إعلان

أكبر إخفاق لبايدن في أول 100 يوم من رئاسته

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس الأميركي جو بايدن - "أ ب"
الرئيس الأميركي جو بايدن - "أ ب"
A+ A-

قد يكون التقدم الكبير الذي تحقق في مواجهة "كوفيد-19" على صعيد تسريع عمليات التلقيح الإنجاز الأبرز للرئيس الأميركي جو بايدن بعد 100 يوم على دخوله البيت الأبيض. وبلغ عدد الجرعات المقدّمة للأميركيين الأسبوع الماضي ضعفي العدد الذي وعد بايدن بتأمينه مع نهاية هذه الفترة الزمنية. وفي آذار، تمكّن بايدن من تمرير حزمة تحفيز ضخمة للاقتصاد بقيمة 1.9 تريليون دولار. لكنّها لم تحظَ بأي صوت جمهوريّ. في هذا السياق، اعترفت شبكة "سي أن أن" غير البعيدة من توجّهات الرئيس بأنّ بايدن لم يحرز تقدّماً في أهدافه المتعلّقة بإعادة توحيد الأميركيين. إذا فشل بايدن في تحقيق هذا الهدف العسير فعبثاً يحاول تحقيق إنجازات أخرى داخلية أو خارجية.

 

بدأت الانقسامات الداخليّة تتراكم منذ التسعينات وتعزّزت في العقد الأخير. لذلك، باتت التهديد الأكبر للولايات المتّحدة. فحجم الشرخ الداخليّ قد يكون الأكبر منذ حوالي قرن ونصف من الزمن، حين اندلعت الحرب الأهليّة. حفل التنصيب نفسه أقيم تحت شعار "أميركا متحدة". وخلال خطاب التنصيب قال بايدن: "أعلم أن الحديث عن الوحدة قد يبدو مثل تخيّل أحمق هذه الأيام. أعلم أن القوى التي تفرّقنا عميقة وحقيقيّة. لكنّني أعلم أيضاً أنّها ليست جديدة. لقد كان تاريخنا صراعاً مستمراً بين المثال الأميركيّ حول كوننا قد خلقنا متساوين وبين الواقع القاسي والبشع حول أن العنصرية، الأصلانية، الخوف والشيطنة قسّمتنا لفترة طويلة".

 

في مسائل القيادة، تملك الكلمات والأفعال أثراً متساوياً في نفوس المواطنين. قلّما أدان ترامب القوميّين البيض إلّا بعد أن كان يستحضر مجموعات "أنتيفا" لإبراز "خطرها" على القيم الأميركيّة. مع ذلك، أقرّ الكونغرس في عهده قانون إصلاح السجون الذي استفاد منه المجتمع الأميركيّ-الأفريقيّ كما خفّض نسبة البطالة بين الأقليات الأميركية إلى نسب قياسية. بالمقابل، يبدو بايدن أكثر اتّزاناً في خطابه الإعلاميّ والوطنيّ. أمّا خطّته لتعزيز وضع المجتمعات الأقلوية فلن تتبيّن آثارها قبل فترة طويلة. لكنّ التطرّف في إظهار "الظلم" الذي يتعرّض له السود مثلاً قد لا يعجب الجمهوريّين. فالحديث عن "العنصريّة النظاميّة" يثير جدلاً كبيراً في الولايات المتحدة. حتى السيناتور الأميركيّ-الأفريقيّ تيم سكوت رفض منذ ساعات الكلام عن وجود "عنصريّة نظاميّة" أميركيّة.

 

اجتماع صوريّ؟

في مسألة حلّ الخلافات بين الديموقراطيّين والجمهوريّين بشأن حزمة التحفيز، عقد بايدن اجتماعاً مع عشرة جمهوريّين للاستماع إلى مقترحهم. لكنّ إدارته قالت إنّ هذا المقترح "فشل في تلبية ما تقتضيه اللحظة" قبل أن يقول الرئيس لاحقاً إنّ الجمهوريّين "لم يتقدّموا إنشاً" واحداً في ما خصّ المفاوضات. ردّ بعض هؤلاء على كلامه قائلين إنّ بايدن يستخدم هذا التوصيف من أجل مواصلة تطبيق استراتيجيّته بصورة منفردة.

 

إنّ سياسات الرئيس الحاليّ في التواصل مع الجمهوريّين ليست سوى قشور ظاهريّة بحسب بعض التحليلات التي أظهرت أنّ كلا الحزبين لا يزال يتمترس خلف أفكاره. علاوة على ذلك، تشير التحليلات نفسها إلى أنّ بايدن، وباعتراف وسائل الإعلام على مختلف توجّهاتها، ينتقل نحو اليسار. وهذا ما كان قد توقّعه مراقبون حتى قبل شهرين على دخوله البيت الأبيض. لو كان ذلك صحيحاً فإنّ قدرة بايدن على ردم الهوّة بين طرفي الانقسام تتبدّد بمرور الوقت. بالمقابل، إنّ تطبيق بايدن سياسات "يساريّة" سيطلق ردّة فعل عكسيّة مستقبلاً مع تعبئة إضافيّة لليمين والجمهوريّين وربّما الترامبيّين بشكل خاص. بالتالي، وبدلاً من أن يعمل على إخراج الأميركيّين من المأزق المتراكم، قد يتبيّن أنّ بايدن مجرّد حلقة إضافية من حلقات الشرخ.

 

إنّ تراجع الرئيس عن وعوده بدفع المجتمع الأميركيّ إلى التعافي يضعه تحت ضغط معنويّ. فمع عمله على استعادة الديبلوماسية الدولية المتعددة الأطراف، يمكن أن يبدو بايدن أكثر حرصاً على التعاون مع الحلفاء الدوليّين من مدّ اليد إلى مواطنيه في الداخل. ولعلّ أبرز ملفّ يطبّق فيه بايدن هذا الأسلوب هو التفاوض مع إيران، حيث تواصل مع الدول الأخرى، بما فيها الصين، حول الملفّ قبل التواصل مع الجمهوريين. في الأحوال الطبيعية، تسمح الديموقراطية الغربية للفائز بالأكثرية المطلقة بممارسة الحكم وفقاً لبرنامجه. لكن مع اعتراف بايدن بعمق الانقسامات الداخليّة وبضرورة علاجها، سيتعيّن عليه التواصل أكثر مع خصومه السياسيين.

 

تحدّيات ونصائح

وصف السفير الأميركي السابق إلى الاتحاد الأفريقي روبن بريجيتي الانقسام الذي تعاني منه الولايات المتحدة بـ"القبَليّ". ويوضح أن هذا المصطلح لا يعني المفهوم الشائع الذي يقسم بين البلدات البدائية والمدن المتحضرة أو بين الغرب وسائر دول العالم، إنما يعني ربط السياسة بالهوية بما يفرضه ذلك من امتناع أيّ مجتمع قبَليّ عن الانفتاح على الآخرين والاستماع إليهم والتفاعل معهم. من ضمن مجموعة النصائح التي قدّمها بريجيتي لحلّ المشكلة، تولّي بايدن شخصيّاً القيادة في علاج الشرخ. فقد حثّه في مجلة "فورين أفيرز" على أن يدعو إلى عقد قمة وطنية حول القبليّة السياسية بحيث تدرس تهديدها للحوكمة والأمن الأميركيّين وتصدر عنها توصيات لمعالجة الأزمة. واقترح أن يشارك في رئاسة القمة رئيسان سابقان من حزبين مختلفين، بحيث تشمل أيضاً أكاديميين ورجال أعمال وناشطين مدنيين من توجهات سياسية مختلفة. بامكان هذه القمة إنتاج مقترحات ملموسة على المستويين المحلي والفيديرالي.

 

على الرغم من أهمّيّة القادة في تأدية هذا الدور، يشير بريجيتي إلى أنّ المسؤوليّة لا تقع على بايدن وحدها. في نهاية المطاف، عمل نيلسون مانديلا مع الرئيس فريديريك دو كليرك المسؤول عن التمييز العنصري لتفكيك النظام العنصري. وتعاون قائد "شين فين" جيري آدمز مع الاتّحادي دايفد تريمبل للتفاوض حول اتفاق "الجمعة العظيم" على الرغم من خلافاتهما العنفية.

 

لا تعاني الولايات المتحدة من حدّة المشاكل نفسها التي عانت منها إيرلندا الشمالية وجنوب أفريقيا. بالتالي، يُفترض بمهمّة بايدن أن تكون أسهل نسبيّاً. لكن الظاهر أنّ الرئيس الأميركيّ يعتقد أنّه بمجرّد وجود شخص غير استقطابيّ في البيت الأبيض كافٍ وحده لإنهاء الاستقطاب المجتمعيّ. حتى المقرّبون منه لا يولون القضيّة الجدّيّة التي تستحقّها. مستشارته البارزة أنيتا ديون رأت أنّ الثنائيّة الحزبيّة في عمل الرئيس تعني التواصل مع الديموقراطيين والجمهوريين، ولا تعني أن يكون الجمهوريّون بالضرورة مشرّعين في الكونغرس. وهذه محاولة للالتفاف حول الواقع.

 

يدرك بايدن أنّه مهما نجحت الولايات المتحدة على الصعيد الخارجيّ وحتى على الصعيد الاقتصاديّ، ستظلّ صورتها الدوليّة مشوّهة لو تعمّق الشرخ الداخليّ. التخلّص من الاستقطاب المجتمعيّ ليس مجرّد خير عام وحسب. إنّه مسألة أمن قوميّ بحسب توصيف بريجيتي.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم