إعلان

بعد كلمته في الأمم المتّحدة... هل أقنع بايدن حلفاءه؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس الأميركي جو بايدن خلال كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الثلاثاء - "أ ب"
الرئيس الأميركي جو بايدن خلال كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الثلاثاء - "أ ب"
A+ A-

كان من الممكن أن يكون الخطاب الأول لجو بايدن كرئيس أميركي في الأمم المتحدة أكثر جذباً لاهتمام الحلفاء التقليديين، لو أنّ أفعاله لم تسبق أقواله في مجالات حيوية. وللمفارقة هي أفعال مناقضة لأقواله. جميع الوعود الانتخابية التي أطلقها بشأن تعزيز العلاقات الأطلسية والغربية ذهبت أدراج الرياح في أفغانستان ومنطقة الإندو-باسيفيك وربما في مناطق أخرى خلال المستقبل المنظور. حتى شركاء واشنطن التقليديون في الشرق الأوسط بدأوا يوسّعون مروحة تحالفاتهم العسكرية بسبب غموض الالتزام الأميركي بأمن الشرق الأوسط. هذا ما تجلّى مثلاً في التوقيع على اتفاقية التعاون العسكري بين الرياض وموسكو خلال المنتدى العسكري التقني الدولي "آرميا 2021" في آب (أغسطس) الماضي.

 

رداً على تلك الاتفاقية، دعا مسؤولون أميركيون حلفاء الولايات المتحدة إلى تجنب عقد صفقات مع الروس لتفادي العقوبات. يبدو أنّ الإدارة لا تعير اهتماماً لرفع الضغط عن الحوثيين والإيرانيين كسبب أساسيّ وراء تنويع دول الخليج علاقاتها الدفاعية الخارجية. وفي حزيران (يونيو)، بدأت الولايات المتحدة سحب قطع دفاعية من الشرق الأوسط، بما فيها صواريخ "باتريوت"، في خطوة لم يستبعد البعض أن يكون وراءها مطلب إيرانيّ خلال مفاوضات فيينا.

 

وإذا كان الانسحاب الأميركي التدريجي من الشرق الأوسط أمراً متوقعاً بل مشهداً مكرراً عن سياسات أوباما، فإنّ الانسحاب الأميركي السريع من أفغانستان، على الرغم عن مناشدات الحلفاء بإبطاء العملية، وجّه الضربة الأقسى لصدقية الإدارة الجديدة بشأن ترميم التحالفات. اتُّهم بايدن ترامب بأنّه كان السبب وراء تراجع الحضور الأميركيّ حول العالم بسبب زعزعته لتحالفات ما بعد الحرب العالمية الثانية. لكنّ الأوروبيين لم يجدوا فارقاً كبيراً بين معاملتي الإدارة الحالية والسابقة معهم. على العكس من ذلك، ربّما بات الأوروبيون قريبين من أن يحنّوا إلى زمن ترامب. ليس حدثاً عابراً أن يوصّف وزير الخارجية الفرنسي جان-إيف لودريان الهادئ عادة الرئيس الحالي بأنّه "ترامب من دون تغريدات".

 

اللافت في سياسات بايدن المفصليّة هو أنّ الساسة الأوروبيين يعلمون بها كما يعلم بها المراقبون العاديون: عبر التقارير الصحافية. حدث ذلك قبل عقد بايدن قمّة مع نظيره الروسيّ فلاديمير بوتين، ثمّ الانسحاب من أفغانستان ولاحقاً مع اتفاق "أوكوس" بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا. وألغى اتفاق "أوكوس" صفقة غواصات بين فرنسا وأستراليا أبرمتها الدولتان سنة 2016 بقيمة 65 مليار دولار. الأهم من الصفقة الملغاة بالنسبة إلى فرنسا إلغاء حضورها في أستراليا. انتهى الخلاف الدبلوماسي الحاد بين باريس وواشنطن عبر اتصال أجراه بايدن بنظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون. لكنه اتصال قد لا يلغي أسباب الخلاف الحقيقي في أي وقت قريب. ولزيادة الطين بلة، أعلنت الدول الثلاث عن اتفاق "أوكوس" في الوقت نفسه تقريباً الذي أعلنت فرنسا خلاله عن اغتيال زعيم تنظيم "داعش" في الصحراء الكبرى، والذي كان مسؤولاً عن اغتيال عدد من الجنود الأميركيين. ولم ينجُ بايدن حتى من الانتقادات القاسية لرئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بسبب طريقة تعامله مع الملف الأفغاني.

 

بعد جميع هذه العثرات، يمكن التساؤل عمّا بقي من كلام كي يتلوه بايدن من على منبر الأمم المتّحدة. بطبيعة الحال، لم تعد الصين وروسيا تنتظران الكثير من الولايات المتحدة على الصعيد الدولي. مركز الاهتمام بالسياسات الأميركية كان موجوداً لدى الحلفاء الذين سبق لهم أن اختبروا ميدانياً تلك السياسات. تحدث بايدن عن "عودة أميركا إلى الطاولة"، علماً أنّ عبارات "عودة أميركا" التي غالباً ما يستخدمها الرئيس في كلماته فقدت على الأرجح وقعها خلال الأسابيع القليلة الماضية. وذكر أيضاً ضرورة "استبدال الحرب التي لا هوادة فيها" بـ"الدبلوماسية التي لا هوادة فيها". لكنّ "نيويورك بوست" ذكّرته بأنّ أيّ طرف لا يستطيع اختيار الدبلوماسية لو اختار الطرف المقابل الحرب.

 

وأشار بايدن إلى أنّ الولايات المتحدة ستساعد في حل الأزمات من إيران إلى شبه الجزيرة الكورية. لكن يبدو أنّ مساعدتها قائمة على الانتظار ورد الفعل لا على المبادرة. ويعتقد مراقبون أنّه ينقص الإدارة وجود سياسات بشأن العديد من المناطق، ومن بينها تلك التي ذكرها بايدن تحديداً: إيران وكوريا الشمالية.

 

وإذا كان تحالف "أوكوس" موجّهاً لردع الصين، فإنّ بايدن تجنّب ذكر اسمها طوال كلمته التي استمرت حوالي 40 دقيقة، والتي كما ذكّر البعض لم تُقاطُع بالتصفيق كما حدث خلال الكلمة الأولى لأوباما في الجمعية العامة للأمم المتحدة. في نهاية المطاف، تجنّبت واشنطن وبيجينغ ذكر بعضهما البعض على المنصة الأممية لغايات دبلوماسية. لكن على الأرض، ثمة عوامل لا يمكن تجاهلها:

 

ترى الصين الأفول الأميركي حتمية تاريخية، وعلى الأرجح، زادها بايدن قناعة بانسحابه من أفغانستان. بالمقابل، يصعب رؤية حلفاء لواشنطن مستعدين للاصطفاف إلى جانب الولايات المتحدة في حرب باردة محتملة مع الصين، وفي مقدمة هؤلاء الحلفاء المترددين، ألمانيا وفرنسا. وقد يكون هنالك تساؤل عن مدى ثقة الأستراليين أنفسهم بإدارة بايدن في حال نشوب حرب في الإندو-باسيفيك.

صحيح أنّ أستراليا كسبت عبر صفقة الغواصات عامل قوة كبيراً في سياق توترها الكبير مع الصين، لكنّ الثمن الذي قد تدفعه مقابل ذلك يمكن أن يكون انجراراً لاإرادياً إلى جانب واشنطن إلى أي توتر مع بيجينغ حتى ولو لم يكن يعنيها مباشرة. وهذا الانجرار إلى جانب إدارة غير مصغية لهواجس حلفائها له كلفة كبيرة على الأمن القومي والاستقلالية في السياسة الخارجية.

 

كان بايدن بحاجة كثيراً إلى منصة الأمم المتحدة، لا من أجل إعلان رؤيته المستقبلية للقضايا الدولية البارزة، بل من أجل إعادة ترميم الثقة التي فقدها حلفاؤه بإدارته. لا يعني ذلك أنّ قضايا التغير المناخي ومكافحة الفقر (تعهد بـ10 مليارات إضافية لهذا الغرض) وتعزيز التلقيح (80% من الجرعات حصل عليها مواطنو الدول المرتفعة والمتوسطة الدخل) لا تستحق الجهد الأميركي. لكنّ حلفاء واشنطن يترقّبون الكثير في ميادين السياسة والعلاقات الدولية. هل أقنعهم بايدن؟ كما قال لودريان، يحتاج ترميم الثقة إلى الوقت والأفعال.

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم