إعلان

"أميركا عادت"... إلى أيّ عالم؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس الأميركي جو بايدن يتوجّه بكلمة إلى مؤتمر الأمن الافتراضي في ميونخ، 19 شباط 2021 - "أ ب"
الرئيس الأميركي جو بايدن يتوجّه بكلمة إلى مؤتمر الأمن الافتراضي في ميونخ، 19 شباط 2021 - "أ ب"
A+ A-

"أميركا عادت". هذه هي الرسالة التطمينيّة الأبرز التي وجّهها الرئيس الأميركي جو بايدن إلى حلفائه الأوروبّيّين خلال كلمة توجّه بها من البيت الأبيض خلال "مؤتمر ميونخ للأمن" الذي يُعقد سنويّاً في ألمانيا لمناقشة التحدّيات العالميّة.

 

في انتقاد ضمنيّ للرئيس السابق دونالد ترامب والذي يتحاشى بايدن ذكر اسمه مؤخّراً، أعلن الأخير أنّ السنوات الأربع الماضية كانت صعبة، لكن يجب على أوروبا والولايات المتحدة أن تقودا العالم بثقة. وشدّد على أنّ بلاده ملتزمة المادّة الخامسة من معاهدة "حلف شمال الأطلسيّ" (ناتو) التي تنصّ على أنّ الاعتداء ضدّ دولة أطلسيّة يعني اعتداء على جميع الدول الأعضاء. "هذا هو عهدنا الذي لا يتزعزع".

 

سؤال مركزيّ

تثار علامة استفهام أساسيّة حول ما إذا كان بايدن يريد العودة إلى التحالفات التقليديّة من دون إصلاح بعض ثغراتها، أي تلك التي كان يصفها ترامب بـ"الرحلات المجّانيّة" التي تدفع الأوروبّيّين إلى الاستفادة من الحماية الأمنيّة الأميركيّة من دون تقديم التزامات مقابلة. على الرغم من أنّ ترامب كان يركّز كثيراً على الموضوع الماليّ، اِعترت إشكاليات أخرى العلاقات العابرة للأطلسيّ. فالإنفاق الدفاعيّ الذي يجب أن يبلغ 2% من موازنة الدول الأعضاء ليس مطلباً أميركيّاً حصراً بل هو اتّفاق وافق عليه وزراء الدفاع الأطلسيّون سنة 2006 ويعود بالفائدة العسكريّة على الحلف. ومن المتوقع ألّا تبلغ ألمانيا هذه النسبة قبل عشرة أعوام، علماً أنّ دولاً أضعف من حيث الإمكانات الماليّة مثل اليونان ملتزمة بهذه النسبة.

 

والحديث عن الاعتداء على دولة أطلسيّة يذكّر بالحكم الذي أصدرته محكمة بلجيكيّة في الرابع من شباط والذي يدين الديبلوماسيّ الإيرانيّ أسدالله أسدي بمحاولة تفجير تجمّع للمعارضة الإيرانيّة في حزيران 2018 على الأراضي الفرنسيّة. لا يبدو أنّ هذا الحكم حظي بالكثير من الاهتمام الأميركيّ وحتى الأوروبّيّ إذ لا يزال الطرفان يبحثان عن طريق العودة إلى الاتفاق النوويّ من دون إيلاء أهمّيّة قصوى لسلوك إيران الإقليميّ والدوليّ خصوصاً بعد الإدانة. تحدّث بايدن أمس عن ضرورة التصدّي لتصرّفات إيران المزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط. لكنْ تبقى سياساته العمليّة، مثل تحاشي اتّهامها بالهجوم على قاعدة في إربيل ورفع الحوثيّين عن لائحة الإرهاب، خطوات مطمئنة لطهران أكثر ممّا هي رادعة لها.

 

أوروبا بين روسيا والصين

توقّع بايدن في كلمته أن يكون التنافس مع الصين قاسياً، مشدّداً على أهمّية التعامل مع بيجينغ بطريقة منسّقة بين الأميركيّين والأوروبّيّين. لكنّه بالمقابل أكّد وجوب عدم تحوّل هذا التنافس إلى حرب باردة جديدة، مع أهمّيّة أن يتعاون الأطراف الثلاثة في قضايا عالميّة تؤثّر على الجميع. في 2020، أصبحت الصين أكبر شريك تجاريّ للاتّحاد الأوروبّيّ محتلّة المكانة التي شغلتها الولايات المتّحدة في السابق. ليس واضحاً ما إذا كان بايدن سيعالج أسباب هذا الخلل في العلاقات التجاريّة. وهو خلل ليس جديداً على أيّة حال. فمنذ سنة 2016، أصبحت الصين أكبر شريك تجاريّ لألمانيا. ودعا بايدن الأوروبيين للتعاون مع واشنطن من أجل "صدّ الإكراه والانتهاكات الاقتصادية للحكومة الصينيّة".

 

قد لا يكون الخيار الألمانيّ التجاريّ منفصلاً عن رؤية برلين الاستراتيجيّة للتحوّلات الخارجيّة. ذكرت مجلّة "دير شبيغل" أنّ ألمانيا غير مراهنة كثيراً على تأثير دخول بايدن البيت الأبيض بالنسبة إلى العلاقات العابرة للأطلسيّ. فهي ترى أنّ "العصر الذهبيّ" لتلك العلاقات أصبح من الماضي وأنّ الولايات المتّحدة بدأت تتّبع منذ فترة نمطاً انعزاليّاً في السياسة الدوليّة. تناقض هذه الرؤية أفكار فرنسا التي تبدو أكثر حماسة لفوز بايدن بالرئاسة الأميركيّة على اعتبار أنّ ترامب هو مجرّد استثناء للقاعدة الأميركيّة. أيّ رؤية ستتبنّاها أوروبا في المستقبل تبقى قيد المتابعة.

 

رحّبت برلين أمس بقرار بايدن الإبقاء على القوّات الأميركيّة في ألمانيا. وفي إجابة على أسئلة "رويترز"، قالت وزيرة الدفاع الألمانيّة أنيغريت كرامب-كارنباور إنّ بلادها "فهمت جيّداً" تمسّك بايدن بالأمن الأوروبّيّ وإنّه "يتوجّب علينا الآن أن نصافح اليد التي مدّتها واشنطن إلينا". وأوضحت "أنّنا نحتاج للردّ عبر إظهار التزامنا الخاص بهذه القضيّة – بإنفاقنا الدفاعيّ، انتشارنا العسكريّ المشترك في الخارج، تعزيز الناتو، وإمكانات قوّاتنا المسلّحة".

 

قرّر ترامب سحب 12 ألف جنديّ أميركيّ من ألمانيا في تمّوز، قبل أن يجمّد بايدن القرار في وقت سابق من الشهر الحاليّ. كان مقرّراً أن تتمّ إعادة نشر حوالي نصف هذا العدد في بلجيكا وإيطاليا وبولونيا، بينما يعاد نشر النصف الباقي بشكل دوريّ، لا دائم، من الولايات المتّحدة باتّجاه أوروبا. ويرى جون كوكسون من معهد "الأولويّات الدفاعيّة" أنّ قرار ترامب منطقيّ، بصرف النظر عن شخصه. فالتهديد الوحيد الذي تتعرّض له أوروبا يأتي من روسيا التي لم تعد قويّة كما في السابق بسبب مشاكلها الاقتصاديّة. وبعدما ذكر أنّ سحب ما يقلّ عن عشرة آلاف جنديّ من أصل 70 ألفاً لا يؤثّر على القوّة القتاليّة الأميركيّة، تخوّف كوكسون من أن تؤدّي زيادة القوّات الأميركيّة إلى تأجيل بعض الأوروبّيّين زيادة إنفاقهم الدفاعيّ.

 

لا أوهام

اِنتقد بايدن في كلمته الكرملين لأنّه "يهاجم ديموقراطيّاتنا ويستخدم الفساد كسلاح في محاولة لتقويض نظام الحوكمة الخاصّ بنا". وأضاف: "إنّه لأسهل بكثير بالنسبة إلى الكرملين أن يتنمّر ويهدّد الدول الفرديّة من أن يفاوض مجتمعاً عابراً للأطلسيّ قوياً ومتّحداً عن كثب". ولم يذكر بايدن مشروع استجرار ألمانيا الغاز الروسيّ وتأثيره على الأمن القوميّ الأوروبّيّ خصوصاً أنّ دول أوروبا الشرقيّة تعارضه.

 

أعلنت المستشارة الألمانيّة أنجيلا ميركل خلال المؤتمر أمس عن سرورها بعودة الولايات المتحدة إلى التعدّديّة الدوليّة بفعل فوز بايدن بالرئاسة. مع ذلك، هي أضافت أنّ الثقة بأهمّيّة الحلف الأطلسيّ "لا تعني دوماً أنّ مصالحنا متحدة – أنا لا أملك أيّ وهم بخصوص ذلك – وسيكون علينا أن نتحدّث بشكل علنيّ عن اختلافاتنا".

 

ستعود الولايات المتّحدة إلى عالم أكثر اختلافاً ممّا كان عليه منذ بضع سنوات. فبريطانيا باتت خارج الاتّحاد الأوروبّيّ، وستغادر ميركل منصبها بعد أشهر قليلة. في هذا الوقت، تتصاعد قوّة الصين حول العالم وفي أوروبا. كذلك، لم تعد نظرة القارّة العجوز إلى موسكو وبيجينغ متجانسة كما كانت عليه في السابق. وأصبحت المجر أوّل دولة أوروبّيّة تستورد اللقاحين الروسيّ "سبوتنيك في" والصينيّ "سينوفارم" بعدما أخفقت أوروبا بشدّة في تأمين ما يكفيها من اللقاحات الغربيّة.

 

وإذا كانت الدول الأوروبّيّة والأطلسيّة قد شعرت بريبة من سياسات إدارة ترامب الدوليّة فهي لم تبذل مجهوداً لملء الفراغ الذي خلّفته تلك السياسات. طلبت ألمانيا من واشنطن ألّا تنسحب من شمال شرق سوريا منذ سنتين، لكنّ برلين لم تكن تنشر قوّات لها في البلاد. ومع إعلان ترامب نيّته تخفيض الوجود العسكريّ الأميركيّ في أفغانستان، كانت النيّة الألمانيّة في اتّباع مسار مماثل على الرغم من محاولة إقناع ترامب بالعكس.

 

بالمقابل، أطلق الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون عبارته الشهيرة عن أنّ "الناتو" في "حالة موت دماغيّ" وهو أعنف تصريح لرئيس دولة أطلسيّة ضدّ المنظّمة، بالرغم من أنّ ماكرون وضع كلامه في سياق تحفيز الحلف على تعزيز مكانته ودوره. وبينما تختلف فرنسا وألمانيا أساساً حول فلسفة مبادرة "التعاون المنظّم الدائم" (بَسكو) لدعم الأمن الأوروبّيّ، رأت إدارة ترامب أنّ المبادرة تهدف إلى الحلول مكان الحلف الأطلسيّ. واختلفت باريس وألمانيا بشكل كبير حتى على طريقة تصدير المنتجات العسكريّة المصنّعة بشكل مشترك، قبل أن تسوّيا الأمر أواخر 2019.

 

لا شكّ في أنّ فرحة عامرة غمرت الأوروبّيّين بفوز بايدن في تشرين الثاني، وازدادت مع الخطابات التطمينيّة والمراجعات التي أجرتها إدارته لسياسات سلفه في أوروبا وأفغانستان وفي الملفّات الصحّيّة والمناخيّة عالميّاً. لكن هذه ليست سوى البداية. هذه الإشكاليّات وغيرها تطرح تكهّنات عمّا إذا كانت واشنطن ستنجح في قيادة العالم الغربيّ في السنوات المقبلة كما فعلت في العقود الماضية.

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم