إعلان

ما الأسئلة التي يتعيّن على بايدن طرحها قبل مواجهة الصين؟

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
نائب الرئيس الأميركي جو بايدن والرئيس الصيني شي جينبينغ يتشاركان نخباً خلال حفل رسمي في واشنطن، أيلول 2015 - الصورة عن وزارة الخارجية الأميركية
نائب الرئيس الأميركي جو بايدن والرئيس الصيني شي جينبينغ يتشاركان نخباً خلال حفل رسمي في واشنطن، أيلول 2015 - الصورة عن وزارة الخارجية الأميركية
A+ A-
فرضَ دونالد ترامب ضغطاً كبيراً على الرئيس المنتخب جو بايدن كي يصوغ سياسة بالغة التشدّد تجاه الصين خلال حملتيهما الانتخابيّة. ستحاول الإدارة الديموقراطيّة إيجاد حلّ وسط يراعي ضرورة عدم التماهي مع التوجّه الترامبيّ لكن يجنّبها الوقوف مكتوفة الأيدي أمام تنامي قوّة الصين. لا يمكن شطب الدور الصينيّ الجزئيّ في خسارة الديموقراطيّين الانتخابات سنة 2016. فسقوط "الجدار الأزرق" بيد ترامب منذ أربع سنوات يُعزى جزئيّاً إلى انتقال صناعاته باتّجاه الصين على مدى العقدين الماضيين وخسارة الملايين وظائفهم. ولا يبدو أنّ الديموقراطيّين تعافوا تماماً في انتخابات 3 تشرين الثاني (نوفمبر).
 
فرغم حصدهم ويسكونسن وبنسلفانيا وميشيغن، يبقى هامش الفوز غير مطمئن. 
وتنطلق المواجهة الأميركيّة للصين من طرح الأسئلة الصحيحة. ثمّة ما لا يقلّ عن أربعة أسئلة أساسيّة، يمكن تقسيمها إلى مجموعتين بالنظر إلى الترابط الجدليّ بين سؤالي كلّ مجموعة. 
 

مساران للصعود
طرح مستشار بايدن لشؤون الأمن القوميّ جايك سوليفان والبروفسور المتميّز لمادّة الشؤون الدوليّة في جامعة جونز هوبكينز هال براندز سؤاليهما في مقال نشرته مجلّة "فورين بوليسي" في أيّار. بحسب رأيهما، تكمن دعامة المواجهة في معرفة الاستراتيجيّة الصينيّة التي تعتمدها بيجينغ للتفوّق على الولايات المتّحدة. هل تعمد إلى الانطلاق تدريجيّاً في وجهتها عبر بناء هيمنة إقليميّة صلبة ثمّ التوسّع عالميّاً؟ أم تتوسّع عالميّاً بصرف النظر عن هيمنتها الإقليميّة بما أنّ أدوات هذا التوسّع متاحة أمامها؟

يميل المخطّطون الأميركيّون إلى الاعتقاد بالمسار الأوّل. يشبه الأخير ذاك الذي سلكته الولايات المتّحدة مع "مبدأ مونرو" وحماية نفسها من التدخّل الأوروبّيّ في الأميركيّتين، قبل أن تصل إلى العالميّة. أمّا الطريق الثاني فمختلف جدّاً لأنّه يخرق القوانين التاريخيّة للجيوبوليتيك والاستراتيجيا بحسب الكاتبين. تركّز هذه المقاربة بشكل أقلّ على بناء قوّة مطلقة في غرب الهادئ بينما تستند بشكل أكبر إلى تطوير النفوذ الاقتصاديّ والدبلوماسيّ والسياسيّ على الصعيد العالميّ.

قد لا يبدو المسار الثاني مختلفاً عن الأوّل وحسب بل مناقضاً له أيضاً. لكنّ هذا التناقض لا يلغي بالضرورة قابليّته للحياة. حذّر المحلّلان من مخاطر التفكير بأنّ المنافس ينظر إلى العالم عبر عدسة الأميركيّين. إذا كان النجم الأميركيّ قد سطع تدريجيّاً من الإقليميّة إلى العالميّة، فمن غير الضروريّ أن تفكّر الصين بالطريقة نفسها. ذاك أنّ الرهان على السيطرة الإقليميّة قد يعرّض بيجينغ للتركيز على مجالات تتفوّق فيها واشنطن عادة. بينما في المسار الثاني، سيتوجّب على الصين القبول، ولو على مضض، بأنّها عاجزة عن ضمان التفوّق الإقليمي الشامل لكنّها قادرة على تحقيق الهيمنة الدوليّة عبر الاقتصاد والتكنولوجيا. هنا، بإمكان الصين استقاء بعض دروس التفوّق الأميركيّ عقب نهاية الحرب الباردة: تحويل القوّة الاقتصاديّة إلى قوّة سياسيّة، الحفاظ على التقدّم الابتكاريّ وصوغ المؤسّسات الدوليّة بالطريقة المناسبة.

يعتقد سوليفان وبراندز أنّ الصين تعتمد مزيجاً من كلا المسارين لمواصلة صعودها. وبصرف النظر عن الأسلوب النهائيّ الذي ستستثمر فيه، يساعد هذا التأطير الولايات المتّحدة في فهم الخيارات الاستراتيجيّة والمقايضات التي ستضطرّ بيجينغ إلى التواؤم معها بما أنّ مواردها ليست بلا حدود. ويساعد هذا السؤال واشنطن لجهة التركيز على الاستثمارات العسكريّة والابتكارات العمليّة كي تحافظ على التوازن الإقليميّ في مضيق تايوان، وفقاً لتحليلهما.


تمهيد للأسئلة الاستراتيجيّة
ثمّة سؤالان آخران لا يقلّان أهمّيّة عند مقاربة هذا الملفّ، هذا إن لم يكن طرحهما مقدّمة ضروريّة لأيّ أسئلة أخرى مرتبطة بالصين. هل تزال بيجينغ قادرة أساساً على مراكمة عناصر القوّة؟ أم أنّ كلّ ما تقوم به بيجينغ اليوم هو علامة من علامات "اليأس" من المستقبل؟ طرح بروفسور العلوم السياسية في جامعة ماكالاستر أندرو لاثام هذين السؤالين الأسبوع الماضي في مؤسّسة الرأي الأميركيّة "ذا ناشونال إنترست".

يرجّح لاثام أنّ الخطوات المتجرّئة التي تخطوها الصين في الإقليم دليل إلى أنّها في طور التراجع ولذلك هي تستغلّ قوّتها حاليّاً لتحقيق أكبر مقدار ممكن من المكاسب قبل بدء مرحلة الانحسار. يَدعم رأيَه بثلاثة اتّجاهات. من ناحية أولى، يُتوقّع تراجع عدد سكّان الصين بحوالي 50% مطلع القرن المقبل، مع ما يفرضه ذلك من تقلّص في القوّة العاملة وتحويل مواردها الضئيلة لدعم برامج الأمن الاجتماعيّ. ومن ناحية ثانية، يدخل الاقتصاد الصينيّ مرحلة فوضى قبل بلوغ الانكماش النسبيّ بسبب "فخ الدخل المتوسّط" الذي وقعت فيه دول أخرى مثل جنوب أفريقيا والبرازيل. وتقوم هذه النظريّة على أنّ الدول التي تبلغ مصافّ القوى ذات الدخل المتوسّط تسلك مرحلة انحدارية بسبب فقدانها الحدّ التنافسيّ في تصدير البضائع المصنّعة بفعل ارتفاع الأجور. ثالثاً، يؤول نجم الصين إلى الأفول بفعل شراكات آسيويّة تشمل حتى روسيا من أجل مواجهتها إضافة إلى الشراكات الدوليّة.

تقوم رؤية لاثام على أنّ سوء تقدير ما إذا كانت القوّة الصينيّة تصاعديّة أم تنازليّة هو خطأ "كارثيّ" بما أنّه يفرض اعتماد استراتيجيّة خاطئة: اِحتوائيّة بدلاً من أن تكون إداريّة لمرحلة التراجع.


حان الأوان لإعطاء الأجوبة... ولكن
بصرف النظر عمّا إذا كان تحليل لاثام مبالغاً به أم صحيحاً، فإنّه يصلح كي يكون منصّة انطلاق سياسيّ للإدارة الأميركيّة المقبلة على الرغم من أنّ التحليل السائد في مراكز الرأي يرتكز إلى أنّ الصين قوّة صاعدة. والقاعدة نفسها تنطبق على أسئلة سوليفان. لكنّ الأخير أصبح في مركز صناعة القرار اليوم. مسؤوليّته الأولى تتطلّب بدء الإجابة على الأسئلة باستراتيجيّات موسّعة قابلة للتطبيق، بدون أن يعني ذلك التوقّف عن طرح أو مقاربة علامات استفهام أخرى مطروحة في هذا السياق. ليس لأنّ الأسئلة ضروريّة من أجل توسيع أفق الرؤية الأميركيّة لسياستها الخارجيّة وحسب، بل لأنّها ترتبط بمنافس يملك إمكانات أكبر من إمكانات الاتّحاد السوفياتيّ، وفقاً لاعتراف سوليفان.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم