إعلان

هل يواصل بايدن سياسة التنازلات مع إيران في 2022؟

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
الرئيس الأميركي جو بايدن - "أ ب"
الرئيس الأميركي جو بايدن - "أ ب"
A+ A-

في 17 يناير/كانون الثاني الحالي، أصدرت "مجموعة الأزمات الدوليّة" تقريراً حضّت فيه الولايات المتحدة وإيران على ضرورة المسارعة إلى إحياء الاتفاق النووي. رأت "المجموعة" أنّ العودة إلى الاتّفاق يجب أن تتمّ اليوم وإلّا فهي "لن تحصل أبداً"، لأنّ مرور الوقت يفرغ الاتّفاق من أيّ مضمون. يوافق كثر على هذه الفرضيّة، لأنّ بنود الغروب تبدأ بالتحقّق في 2026 قبل أن تُرفع غالبيّة القيود في 2031. إنّ إعادة إحياء "خطة العمل" بهذه الطريقة ستتيح لإيران الاستفادة من رفع العقوبات من دون مقابل حقيقيّ، بما أنّها ستظلّ دولة تقف على العتبة النوويّة مستفيدة من التكنولوجيا والمعرفة التي حقّقتها بعد تسريع برنامجها النوويّ بدءاً من 2019.

 

لهذه الأسباب وغيرها، تدعو "المجموعة" واشنطن وطهران إلى استغلال ما يمكن أن يكون "آخر فرصة لإنقاذ الاتفاق" خصوصاً أنّه يجب ألّا تكون الخلافات بشأن عكس التقدّم النوويّ الإيرانيّ وتخفيف العقوبات الأميركيّة عصيّة على الحلّ. سيتطلّب ذلك "من الولايات المتحدة وأوروبا تقديم مقترحات ذات صدقيّة عن كيفيّة ترجمة رفع العقوبات الأميركيّة المرتبطة بالبرنامج النوويّ إلى متنفّس اقتصاديّ حقيقيّ لإيران، ومن إيران تقديم التزام قويّ بالتراجع عن برنامجها بشكل يمكن التحقّق منه".

 

مساحة مشتركة؟

في وقت تشكّل هذه المتطلّبات أساساً نظريّاً يمكن البناء عليه للتوصّل إلى اتّفاق، يبقى أنّ تنفيذها محفوف بالمطبّات. فمفهوم "صدقيّة" المقترحات مختلف عليه بين الأميركيّين والإيرانيّين. تريد طهران التأكّد من أن تكون العقوبات مرفوعة بشكل لا يمكن العودة عنه في المستقبل. لا تستطيع واشنطن تقديم هذا الطلب لسببين على الأقلّ، الأوّل أنّ الإدارة الحاليّة لا تستطيع دستوريّاً إلزام الإدارات اللاحقة بالامتثال لهذا الاتّفاق أمّا الثاني فهو حرمان واشنطن من إمكانيّة إعادة فرض العقوبات لو تبيّن أنّ إيران انتهكت موجباتها مستقبلاً. من ناحية أخرى، يمكن أن تقدّم إيران التزاماً قويّاً بالعودة إلى الامتثال. لكنّ مدى سماحها للمفتّشين بدخول المنشآت المشتبه بها خاضع للجدل.

 

في 2015، منعت إيران تفتيش "منشآتها العسكرية والأمنيّة والحسّاسة". أصدر مجلس الشورى (البرلمان) مسوّدة القانون قبل أيّام من انتهاء المفاوضات النوويّة. لم يمنع ذلك المفاوضين من التوصل إلى الاتفاق النوويّ. ولاحقاً، طالب البرلمان الحكومة بتوسيع برنامج أجهزة الطرد المركزي في البلاد حتى يصل إنتاج اليورانيوم المخصّب خلال عامين إلى 190 ألف وحدة منفصلة، علماً أنّ الاتّفاق النوويّ وضع سقفاً لهذه الوحدات بـ5060 طوال عشرة أعوام. وكانت هنالك اتهامات بأنّ إدارة أوباما وقفت خلف إنهاء الوكالة الدوليّة للطاقة الذرية تفتيشها لما عُرف باسم "البعد العسكريّ المحتمل" للبرنامج النوويّ الإيرانيّ في السابق. ورحّب كيري بخطوة مجلس المحافظين هذه بعدما كان قد أعلن في وقت سابق أنّه "لم يكن مهووساً بالتركيز على محاسبة إيران بالتحديد على ما فعلوه في مرحلة معيّنة أو أخرى". كلّ هذه الأسباب دفعت النقّاد إلى المطالبة بانحساب واشنطن من الاتفاق النووي قبل مجيء الرئيس دونالد ترامب. في جميع الأحوال، قد تغضّ إدارة بايدن الطرف عن خطوات إيرانيّة مستقبليّة مشابهة طالما أنّ الهدف الأساسيّ، أي إعادة تخفيض سقف التخصيب إلى 3.67% والتخلّص من مخزونات اليورانيوم التي تمّت مراكمتها منذ 2019، يمكن أن يتحقّق. في نهاية المطاف، بإمكان الإدارة أن تجادل في كون اتّفاق 2015 يؤجّل في جوهره مشكلة مسارعة إيران إلى "الخرق النوويّ" بحدود 12 شهراً ولا يحلّها بشكل نهائيّ.

 

مقترحات لتسهيل الحلّ

قبل مناقشة ما بإمكان الطرفين الاتّفاق عليه في الأسابيع أو ربّما الأشهر القليلة المقبلة، يقترح تقرير "مجموعة الأزمات الدوليّة" خطوات يرى أنّها قد تسهّل التوافق بين الأميركيّين والإيرانيّين بالاستناد إلى ضرورة تكوين قناعة مشتركة بأنّ أيّاً من الطرفين لن يكون قادراً على تحقيق جميع تطلّعاته.

 

طالب التقرير الإدارة الأميركيّة بـ"إظهار مرونة أعظم إزاء نطاق تخفيف العقوبات المستعدّة لعرضه" مثل "تخفيف العقوبات على صادرات النفط الإيرانيّ والسماح بإعادة الإيرادات المرتبطة بها كما الأصول المجمّدة في الخارج". بالتزامن، سيكون على إيران "تجميد أكثر عناصر نشاطاتها النووية إثارة للقلق، وهي تخصيب اليورانيوم على مستوى عالٍ، تركيب أجهزة طرد مركزيّ متطوّرة وإنتاج معدن اليورانيوم". يحصل ذلك مع إعادة طهران "التعاون الكامل" مع الوكالة الدوليّة وتوضيح القضايا العالقة بشأن آثار لمواد نوويّة عثرت عليها الوكالة في منشآت غير معلن عنها.

 

سبق أن عمدت الإدارة الحاليّة إلى إظهار هذه المرونة، خصوصاً لجهة تخفيف الضغط المفروض على صادرات إيران النفطيّة. لم يتحقّق ذلك فقط في إطار ارتفاع احتياطات إيران من العملة الأجنبيّة قياساً بالسنة الماضية بسبعة أضعاف تقريباً. فالتقرير الأخير الصادر عن البنك الدوليّ أشار إلى أنّ الاقتصاد استطاع بين 2020-2021 معاودة النموّ بسبب "ظروف أكثر ملاءمة في قطاع النفط" بما يعني تحسّن قدرة إيران على تصدير النفط خصوصاً إلى الصين. وسبقت أن أجابت إيران على أسئلة المفتّشين بخصوص الآثار النوويّة التي تمّ العثور عليها في اربع منشآت، لكنّ الوكالة قالت إنّ الأجوبة "لم تكن مقنعة". على الرغم من "بادرة حسن النيّة" التي أظهرتها إدارة بايدن تجاه إيران، لم تعمد الأخيرة إلى تسهيل المفاوضات. لهذا السبب، ليس واضحاً ما إذا كانت إيران ستنظر إلى السماح بتصدير المزيد من النفط أو رفع التجميد عن أصولها الموجودة في الخارج ستنظر إليهما إيران على أنّهما تنازل يستحقّ تنازلاً مقابلاً، أو نقطة ضعف إضافيّة تحتّم المزيد من التشدّد.  

 

وتبرز مشكلة أخرى مشابهة في هذا السياق عند الحديث عن التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. لقد رفضت إدارة بايدن الدعوة إلى عقد اجتماع خاص لمجلس المحافظين التابع للوكالة على الرغم من مماطلة إيران أو تقييدها عمل مفتّشيها. أغلب الظنّ أنّ الإدارة أرادت سعت من خلال هذه الخطوة إلى الإبقاء على ما أمكن من أبواب مفتوحة كي تنجح الديبلوماسيّة في فيينا. مع ذلك، لم تحصل واشنطن على بادرة حسن نيّة من إيران سوى عدم محو تسجيلات الكاميرات الموضوعة على منشآتها النوويّة وإعادة استبدال كاميرات في منشأة كرج بعد عملية تخريب طالتها في يونيو (يونيو). وترفض إيران منذ شباط تسليم محتوى هذه التسجيلات قبل التوصّل إلى إعادة إحياء الاتفاق النوويّ.

 

تبدو مقترحات "مجموعة الأزمات الدوليّة" دعوات مكرّرة كي تقدّم الإدارة الأميركيّة المزيد من التنازلات من دون أن يكون هنالك ضمانات بالمقابل في أن تحصل على مكاسب إيرانية. في الواقع، يمكن وصف 2021 بأنّها سنة التنازلات الأميركيّة والتي انتهت بعودة المفاوضات إلى مناقشة ما كان الطرفان قد اتّفقا عليه قبل توقّف المفاوضات في يونيو/حزيران الماضي. إنّ إعادة دفع إدارة بايدن باتّجاه المزيد من السياسات المشابهة في 2022 بعيدة من أن تكون مضمونة النتائج.  

 

على أيّ حال، هذه هي الخلاصة التي توصّل إليها التقرير نفسه. فقد تكون إيران مصمّمة على اكتساب السلاح النوويّ لأسباب عدّة من بينها ضمان بقاء نظامها، بحسب التحليل إيّاه. لكنّ القلق الزائد يجب ألّا يحلّ مكان المنطق وفقاً لـ"المجموعة" التي ترى، ربّما بشكل متفائل، أنّ القدرة على تصنيع السلاح النوويّ - والتي تقترب منها طهران - لا تعني حكماً السعي إلى الحصول عليه.

 

عن سياسة بايدن في المستقبل القريب

ليس واضحاً ما إذا كانت الإدارة الحاليّة ستعمل بتوصيات "مجموعة الأزمات الدوليّة" أو أنّ هذه التوصيات قد تكون نوعاً من التمهيد لتقديم المزيد من التنازلات خصوصاً أنّ "المجموعة" مقرّبة من صنّاع القرار (الموفد الخاص للشؤون الإيرانيّة روبرت مالي كان رئيسها لمدى 3 أعوام قبل تقديم استقالته لخدمة بلاده في منصبه الجديد). وذكر موقع "أكسيوس" أنّ الإدارة بدأت توجّه رسائل داخليّة مفادها "أنّنا فشلنا بسبب ترامب". 

 

في جميع الأحوال، انطلق تقرير "المجموعة" من أنّ كلّ البدائل عن إعادة إحياء الاتفاق النووي، أكانت عسكريّة أو سياسيّة (حملة ضغط أقصى 2.0) تحمل مخاطر عدّة. حتى اتفاق نوويّ منقوص أو اتفاق "أقل مقابل أقل" يجب أن يكون مرتبطاً بالتوصل لاحقاً إلى هذا الهدف الأساسيّ لا أن يكون بديلاً عنه وفقاً للتقرير.

 

فهل يعني ذلكأنّ الولايات المتحدة أصبحت مجرّدة من أيّ سلاح سياسيّ واقتصاديّ ما خلا الانتظار الديبلوماسيّ الطويل لتنازلات إيرانيّة قد لا تأتي أبداً؟ وإلى متى بإمكان واشنطن استهلاك المزيد من الجهد والوقت في مقابل تصعيد إيرانيّ يبدأ من استمرار دوران أجهزة الطرد المركزيّ الحديثة وصولاً إلى استهداف الحوثيّين لمطار أبو ظبي؟

 

بصرف النظر عن مدى صحّة فرضيّة أنّ أفضل خطوة لسحب فتيل التوتّر من الشرق الأوسط قد تكمن في إعادة إحياء الاتفاق النوويّ، يبقى أنّه وفقاً للمثل الأميركيّ الشعبيّ، إنّ "وضع جميع البيض في سلّة واحدة" ليس الاستراتيجيّة الأمثل لأقوى دولة في العالم.

 

 

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم