إعلان

هل يشبه بايدن بوش الأب في السياسة الخارجية؟

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
الرئيس الأميركي جو بايدن - "أ ب"
الرئيس الأميركي جو بايدن - "أ ب"
A+ A-

بالرغم من مرور أيّام على انتهائها، لم تغب تردّدات قمّة جنيف عن التعليقات والمقالات في الإعلام الأميركيّ. كرّر بايدن مراراً عبارة "أميركا عادت" لكن لا يوافق معارضوه على أنّ العودة كانت ميمونة. بالمقابل، يرى مراقبون أنّ الرئيس الأميركيّ هو الأفضل على الساحة الدوليّة منذ عقود. كان هذا موقف الكاتب السياسيّ في صحيفة "يو أس أي توداي" والمسؤول السابق في إدارة بيل كلينتون دايفيد روثكوبف الذي أشاد بخبرة بايدن الطويلة في السياسة الخارجيّة التي امتدّت على حوالي 54 عاماً. ومع أنّ خبرة بوش الأب لا تتجاوز ثلث ما يتمتّع به بايدن، رأى أنّ المقارنة بينهما منصفة.

 

بالنسبة إلى روثكوبف، أدار بوش الأب ديبلوماسيّة فعّالة للدخول في "النظام العالميّ الجديد" خصوصاً أنّ وصوله إلى البيت الأبيض ترافق مع ثورات في الصين وفي أوروبّا الشرقيّة تبعها انهيار الاتّحاد السوفياتيّ. وطرد بوش الأب صدام حسين من الكويت من دون الغرق في حرب طويلة كانت ستنتج عن إطاحة صدام حسين. بالمقابل، انطلقت سياسة بايدن الخارجيّة من تعزيز حلف شمال الأطلسيّ (ناتو) ومجموعة السبع وحصل على اتّفاق لتسمية روسيا والصين بـ"التهديد" وحلّ إشكاليّة تجاريّة مع الأوروبيين وحذّر روسيا من المساس بالأمن السيبيرانيّ الأميركيّ، وسعى إلى التعاون مع روسيا في بعض المجالات كالاتّفاق النووي مع إيران.

 

نظرة تفصيليّة إلى ما حقّقه بايدن

لا إجماع على أنّ ما عرضه روثكوبف يندرج في خانة "الإنجازات" المبكرة لبايدن من جولته الخارجية الأخيرة. فتعزيز "الناتو" يبقى مجرّد شعار من دون العمل على رفع الإنفاق الدفاعيّ لدوله الأعضاء إلى عتبة 2% منذ سنوات طويلة. وشهدت ولاية ترامب ارتفاعاً في نسبة الدول الملتزمة بهذا الإنفاق حيث بلغت 10 بفعل الضغط الذي مارسه على تلك الدول إضافة إلى اعتبارات أخرى. وفي 2014، لم تلتزم سوى ثلاث دول بهذه النسبة. ولم يتوقّف في عهد ترامب توسّع الناتو مع ضمّ جبل الأسود إلى صفوفه. أمّا حصول بايدن على اتّفاق لتوصيف روسيا والصين بالتهديد فقد يبقى مجرّد التزام معنويّ. لقد خرج الغربيّون منقسمين تجاه كيفيّة التعاطي مع الصين وكان هذا الأمر متوقّعاً بالتزامن مع سعي أوروبّيّ طويل المدى لتبنّي سياسة مستقلّة عن الولايات المتحدة.

 

من ناحية ثانية، بات الخلاف الأوروبّيّ-الأوروبّيّ والأميركيّ-الأوروبّيّ في النظرة إلى روسيا أكثر من جليّ وعنوانه "نورد ستريم 2". تصرّ ألمانيا على استئناف المشروع على الرغم من أنه يضرّ سياسياً وأمنياً بدول أوروبا الشرقية ويمكن أن يعرّض أوروبا للاعتماد المفرط على الطاقة الروسية. وسبق أن قطع الروس إمدادات الغاز عن أوروبا في ذروة الشتاء. وعمدت إدارة بايدن إلى إعفاء المشروع من العقوبات في توقيت شبه مثاليّ لروسيا قبل أسابيع قليلة على عقد قمة جنيف. بالتالي، ولغاية اليوم، لا يعدو ما حقّقه بايدن على هذا الصعيد كونه مجرّد بيانات تخلو من أي أداة تنفيذيّة فعّالة، إلّا في حال أجرت إدارته انعطافة لاحقة وهو ما لا تؤكده أي مؤشرات حالية.

 

انتقاد وإشادة للفعل نفسه

أشاد روثكوبف بما قاله بايدن في أوروبّا عن السياسة الخارجيّة حين استبعد أن تكون عملاً معقّداً مضيفاً أنّها "امتداد لوجستيّ للعلاقات الشخصيّة. إنّها طريقة عمل الطبيعة الإنسانيّة". لكنّ هذا ما كان يعتقده ترامب أيضاً، ومع ذلك، كان يلقى انتقادات لهذه الفكرة بالذات. لعلّ أبرز محطة برز فيها تركيز ترامب على العلاقات الشخصيّة الودّيّة هي لقاءاته مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون. انتقد بايدن ترامب بسبب تلك اللقاءات مشبّهاً إياها بمحاولات استرضاء هتلر. على الرغم من ذلك، التقى بايدن في جنيف بمن وصفه بـ"القاتل". بتشديده على معايير "حقوق الإنسان" التي يعلن تمسّكه بها، لا يبدو بايدن أنّه يتمتّع بـ"أفضليّة معنويّة" على سلفه. حتى مع وضع هذه المعايير جانباً، تمكّن ترامب من تأسيس تهدئة نسبيّة للأوضاع في شبه الجزيرة الكوريّة بعد سلسلة من التجارب الصاروخيّة البالستيّة والنوويّة التي قامت بها بيونغ يانغ. ليس واضحاً اليوم ما إذا كان بايدن قادراً على وقف الهجمات السيبيرانية التي يتّهم بها روسيا.

 

صحيح أنّ الرئيس الأميركيّ أعطى نظيره الروسيّ لائحة بستّة عشر بنية تحتيّة أساسيّة يشكّل استهدافها خطاً أحمر للولايات المتحدة، لكن ليس مؤكّداً أنّ الروس سيلتزمون بها. يرى البعض أنّ بوتين سيختبر عمداً هذا الخط الأحمر ليكتشف ما إذا كان شبيهاً بخط أوباما. وتعرّضت الولايات المتحدة للقرصنة بعد انتهاء الاجتماع التحضيريّ للقمّة بين وزيري الخارجيّة الأميركيّ أنتوني بلينكن والروسي سيرغي لافروف أواخر أيّار (مايو) الماضي. وهكذا حدث في بولونيا حيث قال مسؤولون بولونيّون إنّ الهجمات السيبيرانية التي تعرّضت لها الدولة أوائل الشهر الحاليّ أتت من روسيا.

 

لا يزال "السيّد"

في هذا السياق، وجّه المعارض الروسيّ البارز وبطل الشطرنج غاري كاسباروف انتقاداً عنيفاً لقمّة جنيف كاتباً في شبكة "سي أن أن" الأميركيّة أنّه لم يعد مهمّاً حجم العقوبات التي سيفرضها الغربيّون على روسيا طالما أنّ بوتين حصد اعترافاً من الرئيس الأميركيّ بأنّه لا يزال هو "السيد". وبما أنّ هذه الرسالة وصلت إلى دول العالم والأوليغارشيين في روسيا فارتدادات ذلك تعني أنّه لن يغيّر سلوكه. وردّاً على القائلين بأهمّيّة الاجتماع بين الرئيسين على الرغم من اعترافهم بأنّ اللقاء لن يثمر نتائج مباشرة، سخر كاسباروف من فكرة "أنّ الاجتماع مهمّ لأنّ الاجتماع مهمّ" قائلاً إنّ ذلك يجب ألّا يكون هدفاً بحدّ ذاته لقائد العالم الحرّ.

 

وأضاف كاسباروف أنّ بوتين مهتمّ بالنتائج ولا يهمّه أن يكون بايدن قوياً معه. علاوة على ذلك، لا يرى الجميع أنّ الرئيس الأميركيّ كان فعلاً قويّاً في جنيف. فهو قرأ عن الملقّن وتلقى أسئلة سبعة مراسلين مختارين سلفاً من فريقه. بينما أجاب بوتين على أكثر من 24 سؤالاً ولم يقرأ أيّ كلمة أو ملاحظة عن الملقّن. حتى التوصل إلى هدنة في النزاع الأميركيّ-الأوروبّيّ حول دعم شركتي "بوينغ" و"إيرباص" لم يكن خرقاً حقيقياً بما أن منظّمة التجارة العالمية حمّلت الطرفين المسؤولية.

 

لا تنتقص هذه العوامل من الباع الطويل لبايدن في السياسة الخارجية. لكن ذلك لا يعني بالضرورة ترجمة عمليّة في العلاقات الخارجية للولايات المتحدة في عهده. لا يزال بإمكان بايدن إنهاء ولايته بإنجازات كثيرة. لكن جولته الخارجيّة الأخيرة بعيدة من أن تؤكّد ذلك أو من أن تسمح بمقارنات تاريخية منذ اليوم.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم