إعلان

هل انتهى بايدن من ردّه على "داعش"؟

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
الرئيس الأميركي جو بايدن متأثراً بمقتل 13 جندياً أميركياً بفعل تفجيرات إرهابية في كابول - "أ ب"
الرئيس الأميركي جو بايدن متأثراً بمقتل 13 جندياً أميركياً بفعل تفجيرات إرهابية في كابول - "أ ب"
A+ A-

لم يتأخر الرئيس الأميركي جو بايدن في شن رد عسكري على تنظيم "داعش - خراسان" بعدما أقدم الأخير على قتل 13 جندياً أميركياً وأكثر من 170 مدنياً أفغانياً من خلال عمليات انتحارية استهدفت مطار كابول يوم الخميس. فقد نفّذت الولايات المتحدة غارة على أحد الأهداف في إقليم نانغارهار شرقي أفغانستان، حيث قالت القيادة المركزية إنّ المؤشرات الأولية "تدل إلى أننا قتلنا الهدف" وهو أحد "مخططي" "داعش" في البلاد. واستخدمت واشنطن "طائرة من دون طيار" (درون) لتنفيذ ضربتها.

 

في حديث إلى شبكة "أن بي سي" الإخبارية، قال مسؤولان في وزارة الدفاع مطلعان على تفاصيل الغارة، إنّ ثمة اعتقاداً بتورط المخطّط في "داعش - خراسان" بالتخطيط لعمليات إرهابية مستقبلية. وكان المخطِّط مع أحد المرتبطين به يستقلان سيارة حيث كانت تسير في منطقة معزولة. وأضاف المسؤولان أنّ الغارة نُفّذت بواسطة "درون أم-كيو ريبر" وذخائر اختيرت خصيصاً لتخفيض عدد الإصابات الجانبية.

شكّل إقليم نانغارهار معقلاً أساسياً لـ"داعش" خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى إقليم كونار المجاور. وسبق للولايات المتحدة أن قتلت أبرز قادة "داعش" في تينك الناحيتين. الزعيم الأول للتنظيم نفسه حافظ سعيد خان قُتل في آب (أغسطس) 2016 في نانغارهار. وفي أيار (مايو) 2017، اغتالت الولايات المتحدة خلفه "عبد الحسيب" في الإقليم نفسه. وخليفته "أبو سيّد" اغتيل بعد شهرين في إقليم كونار.

 

اختبار أوّل

نفّذت الولايات المتحدة ضربتها من خارج البلاد في أوّل اختبار لاستراتيجية "ما وراء الأفق" لمحاربة الإرهاب. وتقضي تلك الاستراتيجية باستهداف مجموعات إرهابية يمكن أن تشكّل خطراً على الولايات المتحدة، انطلاقاً من قواعد عسكرية خارج أفغانستان. لكن تبقى هذه المقاربة غير مضمونة النتائج لأسباب عدّة. أوّلاً هي لا تستطيع التعويض تماماً عن الحضور العسكري والاستخباري على الأرض.

 

ثانياً، وبالنظر إلى بعد القواعد الأميركية عن أفغانستان، ستحتاج الولايات المتحدة إلى وقت طول وكلفة أعلى لمطاردة أهدافها، مع خطر إفلات تلك الأهداف من الغارات الأميركية بفعل طول المسافة التي على الطائرات الأميركية اجتيازها قبل بلوغ مقاصدها. يفرض كلّ ذلك على واشنطن تحريك أصول ضخمة كحاملة طائرات وزيادة عدد "الدرونز" والمقاتلات في الأجواء. خلاصة هذه الصورة أنّ كلفة محاربة الإرهاب من خارج البلاد أعلى من كلفة محاربته من داخلها، حتى بوجود افتراض – مشكوك به – بأنّ النتيجتين متقاربتان.

 

اختبار ثانٍ

ليس مؤكداً أن يكون اغتيال عنصر واحد من "داعش" كافياً لتأسيس ردع أميركيّ ضدّ عمليات إرهابية في المستقبل. قتلَ التنظيم ثاني أكبر عدد من الأميركيين في يوم واحد منذ سنة 2011. بالتأكيد، بدا الردّ الأميركيّ خجولاً. بالنسبة إلى دولة عظمى تعاني في تنظيم عملية إجلاء صحيحة وتعاني في تعزيز وضع مواطنيها الأمنيّ في أفغانستان على الرغم من التحذيرات الكثيرة التي تلقّتها في الآونة الأخيرة، يصعب استنتاج أنّها تمكّنت من استعادة هيبتها بفعل هذه الضربة.

 

على العكس من ذلك، إذا لم يكن بإمكان الولايات المتحدة سوى قتل عنصر إرهابي واحد في مقابل قتل 13 من جنودها، فتفسير ذلك أنّها تلقّت ضربة جديدة لهيبتها الدولية. بالتأكيد، دوّنت روسيا والصين هذه الملاحظة، إلى جانب حلفاء واشنطن التقليديين الذين أغضبتهم بفعل عدم تنسيقها الانسحاب معهم.

ربّما خشي بايدن من أنّ ضربة قوية ضدّ التنظيم يمكن أن تدفعه إلى الانتقام مجدداً. لكنّ سبب عدم تأجيل الضربة بانتظار عملية انتهاء الإجلاء يظلّ غامضاً، خصوصاً أنّ بايدن لم يعطِ لنفسه مهلة محدّدة للردّ بل قال إنّ بلاده ستختار التوقيت المناسب للعملية: "سنردّ بقوة ودقة في توقيتنا، في مكان نختاره وفي لحظة نختارها".

 

عودة إلى الاختبار الأول

هل استعجل بايدن الرد لإطفاء الغضب الشعبيّ الأميركيّ بأسرع ما يمكن؟ قد يكون ذلك محتملاً. لكنّ هذه الحسابات مرتبطة باعتبارات شعبيّة أكثر من ارتباطها بأبعاد ردعيّة. حتى التأييد الشعبي لضربة سريعة كهذه غير مضمون. مع ذلك، لا يمكن استبعاد فرضيّة أنّ بايدن أراد توجيه ضربة أقوى، لكنّ المعطيات الاستخباريّة والعمليّة لم تسمح له بذلك. يعيد هذا الأمر القرّاء إلى مشكلة حدود الفاعليّة في استراتيجيّة "ما وراء الحدود".

 

فحين كانت واشنطن تملك عدداً أكبر من الجنود على الأرض الأفغانية، استطاعت قتل قادة "داعش - خراسان" الثلاثة في أقلّ من عام. يبرهن هذا الأمر القيمة الاستخباريّة والعسكريّة للاحتفاظ بالجنود على الأرض بالمقارنة مع مراقبة الإرهابيين من خارج الحدود. من ناحية أخرى، لن يستطيع بايدن الهرب من المقارنات في التعامل مع الإرهابيين بينه وبين سلفه دونالد ترامب. فمن دون قتل 13 جندياً أميركياً في يوم واحد كما حصل منذ يومين، عمد ترامب إلى قتل حوالي مئة مقاتل من صفوف التنظيم بعملية واحدة في نيسان (أبريل) 2017.

 

يمكن ألّا تكون الغارة الأميركية الأخيرة على تنظيم "داعش" سوى بداية أو مقدّمة لعمليّة انتقامية أوسع في المستقبل القريب. وهذه العمليّة تقدّم فرصة نادرة لإسكات بايدن معارضيه في الداخل. إن لم يحسن الرئيس انتهاز تلك الفرصة فسيظلّ شبح الإخفاق الأفغانيّ يطارده لفترة غير قصيرة.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم