إعلان

لماذا عدم تصنيف بايدن مذابح الأرمن بـ"الإبادة" أمر وارد؟

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مستضيفاً نائب الرئيس الأميركي حينها جو بايدن في اسطنبول، 2016 - "أ ب"
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مستضيفاً نائب الرئيس الأميركي حينها جو بايدن في اسطنبول، 2016 - "أ ب"
A+ A-

يقترب الرئيس الأميركي جو بايدن من توصيف المذبحة التي تعرّض لها الأرمن على يد السلطنة العثمانية بـ"الإبادة الجماعية"، وفقاً لما نقلته "رويترز" عن مصادرها. يُنتظر أن يستخدم بايدن هذا التوصيف في بيان يوم غد السبت، بالتزامن مع الفاعليات التي تُنظم سنوياً في 24 نيسان (أبريل) لإحياء ذكرى الضحايا. تعهّد بايدن خلال الحملة الانتخابية بالاعتراف بـ"الإبادة" التي لحقت بالأرمن. وذكّره مؤخراً 100 عضو في مجلس النوّاب بما قاله السنة الماضية عن أنّ "الصمت تواطؤ"، كاتبين في رسالة أنّه يتعيّن على هذا الصمت أن ينتهي.

 

الكونغرس متحمّس

كان الكونغرس قد اعترف في 2019 من خلال تصويت رمزيّ بأنّ المجازر التي راح ضحيّتها حوالي 1.5 مليون أرميني هي "إبادة جماعيّة". رفضت الإدارة السابقة برئاسة دونالد ترامب هذا التصويت قائلة إنّها متمسّكة ببيان أصدره الرئيس في نيسان، ووجّه فيه تحيّة إلى أرواح ضحايا "واحدة من أسوأ الفظائع الجماعية في القرن العشرين"، لكنّه تجنّب استخدام كلمة "إبادة".

 

في هذه الأثناء، كتب رئيس اللجنة الخارجية في مجلس الشيوخ، السيناتور الديموقراطيّ بوب مينينديز، رسالة إلى وزير الخارجية أنطوني بلينكن جاء فيها: "سأتوقع من الرئيس، لكونه رجلاً يلتزم بكلمته، أن يقوم بما قال إنّه سيفعله خلال الحملة (الانتخابية)، وهو الاعتراف بالإبادة. رؤساء آخرون، ديموقراطيون وجمهوريون معاً، لم يقوموا بذلك. أظنّ أنّ تلك (الأفعال) كانت أخطاء. إذا كان من المفترض أن يكون لعبارة "لن تتكرر أبداً" أي معنى، فهو يبدأ بالحد الأدنى عبر الاعتراف بالإبادة الجماعية حين تكون إبادة جماعية". بالمقابل، ترفض تركيا الحديث عن "إبادة جماعية" لحقت بالأرمن، وتقول إنّه لم يكن هنالك استهداف منهجيّ لتدمير الشعب المسيحيّ الأرمينيّ.

 

أطلق بايدن مواقف متشدّدة تجاه تركيا لعلّ أبرزها قوله لـ"نيويورك تايمس" في كانون الأول 2019 إنّه يجب دعم المعارضة التركيّة لإسقاط أردوغان. وانتقد أيضاً الإدارة السابقة بسبب سماحها لتركيا بشنّ توغّل تركيّ في شمال شرق سوريا ضدّ "الحلفاء" الأكراد، حتى أنّ البعض وصف بايدن بأنّه أكثر رئيس صديق للأكراد. لا يمنع كلّ ذلك تراجع بايدن عن استخدام هذه العبارة في اللحظات الأخيرة. وهذا قالته مصادر "رويترز" نفسها. هنالك أسباب عدّة تبقي هذا الاحتمال قائماً، وقد ذكرها بعض المراقبين.

 

سجلّ من النّكث بالوعود

سرد الباحث في "معهد المشروع الأميركي" مايكل روبين كيف تراجع مسؤولون أميركيّون كثر عن تعهّداتهم الوقوف في وجه مآسٍ تاريخية أو حالية من أجل حاجات دبلوماسية قصيرة المدى، كما فعل مستشار أوباما لشؤون الأمن القومي بن رودس وسفيرته في الأمم المتحدة سامانثا باور تجاه القضيّة الأرمينيّة وتجاه النزاع السوريّ. ووزير الخارجية السابق والموفد الخاص الحاليّ للتغيّر المناخيّ جون كيري أيّد قوانين للاعتراف بالإبادة الأرمينية حين كان سيناتوراً، قبل أن ينسى الموضوع حين أصبح في السلطة التنفيذية.

 

على الرغم من إشارة صحيفة "لوس أنجليس تايمس" إلى أنّ بايدن يتعرّض لضغط من الكونغرس للاعتراف بالإبادة، ذكرت أيضاً أنّ المجتمع الأميركيّ - الأرمينيّ أصيب بالإحباط بسبب تراجع مسؤولين ورؤساء أميركيّين عن تعهّداتهم في هذا الصدد. لم يتعلّق الأمر بباور ورودس فقط. الرئيسان بوش الابن وأوباما أطلقا أيضاً وعوداً بالاعتراف بالإبادة خلال حملتيهما الانتخابيّتين قبل التراجع عن ذلك بعد دخولهما البيت الأبيض.

 

دخلت الحسابات السياسيّة المباشرة في قرارات الرئيسين. خشي الأوّل من أن تعقّد تركيا الأمور في العراق، فلم يكتفِ بعدم طرح الموضوع وحسب بل حضّ الكونغرس على رفض قرار يعترف بالإبادة سنة 2007. الأمر نفسه قد ينطبق على أوباما الذي كان يريد قتال "داعش" في سوريا. وعلى الأرجح، وقفت العلاقات الشخصيّة بين ترامب وأردوغان في طريق أيّ قرار أميركيّ يعترف بالإبادة. لكنّ الأخير كان يكنّ الودّ أيضاً لنظيره التركيّ رجب طيّب أردوغان حيث قال مرّة إنّه يقدّر النصيحة التي يقدّمها إليه في مجال تربية ابنتيه، إضافة إلى اتّفاقهما على مروحة واسعة من الأمور السياسيّة. ليس واضحاً ما إذا كانت هزيمة "داعش" في سوريا والعراق ستحرّر واشنطن من القيود المفروضة عليها تجاه هذه الخطوة.

 

الظروف مهيّأة؟

يرى البعض أنّه مع ابتعاد تركيا تدريجيّاً عن قيم وسياسات "حلف شمال الأطلسيّ"، أصبحت الأمور مهيّأة أكثر أمام بايدن كي يتّخذ الخطوة التي يطالب بها أميركيّون كثر، خصوصاً أنّ بايدن يؤكّد وضعه حقوق الإنسان في سلّم أولويّاته. نقلت "واشنطن بوست" عن خبير الشؤون التركيّة في "معهد أبحاث السياسة الخارجيّة" آرون شتاين قوله إنّ بايدن مقتنع بأن لا مصلحة لتركيا بالانسحاب من مجموعات مثل "الناتو"، وأنّ التعاون الوثيق مع واشنطن لم يعد مسألة مفروغاً منها. "عوضاً عن ذلك، على أردوغان أن يكسب عن استحقاق" هذا التعاون.

 

لا يمنع هذا من أن تصعّب البيرقراطيّة على الإدارة الجديدة اتّخاذ الخيار المذكور كما فعلت مع الإدارات السابقة. يخبر المستشار الخاص السابق لشؤون الأقليات في وزارة الخارجية الأميركية نوكس ثايمس كيف كان يواجه تردداً بيروقراطياً، حتى في توصيف ارتكابات "داعش" الإرهابية ضد الأقليات المسيحية بالإبادة الجماعيّة. وأضاف أنّ الأصوات نفسها عرقلت قراراً مشابهاً بحق تصنيف فظائع جيش ميانمار بحقّ مسلمي الروهينغا على أنّها إبادة. وفي السياسة قد لا تكون الأمور أسهل.

 

يشير روبين إلى تراجع الخطوات الأميركية المؤيّدة لحقوق الإنسان في الخارج، كما حصل مع تخفيض بلينكن عدد الضحايا الإيرانيين الذين سقطوا في تظاهرات تشرين الثاني 2019، ومع التخلي عن الأميركيين المحتجزين في إيران من أجل تسهيل الدبلوماسية مع طهران. واستغرب أيضاً إعطاء تركيا دور المضيف لمحادثات السلام حول أفغانستان، لافتاً النظر أيضاً إلى وجود لوبي تركيّ قويّ في وزارة الخارجيّة.

 

سيكون بايدن غداً أمام تحدّي إثبات أنّه رئيس لا يتراجع عن وعوده الانتخابيّة، خصوصاً أنّ المزاج الداخليّ في واشنطن يشجّعه على ذلك. وقد لا يكون لبايدن الكثير ممّا يخشاه استراتيجيّاً في حال إغضاب أنقرة. تقول الباحثة في "معهد جامعة استوكهولم" للدراسات التركية جيني وايت إنّ "تركيا تحتاج إلى الولايات المتحدة أكثر ممّا تحتاج الولايات المتّحدة إلى تركيا حاليّاً". ساعاتٌ ويدرك العالم ما إذا كان بايدن مقتنعاً بهذا التحليل أم لا.

 

 

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم