إعلان

هل يوقف بايدن "عجلة التاريخ" الصينيّة؟

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
نائبا الرئيس السابقان، الرئيسان الحاليان جو بايدن وشي جينبينغ يتناولان العشاء في فندق جيانغجيانغ في شنغدو، الصين 21 آب 2011 - الصورة عن موقع البيت الأبيض
نائبا الرئيس السابقان، الرئيسان الحاليان جو بايدن وشي جينبينغ يتناولان العشاء في فندق جيانغجيانغ في شنغدو، الصين 21 آب 2011 - الصورة عن موقع البيت الأبيض
A+ A-

"شخص يُحتضر ويغرق بسرعة". هكذا وصّف مؤسّس جمهوريّة الصين الشعبية ماو تسي تونغ العالم الذي تقوده الولايات المتحدة. كان ماو ينتقد الغربيّين الذين يريدون التخلّص من الثورة الشيوعيّة لأنّهم "رجعيّون يحاولون إيقاف عجلة التاريخ".

دارت العجلة بعكس ما يشتهيه ماو، أقلّه جزئياً، مع بداية تحوّل الصين إلى رأسماليّة الدولة بمجيء دينغ شياو بينغ إلى السلطة. وانهار الاتّحاد السوفياتيّ وأصبحت الولايات المتّحدة القوّة العظمى. بعد 2001، عادت العجلة لتدور وفقاً للاتّجاه الذي يريده الصينيّون. غرقت الولايات المتّحدة في حربين منهكتين بينما كانت قوّة بيجينغ الاقتصاديّة تتصاعد تدريجيّاً. لقد استغلّت تركيز واشنطن على الحرب ضدّ الإرهاب وعلى محاولة ردع تمدّد روسيا في شرق أوروبّا.

أتت الأزمة الماليّة سنة 2008 لتحقّق توقّعات الصين إلى حدّ ما، خصوصاً أنّ الأخيرة خرجت منها سالمة نسبيّاً. وفي 2012، تولّى شي جينبينغ الرئاسة الصينيّة على وقع توقّعات لا تقلّ جرأة عن تلك التي أطلقها ماو. تحدّث شي عن أنماط تاريخيّة حول وجود نزاع بين القوى الصاعدة والقوى الآيلة إلى الهبوط.

 

ما لم تتوقّعه الصين

هذه الأقوال والتوقّعات، ذكرها المحاضر في مادّة التاريخ في جامعة كولومبيا والباحث البارز في الشؤون الصينيّة ضمن "مجلس العلاقات الخارجيّة" جوليان غويرتز ليؤكّد وجود نمط في التفكير لدى الصينيّين وعنوانه واحد: "أميركا تخسر". في مقاله الذي نشرته مجلّة "فورين أفيرز"، يورد العديد من توقّعات المسؤولين الصينيّين البارزين الذين يستشرفون انهيار الولايات المتّحدة. لكن ما لم تتوقّعه حتى الصين نفسها، أن تواجه انهياراً أميركيّاً بسرعة أكبر ممّا كانت تتصوّره.

لقد روّج شي في 2012 لمستشار صينيّ حكوميّ بارز يُدعى وانغ هانينغ وضع كتاباً بعنوان "أميركا ضدّ أميركا" شدّد فيه على أنّ واشنطن كانت قاصرة عن تلبية تطلّعاتها. ومع ذلك، تابع غويرتز، ركّز شي ومحيطه على معالجة هشاشة النظام الذي ورثه لأنّهما توقّعا انحلالاً تدريجيّاً لواشنطن. تغيّر ذلك مع مجيء الرئيس السابق دونالد ترامب: تصاعدت الانقسامات، خُفّضت الأموال المخصّصة للأبحاث، زادت حدّة الاستقطاب الداخليّ وبرزت غيرها من المؤشّرات السلبيّة الداخليّة.

لكنّ الأهمّ، كان فرض ترامب حرباً تجاريّة ضدّ الصين. ورأت الأخيرة هذه الحرب على أنّها محاولة أميركيّة لقمعها خوفاً من حتميّة صعود بيجينغ وتآكل واشنطن. ونقل غويريتز عن صحيفة صينيّة بارزة قولها أوائل العام الماضي: "تنتقل أميركا من الانحدار إلى الانحدار بشكل أسرع".

 

حدث غير متوقّع

كتب الباحث في الشؤون الصينيّة مقاله في العدد السابق من مجلّة "فورين أفيرز" (عدد تشرين الثاني-كانون الأوّل) أي قبل الاعتداءات التي طالت الكابيتول من قبل مناصري ترامب لرفضهم نتائج الانتخابات. لا شكّ في أنّ تلك الأحداث رسّخت المفهوم الصينيّ لتسارع الاضمحلال الأميركيّ. فالاستقطاب الداخليّ وصل إلى مرحلة لم تشهدها البلاد منذ نصف قرن على الأقلّ، فبات لكلّ طرف سياسيّ مصدر أخباره الخاصّة وحقيقته المطلقة التي تكاد تكون منفصلة عن الواقع أحياناً.

للمرّة الأولى، يعلن رئيس أميركيّ تشكيكه المطلق بالنتائج الانتخابيّة على الرغم من 64 طعناً تقدّم بها ورُفضت جميعها. ويعتقد حوالي 70% من الجمهوريّين بأنّ بايدن رئيس غير شرعيّ. لكنّ المشكلة غذّاها ترامب ولم يخلقها. فنسبة كبيرة من الديموقراطيّين كانت تعتقد أيضاً أنّ ترامب دخل البيت الأبيض بتدخّل روسيّ مباشر، ولهذا ضيّقت عليه سياسيّاً عبر الإعلام وعبر التحقيقات الفيديراليّة والتشريعيّة.

 

القيادة عوضاً عن الاستعراض

على الرغم من تحوّلها إلى رأسماليّة الدولة، أبقت الصين على بيروقراطيّة هرميّة ورثتها من الشيوعيّة. ترى بيجينغ أنّ الديموقراطيّة الغربيّة ستقضي على نفسها في نهاية المطاف لأنّها لا توصل الأفضل إلى الحكم. ترامب نموذج عن ذلك. يشبّه الصينيّون الشخصيّات التي تصل إلى سدّة الرئاسة في الغرب بالشخص الذي يستقلّ المصعد من الطابق الأوّل فيصل إلى الطابق الأخير بسرعة من دون المرور بالطوابق الوسطى الضروريّة لاكتساب الخبرة على طريق تكون الشخص لمسيرته السياسيّة.

بينما تفتخر بيجينغ بأنّ الحزب الشيوعيّ ينجب أفضل الحكّام بما أنّهم يتسلّقون السلطة تدريجيّاً بدءاً بالعمل الإدرايّ والسياسيّ في الأقاليم وصولاً إلى اللجنة الدائمة للمكتب السياسيّ للحزب الشيوعيّ الصينيّ. ويتولّى المسؤولون السياسيّون مهامّهم بناء على الانتخابات المحلّيّة والتعيينات الحزبيّة. هذا ما تصفه الصين بـ "القيادة عوضاً عن الاستعراض" أو “leadership over showmanship”، والنظام الذي يلخّصه مدير المعهد الصينيّ في جامعة فودان جانغ ويوي بأنّه عبارة عن "تعيين + انتخاب"، أو الميروقراطيّة.

 

نجاح

في هذه الجزئيّة على الأقلّ، وعند المقارنة مع تداعيات الانتخابات الأميركيّة الأخيرة، تبدو الصين متفوّقة. لكن بحسب الباحث في الشؤون الصينيّة وأستاذ الحوكمة في كلية هارفارد-كينيدي غراهام أليسون، نجح النظام الأميركيّ في "اختبار الضغط" الذي تعرّض له. يرى أليسون وآخرون أنّ النجاح الدائم غير مضمون، من دون وجود أشخاص يحمون هذا النظام.

مع ذلك، ثمّة فوارق في فلسفة تأسيس النظامين بين الصين والولايات المتحدة. إذا كان الأوّل يهدف إلى خلق مجتمع متجانس يشكّل قاعدة مستقرّة لنظام حكم حديديّ، فإنّ الثاني، وبحسب ما ينقله أليسون عن القاضي الأسبق في المحكمة العليا لويس برانديس، لا يهدف إلى الفاعليّة بقدر ما يصبو إلى تفادي "ممارسة السلطة التعسّفيّة". وأضاف أليسون: "كما يذكّرنا التحدّي الأخير، كان هذا ثمناً يستحقّ الدفع".

 

"نهاية القرن الأميركيّ"؟

لكنّ الاعتداء على الكونغرس واهتزاز الديموقراطيّة ليسا التحدّي الوحيد الذي على إدارة الرئيس بايدن اجتيازه في المدى المنظور. على واشنطن مواجهة "كوفيد-19" الذي وصفته الصين بأنّه "ووترلو القيادة الأميركيّة" و"نهاية القرن الأميركيّ" بحسب ما ينقله غويرتز. لا تعاني الولايات المتّحدة من أرقام قياسيّة في تفشّي الفيروس كما في عدد الوفيات وحسب. تسبقها عشرات الدول في تحليل حالات "كوفيد-19" عبر إظهار التسلسل الجينيّ للفيروس.

وتحلّ الولايات المتّحدة في المرتبة 61 لجهة سرعة جمع عيّنات الفيروس من المرضى وتحليلها ثمّ تحويلها إلى قاعدة بيانات دوليّة. ليست الصين في أفضل أحوالها مع مواجهة "كورونا" لكنّها في مرتبة أفضل من تلك التي تحتلّها واشنطن على صعيد احتواء الفيروس وإعادة إطلاق العجلة الاقتصاديّة. على الرغم من ذلك، عمدت الصين مؤخّراً إلى إغلاق عدد من المناطق عالية الخطورة.

ثمّة الكثير من التحدّيات التي على بايدن إظهار أنّ بلاده قادرة على اجتيازها من أجل دحض مزاعم الصين حول الاضمحلال الأميركيّ المتسارع بحسب غويرتز. لكنّ أبرزها معالجة الشرخ السياسيّ وتفشّي "كوفيد-19". بما أنّ بايدن أعلن مرّات عدّة سعيه إلى إعادة اللحمة الوطنيّة ووصف نفسه كوسطيّ، وبما أنّه شدّد على كونه شخصاً يصغي للخبراء، يجب ألّا تكون هذه التحدّيات القصيرة المدى بالغة الصعوبة بالنسبة إليه. يبقى عليه إثبات ذلك وبسرعة. فالتحدّيات التكنولوجيّة والاقتصاديّة والعسكريّة لمواجهة الصين تنتظره عند منعطف ليس ببعيد.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم