إعلان

هل يخرق ترامب مبادئه في كتاب "فنّ الصفقة"؟

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
ترامب حاملاً كتابه "فن الصفقة"
ترامب حاملاً كتابه "فن الصفقة"
A+ A-
جميع منافذ ترامب لقلب نتائج الانتخابات الأخيرة تكاد تكون مغلقة. أو هكذا تبدو حاليّاً. لكنّ ترامب يرفض الاستسلام. ربّما تعلّم ذلك من محاميه ومرشده في بدايات مسيرته روي كوهين الذي عُرف بتصلّبه و"عدوانيّته" في القضايا التي تولّاها. لكنّ الإصرار على القتال في معارك شبه محسومة يرتدّ سلباً على صاحبها. وهذا ما لا يدركه ترامب، أو يدركه ويتغاضى عن نتيجته، فقط لأنّه غير قادر على إعلان الهزيمة. لم يرَ ترامب المكاسب الكثيرة التي حصدها في الانتخابات: خسارة بفارق ضئيل في ذروة جائحة، التمدّد الكبير لشعبيّته بين الأقلّيّات، تقدّم الجمهوريّين في مجلس النوّاب والاحتفاظ بسيطرتهم في مجلس الشيوخ، وغيرها الكثير.
 

"فنّ الصفقة"
اللافت للنظر أنّ سلوك ترامب يطيح النصائح التي اقترحها في كتابه "فنّ الصفقة". في الفصل العاشر من كتابه، يسرد ترامب كيف خسر معركة أمام مجموعة من المستأجرين، سرعان ما ساعدوه، عبر المماطلة المتزامنة مع ارتفاع أسعار الشقق، على إطلاق مشروع أقلّ كلفة وأكثر ربحاً وصل عائده إلى مئة مليون دولار. وضع ترامب الخلاصة في بداية الفصل (ص. 249) كاتباً: "أحياناً، عبر خسارة معركة تجدُ طريقة جديدة لربح الحرب. ما تحتاج إليه، عموماً، هو وقت كافٍ وبعضٌ من الحظّ. حصلتُ على كليهما في ‘100 سنترال بارك ساوث‘.

في 2020، لا يزال ترامب يملك الوقت والحظّ لخوض الحرب الكبيرة في 2022 والحرب الكبرى في 2024. يعترف معارضوه قبل مناصريه بأنّ "الترامبيّة" باقية. بإمكانه الرسملة عليها لخوض حربيه المقبلتين والقادرتين على إكسابه إرثاً خاصّاً به في تاريخ الرئاسات الأميركيّة – لو أحسن خوضهما. لكنّ الوقت والحظّ ليسا العاملين الوحيدين للنجاح بعد أربع سنوات. يحتاج ترامب إلى قراءة التفاصيل الصادرة عن نتائج الانتخابات، وهي كثيرة ومتجدّدة. وهو بحاجة أيضاً إلى إدراك مكامن ضعفه وتحسينها.
 
ما يفعله حاليّاً هو الإصرار على أنّ الانتخابات "سُرِقت". بصرف النظر عمّا إذا كان هذا الأمر صحيحاً أم لا، من غير المرجّح أن تختلف المحصّلة. لا يحتاج الأمر لأكثر من إلمام نظريّ بعلم الاحتمالات لإدراك ذلك. سنة 2000، كان هنالك خلاف حول 537 صوتاً في ولاية واحدة هي فلوريدا فتدخّلت المحكمة العليا ورجّحت فوز بوش الابن. اليوم، ثمّة خلاف حول ما لا يقلّ عن ثلاث ولايات. احتمال وقوع تزوير في جميعها، بل احتمال إثبات وجود هذا التزوير في جميعها، ضئيل جدّاً. يبقى ألّا يستنزف نفسه وشعبيّته في مطاردة ما يتحوّل تدريجيّاً إلى سراب.
 

لم يخسر بسبب برنامجه
تذكر الكاتبة السياسيّة في صحيفة "ذا هيل" كريستين تايت أنّ بايدن لم يفز بسبب لاشعبيّة أجندة ترامب. على العكس من ذلك، استفاد الأميركيّون منها إذ قال 56% منهم إنّ حياتهم أصبحت أفضل ممّا كانت عليه قبل أربع سنوات. وهي النتيجة العليا منذ سنة 1984. بمعنى آخر، تفوّق أداء ترامب في الولاية الأولى حتى على أداء رونالد ريغان. بفعل إلغائه الضرائب، اِدّخر متوسّط العائلات الأميركيّة أكثر من 1600 دولار سنويّاً وشهد السود والهيسبانيّون انخفاضاً قياسيّاً في نسب البطالة. وأدخل ترامب إصلاحات سريعة في العدالة الجنائيّة وسرّع في تطوير لقاحات "كورونا".

لقد خسر ترامب بفعل شخصيّته وتغريداته التي أثارت حفيظة العديد من المعتدلين ويمين الوسط، بما يؤكّد أنّ الانتخابات كانت ضدّ شخص ترامب وضدّ أجندة الديموقراطيّين معاً. وتضيف الكاتبة أنّ بإمكان الجمهوريّين تقديم مرشّحين ببرنامج "ترامبيّ" لكن بشخصيّات مختلفة، متوقّعة مستقبلاً باهراً للحزب الجمهوريّ. فكامالا هاريس ستكون على الأرجح مرشّحة الديموقراطيّين في 2024، وهي ليست إلّا "هيلاري كلينتون 2.0" بحسب تعبيرها.

من غير المرجّح أن يعتزل ترامب السياسة في السنوات المقبلة إذا ظلّ متمتّعاً بصحّة جيّدة. بإمكانه التعلّم من تلك الخسارة ليعيد ضبط شخصيّته وانفعالاته وتغريداته لكسب الفئات التي خسرها مؤخّراً ولمواصلة توسيع قاعدته الشعبيّة بين الأقلّيّات، وربّما الأهمّ، إعادة جذب نساء الضواحي. وسيساعده في ذلك عدم قدرة بايدن على تنفيذ أجنداته بسبب الفشل في السيطرة على مجلس الشيوخ، كما بسبب الانقسامات في الحزب الديموقراطيّ. وثمّة تخوّفٌ لدى البعض من أن يطلق ترامب ردوداً غاضبة ضدّ الجمهوريّين لأنّهم لم يدعموه في الولايات التي ربحوها أو قد يربحونها في كانون الثاني والتي صوّتت رئاسيّاً لبايدن (أريزونا وجورجيا).
 

مفترق طرق
ليس مؤكّداً ما إذا كان ترامب يخرق مبادئه التي ذكرها في كتابه. هو يصف نفسه (ص. 299) بأنّه "من أشدّ المؤمنين بالعودة (بعد الخسارة)"، لكنّه لا يتصرّف بناء على هذا التوصيف. في أماكن أخرى (ص. 58) يشدّد على ضرورة المواجهة والانتقام. "في معظم الحالات أنا شخص سهل التعامل جدّاً معه. أنا إنسان طيّب جدّاً مع الأشخاص الجيّدين معي. لكن حين يعاملني الناس بطريقة سيّئة... موقفي العام، طوال الحياة، كان الردّ بشدّة".

ربّما يؤمن ترامب فعلاً بأنّ الديموقراطيّين "سلبوه" حقّه في الانتخابات. لكنّه هو نفسه من كتب تعليقاً على هذه الخطوة: "الخطر هو أنّك ستجعل وضعاً سيّئاً أصلاً أكثر سوءاً، وبالتأكيد أنا لا أوصي بهذه المقاربة للجميع". ثمّ يستدرك كاتباً: "لكنّ خبرتي هي أنّك إذا كنت تقاتل لشيء تؤمن به – حتى ولو عنى ذلك إبعاد بعض الأشخاص على طول الطريق – عادة ما تسير الأمور نحو الأفضل في النهاية".

في مواجهة نتائج الانتخابات الرئاسيّة، لا يبدو أنّ الأمور تتّجه نحو الأفضل بالنسبة إلى ترامب. والأشخاص الذين يمكن أن يبعدهم من خلال تصريحاته الفجّة ضدّ الديموقراطيّة الأميركيّة، قد يكلّفونه انتخابات مجلس الشيوخ في جورجيا بعد أقلّ من شهرين، أو الانتخابات النصفيّة بعد عامين وربّما الرئاسيّة بعد أربعة أعوام. وصل ترامب إلى مفترق طرق يحتّم عليه الاختيار بين "جعل الوضع السيّئ أكثر سوءاً"، وبين القبول بالخسارة كـ "إيجاد طريقة جديدة لربح الحرب".

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم