغادرة آمنة للمدنيين والعسكريين معاً. هذه المطالبة صوريّة ومن المرجّح ألّا تؤدّي إلى أيّ نتيجة في ظلّ سيطرة الديموقراطيين على الكونغرس. وربّما في هذه المطالبة محاولة للانتقام من الديموقراطيين الذين وجّهوا اتّهاماً مرّتين للرئيس السابق دونالد ترامب قبل أن يبرّئه مجلس الشيوخ ذو الغالبيّة الجمهورية آنذاك. 

 

"تغطية هستيرية وغبية"

للمفارقة، لم يكن الدفاع عن بايدن مستميتاً من الجانب الديموقراطيّ أو حتى من جانب وسائل الإعلام البارزة المعروفة بمناصرتها للديموقراطيين. على العكس من ذلك، حملت صفحاتها أو شاشاتها الانتقادات الحادّة نفسها التي وجّهها الإعلام المحافظ إلى بايدن. وهذا ما أزعج مراقبين مؤيدين للرئيس.

على سبيل المثال، تذمّر كبير مستشاري هيلاري كلينتون فيليب راينز من التغطية الإعلامية التي ساوت بين أخطاء ترامب وأخطاء بايدن. المستشار السياسيّ الديموقراطيّ جايمس كارفيل أطلّ بدوره على شبكة "أم أس أن بي سي" قائلاً: "لا يوجد طريق أنيق لخسارة حرب. لقد خسرنا هذه الحرب منذ 15 عاماً. كلّ ما كان جو بايدن يقوم به هو إطلاعنا على الوقت". وفي تعليق أعنف أضاف: "التغطية الهستيرية والغبية للصحافة السائدة كانت فظيعة".

يمثّل كارفيل جزءاً من المراقبين الأميركيّين الرافضين لرؤية أنّ ما يحدث في أفغانستان لا يمكن أن يعكس تخطيطاً تقوم به قوة عظمى – حتى مع وضع جانباً التفجيرات الانتحاريّة التي حصدت 13 جندياً أميركياً. صحيح أنّه لا جدال حول عدم واقعية ترقب خسارة أنيقة لأيّ حرب. لكن ما طالب به الأميركيّون ليس إنهاء للحرب بطريقة أنيقة بل مجرّد الخروج منها بطريقة لائقة وهذا ما لم يؤمّنه بايدن. على أيّ حال، لم يتهرّب بايدن من تحمّل المسؤوليّة في ما آلت إليه الأوضاع مؤخّراً داخل وحول مطار كابول. لكنّه حين تلقى أسئلة محرجة من أحد مراسلي "فوكس نيوز"، ذكّر بأنّ إدارة ترامب نفسها كانت قد وقّعت على الاتّفاق مع "طالبان" في شباط (فبراير) 2020.

 

أخطاء بايدن في التنفيذ والترويج

أخطأ بايدن على جبهات عدّة في إدارة عمليّة الانسحاب: استبعد إلى حدّ كبير سيطرة "طالبان" على كابول، وتعهّد بألّا يرى الأميركيّون مروحيّات تنقل المواطنين من على سطح السفارة الأميركية كما حدث في سايغون، وفشل في منع احتشاد الأفغان في المطار ممّا أدى إلى تشكيل هذه الحشود هدفاً جذاباً بالنسبة إلى تنظيم داعش. مع ذلك، تجادل الإدارة في أنّها على الأقل استطاعت إجلاء حوالي 120 ألف مواطن معظمهم من الأفغان في حوالي أسبوعين فقط. وقارنت عمليّة الإجلاء بالجسر الجوّي الذي أنشأته إدارة هاري ترومان بالتعاون مع الحلفاء الأوروبيين بين 1948 و 1949 لمدّ سكّان برلين الغربية بمقوّمات الصمود بعد حصار فرضه الاتحاد السوفياتيّ. لم يتوقّع الأخير أن يكون هذا الجسر فعّالاً، لكنّ توقّعاته خابت فرفع الحصار بعد 11 شهراً.

ردّ آخرون بأنّ المقارنة غير سويّة ولا يقتصر سبب ذلك على الفارق الكبير في حجم الدعم والجهد والذي تفوّقت فيه إدارة ترومان. المشكلة بحسب هؤلاء، أنّ واشنطن في الحرب الباردة كانت تساعد أشخاصاً أراد الاتحاد السوفياتي حرمانهم من حقوقهم. حينها، نبعت الأزمة من موسكو. اليوم، تنبع الأزمة في واشنطن. لا يمكن لبايدن أن يلوم أحداً على هذه الكارثة سوى نفسه بحسب هؤلاء.

على الرغم من جميع مكامن الخلل التي تمّت الإضاءة عليها في قرارات بايدن الأخيرة، قد تختبئ المشكلة الأساسية بعيداً من هذه الحيثيّات. بحسب وجهات نظر أخرى، يستحقّ بايدن جميع الانتقادات التي طالته. لكنّ ذلك لا يعني بالضرورة أنّ مطلقي الانتقادات، أكانوا ديموقراطيين أو جمهوريّين، محقّون في منطلقاتهم الفكريّة. فالجزء الأكبر من النقّاد تجمعه نقطة مشتركة في تحليله لمكمن الخلل.

 

عن فرضيّة الخطأ في التنفيذ

أسّست غالبية النقّاد تحليلها على أنّ الانسحاب فكرة سديدة لكنّ بايدن أخطأ فقط في التنفيذ. يناقض الباحث في "مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات" برادلي بومان هذا الادّعاء. يأخذ بومان على سبيل المثال مقال مورين بود في "نيويورك تايمز" يوم 17 نيسان (أبريل) والتي أشادت بتجاهل بايدن للتحذيرات من سحب جنوده في أفغانستان، قبل أن تنتقده في 21 آب على خطئه التنفيذيّ. يردّ بومان بأنّه كان عليها الاعتراف بأنّ بايدن اتّبع نصيحتها ونصيحة كثر غيرها. وانتقد بومان أيضاً ترامب لأنّه كما بايدن، أراد سحب القوات الأميركية وفقاً لجدول زمني خاص مدفوعاً بشعار "إنهاء الحرب التي لا تنتهي".

في هذا السياق، وصف النائب الجمهوري دين كرينشو عبارة "الحروب التي لا تنتهي" بالمغالطة، وكتب في "وول ستريت جورنال" أنّ العديد من الخيارات موجودة بين "بناء الدولة" و"الاستسلام". لقد رفضت جماهير "لا مزيد من الحروب التي لا تنتهي" الإجابة على سؤال ماذا سيحدث بعد الانسحاب من أفغانستان. "هي تفضّل العيش في عالم أحلام عوضاً عن مواجهة واقع أنّ أعداءنا معارضون آيديولوجياً للحضارة الغربية... وأنّهم في حرب معنا سواء أكنا في حرب معهم أو لم نكن".

 

ما وجب تصحيحه

من هنا، يمكن فهم سبب اعتبار البعض أنّ بايدن وترامب يتحمّلان مسؤولية شبه متساوية عن الأحداث الأفغانية. إنّ مستشار شؤون الأمن القومي في الإدارة السابقة جون بولتون والذي استقال منها بسبب خلافه مع ترامب حول الملفّ الأفغانيّ تحديداً، ساوى في إحدى مقابلاته الإعلامية بين الرئيسين الجمهوري والديموقراطي. ونظر إليهما بشيء من الاستخفاف كشخصيّتين متطابقتي الرؤى حيث لم تتعاملا مع أفغانستان كما يجب.

طبعاً يصعب أن تكون المقارنة عادلة بشكل مطلق في هذا السياق، إذ ليس معروفاً كيف كان ترامب ليتصرّف لو كان في البيت الأبيض. هل كان أصغى لمستشاريه بضرورة تأجيل الانسحاب؟ هل كان ليوقف المفاوضات لو خرقت "طالبان" المفاوضات كما فعل في أيلول 2019؟ ثمّة أسئلة يستحيل معرفتها. لكن من الناحية النظرية، يشترك الرئيسان في أنّهما أسرا نفسيهما بشعار "إنهاء الحرب التي لا تنتهي"، وهو المقدّمة الأساسية للخطأ المهلك في أفغانستان.

ما يقوله كرينشو وبومان وبولتون وآخرون هو ضرورة تغيير السرديّة أو الشعار الذي بات لازمة في السياسة الخارجيّة. يقول السفير السابق إلى أفغانستان جايمس كانينغهام إنّه لو سئل الأميركيون عمّا "إذا كان على القوات الأميركية البقاء في حرب لا تنتهي في أفغانستان" فستجيب الغالبية بـ "لا". "إنّ سؤالاً أفضل هو ‘هل يجب على عدد صغير من القوات الأميركية البقاء حتى يكون بإمكانها الانسحاب من دون زيادة المخاطر الأمنية على أميركا والتضحية بالتقدم الذي أحرزناه؟‘"

قد يكون فات الأوان على تصحيح السؤال المطروح على الشعب الأميركيّ بعدما اقتربت واشنطن من مغادرة الأراضي الأفغانية. قال بولتون سابقاً إنّ مهمّة القادة هي إصدار قرارات مبنيّة على حسابات صحيحة ومحاولة تقديمها إلى الشعب بطريقة مبسّطة ومقنعة.

يبدو أنّ القادة الأميركيّين لم ينجحوا إلّا في الشق الثاني من المهمّة. ولفترة محدودة.

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم