إعلان

هل كان بإمكان بايدن إلقاء خطاب أفضل؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس الأميركي جو بايدن خلال حفل التنصيب - "أ ب"
الرئيس الأميركي جو بايدن خلال حفل التنصيب - "أ ب"
A+ A-

في كتابه "فنّ الخطابة"، يشير دايل كارنيغي إلى كيفيّة اختيار مارتن لوثر كينغ كلمات خطابه الشهير في 28 آب 1963 بعناية فائقة. بحسب الكاتب، لو استبدل كينغ عبارة "لديّ حلم" بعبارة "لديّ خطّة"، لما استمع إليه أحد، ولما كان خطابه دخل التاريخ.

 

باختصار، يحرّك "الحلم" المخيّلة ومعها العواطف. بينما تحتاج "الخطّة" إلى التركيز المطوّل والتحليل المعمّق، وهذا ما لن تستسيغه الجماهير. غالباً ما تكون التجريدات مفتاح قلوبها. ومع ذلك، تحتاج التجريدات إلى شخصيّات تتمتّع بالحضور الاستثنائيّ وبسهولة التعبير عن نفسها وبقدرات خطابيّة متمكّنة. وهذا ما لا يتمتّع به الرئيس جو بايدن.

 

عن "نَعَس" بايدن

ليس في هذا الواقع ما ينتقص من قدراته أو على الأقلّ من مهمّته. لم ينتخب الأميركيّون بايدن لأنّه يتمتّع بطاقة حيويّة على المنابر، هو الذي لم يعتلِها خلال الحملة إلّا نادراً. في أحد تصريحاته المثيرة للجدل، يقول الرئيس السابق دونالد ترامب: "لقد اعتدْتُ أن أصف (شقيق الرئيس السابق ومرشّح 2016 للانتخابات الرئاسيّة) جيب بوش بأنّه ‘قليل الحيوية‘. جيب حيويّ بشكل استثنائيّ بالمقارنة مع جو الناعس".

كان واضحاً أنّ "نعس" بايدن لم يكن على رأس أولويّات الناخب الأميركيّ. بحسب استطلاعات خروج عدّة، كان وباء "كورونا" الهمّ الأوّل. سجّل عدّاد الوفيات في الولايات المتحدة أكثر من 400 ألف وفاة وأدخل الاقتصاد الأميركيّ في حالة انكماش وصلت إلى حوالي 6% سنة 2020. يريد الأميركيّون الخروج من النفق المظلم بأسرع ما يكون. قد لا يكون بايدن قادراً على تحقيق هذا الهدف.

لكن في أذهان القسم الأكبر منهم، ارتبطت صورة 2020 السلبيّة، بصرف النظر عن صحّة هذا الارتباط، بأداء إدارة ترامب. وربّما تعب الأميركيّون من أربع سنوات توتيريّة تسبّب ترامب بجزء كبير منها، إن لم يكن بالجزء الأكبر. بالتالي، لم تكن "قلّة حيويّة" بايدن مصدر قلق كبير للأميركيّين. تنقل هذه الجزئيّة المراقبين إلى ما كان متوقّعاً من الرئيس خلال حفل التنصيب.

 

بين الأمل والمَلل

يرى ناشر مجلة "بوليتيكو" جون هاريس أنّ موهبة بايدن الخطابية "مملّة قليلاً" بمعايير اليوم. لكن يمكنها أن تكون نقطة إيجابية بما أنّ الكلمات المُلهمة التي أطلقها الرؤساء السابقون طوال 30 سنة فشلت في توحيد الأميركيّين. أراد هاريس من بايدن تقديم ما هو "ملموس" للجمهور حتى ولو كان هذا الملموس "مملّاً" في الأوقات العاديّة. وأوضح أنّ بايدن ينتمي إلى حقبة التحالف بين الحزب الديموقراطيّ وناخبي الطبقة العاملة والذي سعى إلى تحقيق أهداف "مادّيّة". بدأ ذلك يتغيّر لاحقاً مع إفراز الجامعات لسياسات ونقاشات الهويّة وإفراز الإعلام للثقافة الغاضبة. وذكر هاريس أيضاً أنّ محاولة بايدن توحيد البلاد تقوم على ضرورة الابتعاد عن سياسات الهوية والعودة إلى اعتناق سياسات المكاسب المادية.

لهذه الناحية، مزج بايدن في خطابه "سلبيّتين" على الأقلّ: تكرار الرموز بشكل كبير والعودة إلى سياسات الهويّة. إذا كان "الملل" يقتضي وفقاً لهاريس سرد خطوط عريضة عن النهوض الاقتصاديّ والصحّيّ فهو تجنّب ذكرها. وإذا كان لديه مشروع لتوحيد الأميركيّين فقد أحجم الرئيس عن قوله. كان بايدن بحاجة إلى الابتعاد عن "الرموز" و"المجرّدات" وتقديم ما هو "ملموس"، ففعل العكس. تحدّث عن "الأمل" و "التفاؤل" و"العزم" مذكّراً بأنّ الديموقراطيّة "هشّة" لكنّها "انتصرت". وذكر أنّ التاريخ الأميركيّ "لا يعتمد على جزء منا، بل علينا كلّنا" قائلاً إنّ هنالك الكثير ليتمّ "إصلاحه" و"شفاؤه". تحدّث عن تصاعد في "التطرّف السياسيّ" و"التسيّد الأبيض" وعن إعادة تعزيز "العدالة العرقيّة" وانتقد أيضاً "لسعة العنصريّة النظاميّة".

 

"حساسيّات" المحافظين

هذه المصطلحات نابعة من ثقافة "سياسات الهويّة". يرفض المحافظون الأميركيّون وجود "عنصريّة نظاميّة" في بلادهم. وينتقدون أيضاً فكرة التركيز الدائم على "التسيّد" أو "التفوّق الأبيض" وكأنّه يعبّر عن جزء واسع من الشعب الأميركيّ فيما تلك الظاهرة محدودة ببضعة آلاف شخص أو ببضعة عشرات الآلاف بالحدّ الأقصى.

الاعتداء على الكونغرس الأميركيّ في السادس من كانون الثاني فظيع بجميع المعايير، وأفظع بالمعايير الأميركيّة. لكن في 8 حزيران 2020 أيضاً، أخلت شرطة سياتل مبناها في حيّ الكابيتول التابع للمدينة بعدما اقتحم اليسار مقرّاتها وسرقوها ثمّ شكّلوا - طوال 24 يوماً - "كومونة فوضويّة" من أجل "إلغاء الشرطة"، وهي فكرّة يؤيّدها الكثير من اليسار الأميركيّ. هذه التصرّفات أيضاً بحاجة للإدانة.

لا يعني هذا الأمر أنّ بايدن يدافع عن أفكار اليسار. هو شخص يرفض أن يوصف حتى بـ"الليبيراليّ". ينتمي بايدن إلى الوسطيّة. وهو من القلّة القادرين على تخطّي الاصطفافات الحزبيّة كما على ردم الهوّة بين المنقسمين، وفقاً لصحيفة "واشنطن بوست". لقد رثا أصدقاءه مثل السيناتور جون ماكين والسيناتور المؤيّد للفصل العنصريّ ستروم ثورموند، لأنّه "يرى الطيبة الأساسيّة في كلّ شخص، لدى أصدقائه لكن أيضاً لدى خصومه".

 

توازن وتذكير

ربّما اقتبس بايدن الكاثوليكيّ مقطعاً من الكتاب المقدّس (سفر المزامير) وممّا قاله القدّيس أوغسطينوس لطمأنة المحافظين وللتوجّه بطريقة "متوازنة" إلى مختلف أطياف الجمهور الأميركيّ. مع ذلك، وفي ظلّ تكرار الحديث عن أهمّيّة الوحدة والخروج من الانقسامات، لم يقدّم بايدن تصوّره عن السبيل إلى ذلك. لا يسقط هذا الواقع أهمّيّة تذكيره الأميركيّين بأنّ الاختلاف "لا يعني عدم الثقة بمن لا يشبهونكم، أو يمارسون عبادتهم بالطريقة التي تمارسونها، أو لا يستقون أخبارهم من المصادر نفسها التي تستقونها منها".

وقال أيضاً إنّه يتفهّم خوف أميركيّين كثر من المستقبل وقلقهم من احتمال فقدان وظائفهم وعدم قدرة إعالة عائلاتهم. وأكّد أيضاً أنّه يتفهّم الذين يعارضونه: "فليكن. هذه هي الديموقراطية. هذه هي أميركا. حقّ المعارضة السلميّة، ضمن الحدود (التي وضعها دستور جمهوريّتنا)، ربّما يكون أعظم قوّة لأمّتنا". وشدّد أيضاً، كما فعل خلال حملته الانتخابيّة، على أنّه سيكون رئيساً لمعارضيه ومؤيّديه معاً، داعياً في الوقت نفسه إلى ألّا تكون هذه المخاوف والاختلافات سبباً لهذه الحرب "غير المتمدّنة" وللانقسام إلى فصائل متناحرة.

 

الحكم النهائيّ

ثمّة حاجة مهمّة لدى الأميركيّين للاستماع إلى هذه الكلمات التوحيديّة والتفاؤليّة. لكن ربّما برزت حاجة على المستوى نفسه من الأهمّيّة للاستماع إلى أفكاره حول السبيل إلى الوحدة. صحيح أنّ خطاب التنصيب ليس مناظرة تلفزيونيّة ولا برنامجاً انتخابيّاً. لكنّ إدخال بعض اللمحات عن خطّة الإنقاذ ربّما كان أفضل من تكرار الأفكار العامّة.

ثمّة 70 مليون أميركيّ صوّتوا لترامب لا لأنّهم يرفضون الوحدة أو لأنّهم عنصريّون، خصوصاً أنّ نسب الأقلّيّات العرقيّة التي دعمته في 2020 كانت أعلى من 2016. أيّد معظم هؤلاء السياسات الاقتصاديّة لشعار "أميركا أوّلاً"، وعارضوا الليبيراليّة المعولمة ومغامراتها العسكريّة وتسريعها غياب المساواة. صحيح أنّ بايدن تحدّث عن إعادة بناء الطبقة الوسطى وتأمين الرعاية الصحّيّة للجميع ومعالجة غياب المساواة ومكافأة العمل. لكنّه لم يقل كيف. قد يكون ذلك ناجماً عن أنّ الكيفيّة نفسها لا تخلو من الجدل الداخليّ، كفرض الضرائب على الشركات الذي يؤيّده الديموقراطيّون وتأثيره السلبيّ المحتمل على سوق العمل.

في نهاية المطاف، قد لا يحتلّ خطاب بايدن مراتب متقدّمة من ضمن أفضل الخطابات التي ألقيت في التاريخ الأميركيّ. غير أنّ ما سيحكم الأخير عليه هو أداؤه الرئاسيّ طوال أربع سنوات. الخطاب قد يُنسى في بضعة أيّام. الإنجازات هي العامل الوحيد الذي قد يستنهضه من غياهب النسيان.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم