إعلان

على أميركا المفاضلة بين اقتصادها ودورها العالمي؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
بايدن وترامب خلال المناظرة الرئاسية الأولى - "أ ب"
بايدن وترامب خلال المناظرة الرئاسية الأولى - "أ ب"
A+ A-

في مقالة نشرتها مجلّة "فورين أفيرز" الأميركية منذ أيّام، خفّف مدير الأبحاث في "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية" جيريمي شابيرو من إمكانية تحقيق الولايات المتحدة توازناً بين دورها العالميّ الحاليّ وحماية مصالحها الاقتصاديّة الخاصة، وخصوصاً مصالح الطبقة الوسطى. استشهد شابيرو بما قاله رئيس الوزراء الفرنسي بيار مينديز - فرانس حين كان يعدّ الفرنسيّين لتقبّل تخلّي باريس عن مستعمراتها في الهند الصينيّة أواسط القرن الماضي: "أن تحكم يعني أن تختار". والخيار هنا يعني اتّباع هدف مقابل التخلّي عن أهداف أخرى، عوضاً عن السعي إلى اتّباع عدد واسع من الأهداف السياسيّة في وقت واحد.

 

أشار شابيرو إلى وعود بايدن الانتخابيّة: الترويج للديموقراطية وحقوق الإنسان، إعادة إحياء شبكة الشراكات والتحالفات الدوليّة الأميركيّة والدفاع عن الأصدقاء، والتأكيد أنّه في "كلّ خطوة نتّخذها في سلوكنا الخارجيّ، يجب أن نأخذ بالاعتبار العائلات الأميركية العاملة". يردّ الكاتب بأنّ التوفيق بين هذه الأهداف صعب، فبذل الجهود للدفاع عن الحلفاء في بحر الصين الجنوبيّ سيكون على حساب تطلعات الطبقة الوسطى، والتركيز على الاتفاق النووي مع إيران يقلّل من قدرة واشنطن على حض الرياض كي تخفّض أسعار الطاقة، كما أنّ فرض العقوبات على مشروع "نورد ستريم 2" قد يرتدّ سلباً على الاقتصاد الأميركيّ إذا قرّر الروس والألمان الردّ بالمثل. ويضيف الكاتب أنّ قبول بايدن بالانسحاب من أفغانستان يعني إدراكه بضرورة تقليص واشنطن التزاماتها الخارجيّة.

 

الخط الفاصل غير واضح

إذا كان شابيرو محقّاً في أنّ الالتزامات الأميركيّة الخارجيّة مكلفة عادة لدافعي الضرائب الأميركيّين، ومن بينهم المنتمون إلى الطبقة الوسطى، فما هو غير واضح دوماً الحدّ الفاصل بين التدخّل الخارجيّ بهدف الدفاع عن الحلفاء أو بهدف الدفاع عن المصالح الأميركيّة الخاصّة. تقدّم أفغانستان مثلاً بارزاً. يرى مناصرو الانسحاب الأميركيّ من تلك البلاد أنّ كابول، حليفة واشنطن، غارقة في الفساد والشلل الحكوميّ إلى حدّ بات الدفاع عنها عبثيّاً. يردّ المستشار السابق لشؤون الأمن القوميّ جون بولتون على هذا القول بالإشارة إلى أنّ الأميركيّين موجودون في أفغانستان للدفاع عن أمنهم القوميّ الخاصّ ومنع إعادة تحويل البلاد إلى ملاذ لتنظيم القاعدة والتحضير لهجمات أخرى شبيهة بـ11 أيلول/سبتمبر.

 

وفي بعض الحالات على الأقلّ، أثبتت سياسات تخفيض الالتزام الأميركيّ الخارجيّ أنّها محفّز لإعادة رفع ذلك الالتزام لاحقاً. الانسحاب الأميركيّ من العراق سنة 2011 في مقدّمة تلك الحالات. حتى تخفيف الالتزام من منطقة لنقله إلى منطقة أخرى، تبيّن أنّه قصير المدى، كما حصل حين اضطرت إدارة ترامب لإعادة أصول عسكرية إلى الخليج العربيّ كانت قد نقلتها منه قبل سنة إلى شرق آسيا. كذلك، إنّ بعض الأمثلة التي قدّمها شابيرو حول استحالة الجمع بين الالتزامات الخارجيّة وإفادة الاقتصاد الأميركيّ يكتنفها الغموض.

 

هو يرى أنّه إذا أعطت الإدارة الأميركيّة الأولويّة للدفاع عن أوروبا الشرقيّة، فهي لن تستطيع الضغط كثيراً على حلفائها الأوروبيين ليقدّموا تنازلات تجاريّة من أجل تعزيز الوظائف الأميركيّة. قد تكمن الحقيقة في نقيض هذا الادّعاء. بإمكان أميركا اشتراط رفع مساهمتها في الدفاع عن أوروبا الشرقيّة بالحصول على بعض التنازلات التجاريّة. بصرف النظر عن طباعه وأسلوبه في التعاطي مع الحلفاء، تمكّن ترامب من رفع عدد الدول التي التزمت بإنفاق 2% من ناتجها القوميّ على قطاعها الدفاعيّ من 5 دول سنة 2017 إلى 11 دولة اليوم. نجح ترامب في ذلك عبر اشتراط التزامه حلف شمال الأطلسيّ برفع دوله إنفاقها الدفاعيّ إلى النسبة التي اتّفقت عليها سنة 2006.

 

ومعاقبة مشروع "نورد ستريم 2" هدفها الأساسيّ القول لألمانيا إنّها لا تستطيع طلب الحماية من واشنطن إزاء روسيا ثمّ ربط أمن الطاقة الأوروبّيّ بموسكو. وهذا يعني أنّ عبء الدفاع عن أوروبا تتقاسمه واشنطن وبرلين، ولا تتحمّله واشنطن وحدها. إنّ تقديم تنازلات تجاريّة أوروبّيّة لمصلحة الأميركيّين في مقابل دفاعهم عن شرق قارّتهم يؤسّس لتوازن مطلوب في العلاقات بين بروكسل وواشنطن: توازن يخدم استدامة هذه العلاقات كما إنتاج فوائد اقتصاديّة للأميركيّين في آن.

 

الشرق الأوسط

ما طرحه شابيرو حول عجز الولايات المتّحدة عن التدخّل في جميع بؤر التوتّر العالميّة أمر منطقيّ. حتى أكثر المراقبين دفاعاً عن التدخّل الأميركيّ الليبراليّ في العالم لا يدعون إلى تبنّي واشنطن دور الشرطيّ الدوليّ. لكن ثمّة ميادين غير قادرة على تحمّل انسحاب أميركيّ منها. وأفغانستان التي ليست الوحيدة في هذا المجال. دعا الباحث نفسه إدارة بايدن إلى التقليل من أهمية الاتفاق النووي مع إيران وترك التفاوض حول الملفّ للدول الإقليميّة وربّما برعاية أوروبية. وكتب أنّ عقوداً من التحرّك الأميركيّ الديموقراطيّ والجمهوريّ في المنطقة جعل الأمور أسوأ.

 

هنا يقتضي التساؤل عمّا إذا كان للولايات المتحدة مصلحة في تفويض القضايا المرتبطة بحظر الانتشار النوويّ إلى أطراف أخرى، وهي قضيّة تُعنى بالأمن الدوليّ. علاوة على ذلك، يبدي شابيرو اعتقاده بأنّ الطبقة الوسطى الأميركية لا تستفيد من الدعم الأميركيّ للسعودية والعقوبات على إيران. لكن ما لم يذكره الباحث هو أنّ تلك الطبقة لا تستفيد من ارتفاع أسعار النفط بسبب مهاجمة إيران أو وكلائها البنية التحتيّة النفطيّة في السعودية أو بسبب سلوكها التصعيديّ في الخليج العربيّ ومضيق هرمز الذي تمرّ عبره 20% من التجارة النفطيّة العالميّة.

 

من جهة ثانية، إنّ أيّ انسحاب أميركيّ من المنطقة، ستملأه الصين أو روسيا سريعاً، مع ما يتضمّنه ذلك من توسّع حضورهما على حساب الحضور الأميركيّ في تلك الأسواق. وبحسب الكاتب السياسيّ في مجلّة "فايننشال تايمز" إدوارد لوس، إن لم تعمل واشنطن على تعزيز تعاملها التجاريّ مع شركائها الأوروبيين والآسيويين، فستستفيد الصين بما يضرّ الطبقة الأميركية الوسطى والموقف الأميركيّ العالميّ في الوقت نفسه. بالفعل، يتساءل البعض عن السبب الذي يدفع محلّلين وصنّاع رأي وسياسيّين إلى اعتبار الشرق الأوسط عامل استنزاف للجهود والموارد الأميركيّة، بينما ترى فيه الصين وروسيا فرصة استراتيجيّة لهما.

 

المهمّة الأساسية

قد تتمحور مهمّة بايدن الأساسيّة، وهو على طريق تنفيذ نهج "سياسة خارجيّة أميركيّة للطبقة الوسطى"، حول ألّا يقع في لعبة ذات محصّلة صفريّة. في استطلاع رأي حديث لـ"مركز بيو للأبحاث"، أشارت غالبية ديموقراطية (67%) وجمهوريّة (85%) إلى أنّ الهدف الأوّل للسياسة الخارجيّة الأميركيّة يجب أن يكون تأمين الوظائف للأميركيّين. وحلّ في المرتبة التالية ضمن اهتماماتهم اتّخاذ الولايات المتحدة إجراءات لحماية نفسها من الهجمات الإرهابيّة (60% لدى الديموقراطيين و81% لدى الجمهوريّين). يمكن أقلّه من خلال قراءة أوّليّة لهذه الأرقام استنتاج أنّ الأميركيّين لا ينظرون إلى ازدهارهم الاقتصاديّ والالتزامات الخارجيّة على أنّهما هدفان متناقضان، وأنّه يجب التضحية بالهدف الثاني من أجل تحقيق الأوّل. أثبتت استطلاعات رأي أخرى هذا التوجّه. أنْ يحكم بايدن قد لا يعني بالضرورة "أن يختار" واحداً من هذين الهدفين.

 

 

الكلمات الدالة