إعلان

تدخّل أميركا في العالم يجعلها أكثر ديموقراطيّة؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
اقتحام الكابيتول اعتراضاً على فوز جو بايدن بالانتخابات الرئاسية - 6 يناير 2021 - "أ ب"
اقتحام الكابيتول اعتراضاً على فوز جو بايدن بالانتخابات الرئاسية - 6 يناير 2021 - "أ ب"
A+ A-

في عالم يبدو أنّه يضغط على الولايات المتحدة من أجل فكّ ترابط مصالحها بمصالحه، يصعب على صنّاع القرار الأميركيّين اتّخاذ الموقف المناسب. النظام الذي بنته واشنطن بعد الحرب العالمية الثانية أمّن لمواطنيها رفاهية وازدهاراً غير مسبوقين. كانت الديموقراطيّة والحريّات الفرديّة والاقتصاديّة ركيزة هذا النظام الذي أثبت تفوّقه بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. اليوم، يواجه الأميركيون ضغطاً معاكساً للانسحاب من النظام الدولي الذي أسّسوه وخدمهم لأكثر من نصف قرن. الحوافز للتجرّؤ على خطوة كهذه كثيرة ومقنعة إلى حدّ كبير. في نهاية المطاف، كان هذا النظام نفسه الذي مكّن روسيا والصين من الازدهار في ظلاله وتشكيل "أخطار" متفاوتة على موقع الولايات المتحدة.

 

بين أفغانستان والعراق

إنّ فكرة نشر الديموقراطيّة بنفسها، بصرف النظر عن استخدام القوّة لنشرها، اصطدمت بعوائق متنوّعة. هل كلّ مجتمع في العالم قابل لاستيعاب الديموقراطيّة كنظام باعث على التطوّر، أم أنّ للمجتمعات خصوصيّات تاريخيّة تحتّم نجاح أو فشل تطبيق الديموقراطيّة في بنى حكمها؟ راودت هذه الأسئلة المراقبين وصنّاع القرار، خصوصاً بعد حربي أفغانستان والعراق. فالتاريخ الأفغانيّ أقرب إلى أن يكون دولة - قبائل من أن يكون دولة - أمّة بحسب المفهوم الغربيّ. كان جمعُ الإثنيّات (وأمراء الحرب) في حكومة واحدة يحمل في طيّاته مخاطر الفشل. ثمّة الكثير من الأسباب التي ساهمت في وصول الولايات المتحدة إلى طريق مسدود في أفغانستان، وقد لا تكون محاولة تطبيق الديموقراطيّة سوى العنصر الأقلّ تأثيراً في المعادلة. على أيّ حال، إن مشاهد الفوضى التي رافقت الانسحاب الأميركي من أفغانستان يمكن أن تكون ناتجة من خطأ مجّاني ارتكبه بايدن بسبب ازدرائه الطويل المدى لتلك الحرب، بصرف النظر عمّا تمليه الوقائع. واستطلاعات الرأي التي أجريت في أفغانستان بعد إطاحة "طالبان" أظهرت أنّ غالبيّة الأفغان فضّلت الأميركيّين على الحركة. آلاف الناس الذين خاطروا بحياتهم للّحاق بالطائرات الأميركية المغادرة يبيّنون أنّ الديموقراطيّة الأميركيّة لم تكن غير جذابة للأفغان، على الأقلّ ليس بالمقدار الذي يتخيله بعض المراقبين الأميركيين أنفسهم.

 

وعلى الرغم من المعاناة الكبيرة التي خبرها العراقيون بعد الاجتياح الأميركي، أصبحت بلادهم اليوم أفضل بأشواط ممّا كانت عليه في 2003 أو 2014. الديموقراطية العراقيّة تتقدّم ببطء لكن بثبات، وهي ستجد الحظوظ الأوفر للتجذر كلما خفّت قبضة طهران على بغداد. بالرغم من أن دولة سيّدة لا تستطيع التعايش مع ميليشيات تقوّض سلطتها، يمكن القول إن العراق يمضي قدماً في تقييد "الحشد الشعبي"، وإن كانت الطريق إلى ذلك لا تزال طويلة وشائكة. يكفي أن الميليشيات المدعومة من إيران خسرت في أكتوبر (تشرين الأوّل) أكثر من نصف مقاعدها التي كسبتها في انتخابات 2018 للدلالة على المسافة الطويلة التي اجتازها العراقيون لبناء دولة ديموقراطية. لا يعني ذلك صرف النظر عن الحاجة الملحّة إلى المزيد من الخطوات في مجال تعزيز الشفافية وحكم القانون والحوكمة الرشيدة...

 

مفارقة

خلاصة الأمر أنّ العراق وأفغانستان ليسا حجّتين دامغتين على فشل الولايات المتحدة في توسيع النظام العالميّ أو تدعيمه، وإن شكّلا عثرتين بارزتين على هذا المسار. ساهمت هاتان العثرتان في إضعاف موقع الولايات المتحدة الدولي. فمن ناحية أولى، أنفقت واشنطن تريليوينات الدولارات على هاتين الحربين أمكن أن تستغلّها في مشاريع تنموية داخلية وفي تطوير جيشها. من ناحية ثانية، باتت كثير من الدول ترتاب من التدخلات العسكرية الأميركية في الخارج بالنظر إلى أكلافها، بغضّ النظر عمّا إذا كانت ستنجح في تحقيق أهدافها على المدى البعيد. في جميع الأحوال، بات الأميركيون ورؤساؤهم متردّدين بإطلاق تدخلات عسكرية خارجية أو حتى بالاستمرار في خوضها. لكن ثمّة مفارقة في هذا المشهد تناولها مدير "مركز دراسات الأمن والسلام" في جامعة كاليفورنيا إريك غارتزكي في صحيفة "ذا هيل".

 

هو أشار إلى أنه كلّما أصبحت الولايات المتحدة أكثر تفادياً للحروب الخارجيّة – كما هي عليه الآن – ازدادت حاجة الآخرين إليها. يتمظهر ذلك خصوصاً في تخوّف الدول المجاورة لروسيا والصين من توسّع هاتين الدولتين على حسابها، ما يدفعها إلى طلب النجدة من الولايات المتحدة. إن شعار "دعوني أعيش" الذي ترفعه واشنطن مؤخراً يصبح أكثر جاذبية بالنسبة إلى الدول التي تتخوّف من "أطماع" موسكو وبكين. مع ذلك، ثمّة شكوك في حجم "جاذبية" الولايات المتحدة عند الحديث عن الاستقطاب الداخلي وتضرّر الديموقراطية الأميركية نفسها. وتزداد الأسئلة إلحاحاً، خصوصاً أن الولايات المتحدة لمّا تستطع بعد الخروج من أزمة حوادث 6 يناير (كانون الثاني) واقتحام الكابيتول لمحاولة تغيير نتائج انتخابات 2020 الرئاسية.

 

نظرة معاكسة

يقدّم الأستاذ المتميّز للشؤون الدولية في "كلية جونز هوبكينز للدراسات الدولية المتقدّمة" هال براندس إجابة مثيرة للاهتمام. بعكس مراقبين كثر يدعون واشنطن للتواضع واستخلاص العبر من حوادث 6 يناير، مع ما يعنيه ذلك من تخفيض للبصمة الأميركية الدولية من أجل التركيز على الداخل، يدعو براندس إلى عدم انسحاب الولايات المتحدة من شؤون العالم، حتى ولو كانت ديموقراطيتها اليوم معيوبة. يذكر براندس في مجلة "بورسوايجن" أن الولايات المتحدة لم تكن قط مثالية في حكمها الداخلي حين راحت تنشر الديموقراطية في الخارج. خاضت أميركا مثلاً الحرب العالمية الأولى لـ"جعل العالم آمناً للديموقراطية"، بالرغم من أن ملايين النساء كنّ مستثنيات من الاقتراع. وفي الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، هاجمت واشنطن التهديدات التوتاليتاريّة في الخارج بالرغم من استمرارها في تطبيق قوانين عنصريّة.

 

لكنّ براندس يذهب خطوة أبعد. لقد خاف الرؤساء الأميركيون من أن عدم توسيع النظام العالمي بقيادة بلادهم سيجعل المجتمع الأميركي أكثر تعسكراً للدفاع عن نفسه، وبالتالي أقلّ ديموقراطية. كذلك، يرى الأستاذ الجامعي أن مواجهة التوتاليتاريّات والشيوعية وغيرها ساهمت في تطوّر القوانين الداخلية ولبرلتها عبر الاستثمار في التعليم ومجالات أخرى لتعزيز تفوّق أميركا الأخلاقي. لهذا السبب، هو يخلص إلى أن الانسحاب الأميركي من العالم لا يحلّ المعضلة بل يفاقم المشكلات الأميركية الداخلية.

 

ليس واضحاً ما إذا كانت فكرة الدفاع عن النظام الليبيرالي العالمي كشرط أساسي لتحسين الديموقراطية في الداخل، بدلاً من العكس، قادرة على إعادة كسب عقول صنّاع القرار في واشنطن والمهتمين بتجاوز آثار السادس من يناير. لكنّها فكرة قد تجعل حرباً باردة بنسخة جديدة أكثر احتمالاً.   

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم