إعلان

هل يستعدّ بوتين للأسوأ مع فوز بايدن؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
رئيس الوزراء الروسي آنذاك فلاديمير بوتين يستقبل نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، آذار (مارس) 2011 - "أ ب"
رئيس الوزراء الروسي آنذاك فلاديمير بوتين يستقبل نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، آذار (مارس) 2011 - "أ ب"
A+ A-
"سنعمل مع أيّ شخص يحظى بثقة الشعب الأميركيّ. إنّما يمكن منح هذه الثقة فقط للمرشّح الذي اعترف الحزب المعارض بانتصاره، أو بعد المصادقة على النتائج، بطريقة شرعيّة، قانونيّة". من المرجّح أن يصبّ كلام الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين أمس المزيد من الزيت على نار الانقسامات الأميركيّة. وربّما هذا هو المقصود في نهاية المطاف. فلو كان الأمر غير ذلك، لاكتفى بوتين بالقول إنّه سيتعاون مع الرئيس بعد أن تتمّ المصادقة على اسمه رسميّاً في الكونغرس خلال الأسبوع الأوّل من كانون الثاني. أمّا إقحامه مسألة عدم اعتراف المعارضة بفوز بايدن فلا يبدو عرضيّاً أو مجرّد قضيّة "رسميّة" كما أوضح.

وتذكِّر المحاضرة في جامعة "كينغز كولدج" ترايسي جيرمان بالمظاهر الاحتفاليّة التي سادت روسيا سنة 2016 بعكس ما يحصل حاليّاً: معلّبات سكّر عليها وجه ترامب مخفّضة السعر، انتشارٌ لكتب عن ترامب، شربُ رئيس حزب يمينيّ روسيّ نخب فوز الرئيس الجمهوريّ، هي أمثلة بسيطة تظهر حجم الفرق في ردّة الفعل.
 

بين الانتقام وبناء الثقة
يدرك بوتين أنّه قد يكون ثمّة محاولة "للانتقام" يشنّها الديموقراطيّون بقيادة جو بايدن لأنّهم يعتقدون أنّ الكرملين "سرق" منهم الرئاسة سنة 2016. ويبني هؤلاء نظرتهم على ما جاء في تقرير المجتمع الأمنيّ الأميركيّ بهذا الخصوص. منذ أيّام، وصف مدير معهد كينان التابع لـ "مركز ويلسون" ماثيو روجانسكي التعامل مع الرئيس الروسيّ بأنّه سيكون "صداعاً" لبايدن. ويظهر أنّ الصداع بدأ باكراً. نصح روجانسكي بايدن في شبكة "سي أن أن" بأن يحاول الانفتاح على روسيا مذكّراً بأنّ كلتا الدولتين تجد تصرّفات الأخرى "عدوانيّة" علماً بأنّ كلتيهما تصفها بـ "الدفاعيّة". ورأى أنّ بايدن كان في الكونغرس حين أدارت واشنطن عمليّة "الهبوط الناعم" مع انهيار الاتّحاد السوفياتيّ، لذلك حضّه على استئناف الديبلوماسيّة مع روسيا على مستوى متوسّط بين وزارتي الخارجيّة.

لكنّ فتح باب الديبلوماسيّة يحتاج إلى إعادة بناء الثقة. سنة 2011، سُمع بايدن وهو يوصي الرئيس الروسيّ دميتري مدفيديف بإبلاغ بوتين أنّه يريد إعادة وضع العلاقات الأميركيّة مع روسيا على سكّة جديدة في حال فوزه بالرئاسة لولاية ثانية. السكّة الوحيدة التي سلكتها تلك العلاقات بعدها كانت انحداريّة. إمكانيّة طيّ بايدن وإدارته صفحة التوتّرات العميقة في ولاية أوباما الأخيرة والتي بدأت من أوكرانيا وتعمّقت مع انتخاب ترامب صعبة جدّاً إن لم تكن شبه مستحيلة. قسم كبير من الأميركيّين المتخصّصين في الشأن الروسيّ لا ينصح بايدن بفعل ذلك، ولا يتوقّع منه أن يفعل ذلك أيضاً.
 

كوّة وحيدة
نائب مساعد وزير الخارجيّة السابق لشؤون أوراسيا والباحث البارز في جامعة فلوريدا الدوليّة دايفد كرامر دعا بايدن مؤخّراً إلى تجاهل كلّ الأصوات التي تدعو للانفتاح على الرئيس الروسيّ. بحسب رأيه الذي نشرته مجلّة "فورين بوليسي"، كان الأميركيّون والغربيّون أكثر اندفاعاً من روسيا لتحسين العلاقات الثنائيّة علماً أنّ الروس هم أكثر حاجة للغربيّين. ودعا بايدن إلى عدم "بيع" جيران روسيا عبر استثناء أوكرانيا أو جورجيا من ضمّهما مستقبلاً إلى حلف شمال الأطلسيّ، مذكّراً بأنّ دول البلطيق التي انضمّت إلى "الناتو" في 2004، باتت "تنام بشكل أفضل في الليل". وإضافة إلى تعزيز "الناتو"، حثّه أيضاً على زيارة هذين البلدين وهو أمر لم يفعله بوش الابن أو أوباما.

بالنسبة إلى كرامر، ما من مجال لتوطيد العلاقات مع روسيا باستثناء معاهدات حظر الانتشار النوويّ. وهو أيضاً ما أشار إليه مستشار بايدن للسياسة الخارجيّة وربّما وزير خارجيّته المقبل أنطوني بلينكن خلال مقابلة إعلاميّة في 25 أيلول الماضي. لكنّ إمكانيّة تحقيق تطوّر في هذا الملفّ بالرغم من كلّ التصعيد المتوقّع في الملفّات الأخرى سيظلّ مدار تشكيك حتى تُثبت الوقائع عكس ذلك.
 

"تريد الولايات المتّحدة إضعافنا؟"
إنّ الاحتفالات التي شهدتها روسيا في 2016 لا تعني أنّها كانت ستتكرّر لو فاز ترامب في 2020. فالعقوبات التي فرضتها الإدارة الحاليّة على الروس تفوق العقوبات التي فرضتها أيّ إدارة سابقة. وعزّز ترامب مبيع السلاح إلى أوكرانيا وبولونيا في محاولة ردع تقدّم روسيا شرقيّ أوروبّا. وعقب تسميم العميل الروسيّ السابق سيرغي سكريبال، طَردت الولايات المتحدة عدداً من الديبلوماسيّين الروس يساوي عدد جميع الديبلوماسيّين الذين طردتهم أوروبا.
 
خالفت جميع هذه الخطوات تصريحات ترامب المتساهلة مع بوتين ومن بينها تلك التي أطلقها خلال قمّة هلسينكي سنة 2018. هل عجز ترامب عن فتح علاقات إيجابيّة مع روسيا بسبب الكونغرس أو لأنّ الرئيس نفسه كان مقتنعاً بعدم نضج الظروف؟ على الأرجح، لا يشكّل ذلك فارقاً بالنسبة إلى الكرملين طالما أنّ النتيجة واحدة: تدهور العلاقات الثنائيّة إلى حدّها الأدنى منذ الحرب الباردة على الأقلّ.

تتضافر هذه الأسباب لجعل بوتين أقلّ حذراً من رئاسة بايدن. في الأساس، "لم يبقَ شخص واحد من النخبة الروسيّة يعتقد أنّه بإمكاننا تحقيق أيّ شيء في الجوهر مع ترامب كرئيس"، وفقاً لما تقوله الباحثة الروسيّة تاتيانا ستانوفايا لمجلّة "نيويوركر". علاوة على ذلك، يبدو الروس متأقلمين مع عودة السياسات الأميركيّة إلى "طبيعتها". يقول ناشر مجلّة "روسيا في الشؤون الدوليّة" والمقرّب من دوائر صنّاع القرار فيودور لوكيانوف: "إذاً تريد الولايات المتّحدة إضعافنا؟ حسناً، عندها، لا بأس – نحن معتادون على ذلك".
 

التدهور الإضافيّ محتمل
بالرغم ممّا سبق، ثمّة احتمال في أن تواصل العلاقات الثنائيّة تدهورها إلى ما دون المستوى الذي بلغته حاليّاً. تحدّث بايدن عن "دعم المجتمع المدنيّ" وعن تعزيز "القيم الديموقراطيّة" الأميركيّة حول العالم. لا يعني ذلك فقط تقوية النفوذ الأميركيّ في مناطق تعدّ من "الفناء الخلفيّ" لروسيا مثل أوكرانيا وجورجيا وروسيا البيضاء كما توقّعت جيرمان وحسب، بل إسقاط التاثير الأميركيّ إلى الداخل الروسيّ نفسه كما طالب كرامر. وهذا ما لم تفعله إدارة ترامب. فبعكس الدول الأوروبّيّة، لم تعاقب واشنطن روسيا على "تسميمها" المعارض الروسيّ سيرغي نافالني. وعادة ما ترتاب روسيا من "الثورات الملوّنة" حتى من دون دعم أجنبيّ، فكيف الحال مع تدخّل مباشر محتمل من بايدن.

وصف الرئيس المنتخب روسيا بأنّها "أخطر تهديد" على الولايات المتّحدة، بينما لا يزال بوتين يرفض تهنئته على فوزه. إشارات عدّة بدأت تشي بإضافة البعد الشخصيّ إلى العلاقة بين الطرفين إلى جانب الأبعاد الأخرى في الصراع الاستراتيجيّ. ويبدو الروس غير مبالين كثيراً بوقف محفّزات التدهور المتزايد. سئل بوتين عمّا إذا كان امتناعه عن التهنئة سيضرّ بالعلاقات الثنائيّة، فأجاب: "ليس هنالك شيء للإضرار به. هي أصلاً مدمّرة".
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم