إعلان

إلى أيّ حدّ ستكون إدارة بايدن تدخّليّة؟

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
hgvzds hglkjof [, fhd]k - "H f"
hgvzds hglkjof [, fhd]k - "H f"
A+ A-
"القوى العظمى لا تطلق تهديدات وهميّة". هذا ما نقلته التقارير عن مساعد هيلاري كلينتون السابق ووزير الخارجيّة المرتقب في ولاية بايدن أنطوني بلينكن، حين كانت إدارة أوباما تبحث خيارات الردّ على استخدام السلاح الكيميائيّ في الغوطة سنة 2013. ستكون إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن تدخّليّة. هذا ما يمكن استنتاجه من الأسماء المرشّحة لتولّي المناصب البارزة فيها. كيفيّة تنفيذ هذا التدخّل، ومدى استخدام القوّة العسكريّة لدعمه يبقيان السؤال الأبرز.


الجيش الأميركيّ و"قوّة الخير"
خلال ترشيحه الجنرال المتقاعد لويد أوستن لتولّي وزارة الدفاع، قال بايدن إنّه اتّفق معه على أن يكون التدخّل العسكريّ الحلّ الأخير. ليس في هذا الكلام ما يدلّ إلى نظرة جديدة لصياغة السياسة الخارجيّة الأميركيّة. جميع الإدارات الأميركيّة، بل جميع الحكومات تعلن أنّ اللجوء إلى الجيش يأتي بعد استنزاف كلّ الحلول الديبلوماسيّة الأخرى. أراد بايدن طمأنة الأميركيّين والكونغرس إلى ممارسة إدارته ضبط النفس كي يضمن خصوصاً حصول أوستن على المصادقة في مجلس الشيوخ.

وزير الدفاع هو واحد من أبرز صنّاع القرار في السياسة الخارجيّة. لكنّ أوستن لا يقدّم الكثير من الأفكار في هذا المجال. فهو قليل الكلام وعادة ما كان يكتفي بالتحدّث بناء على الملاحظات المدوّنة سابقاً. تقاعد أوستن قبل أربع سنوات فقط. توجب القوانين الأميركيّة مضيّ سبعة أعوام على تقاعد الجنرالات كي يستطيعوا الخدمة كوزراء دفاع. ومنطق المشرّعين الأميركيّين هو أنّ المنصب للمدنيّين من أجل حماية البنتاغون من محاباة العسكريّين لبعضهم خلال الخدمة. بإمكان مجلس الشيوخ منح استثناءات خاصّة من هذا القانون، بشرط أن تكون الاستثناءات متباعدة زمنيّاً من أجل ألّا تصبح نمطاً. المرّة الأخيرة التي منح فيها المجلس هذا الإعفاء كانت قبل أربع سنوات لصالح الجنرال جايمس ماتيس. اليوم، تسود الضبابيّة موقف أعضاء مجلس الشيوخ تجاه إمكانيّة منح الإعفاء مرّة أخرى.

كانت لماتيس مواقف سياسيّة على المستوى الخارجيّ، بعكس أوستن. باستثناء أنّه كان مع الإبقاء على حوالي 20 ألف جنديّ في العراق حين كانت إدارة أوباما تريد الانسحاب من هناك، لا يبدو أنّ لأوستن مواقف سياسيّة بارزة أخرى على المستوى الدوليّ. يتّفق في هذه الرؤية مع بايدن الذي يقف ضدّ الانسحاب السريع في أفغانستان وسوريا. حتى في العراق، يرى البعض أنّ قرار سحب القوّات الأميركيّة بشكل كامل اتّخذه أوباما بشكل نهائيّ ولم يتبقّ لبايدن الكثير من النفوذ.
يقول مسؤول أميركيّ سابق في إدارة أوباما إنّ بايدن ينظر إلى الجيش الأميركيّ كقوّة خير في العالم، ولهذا السبب دعم التدخّل العسكريّ في البلقان والعراق. لكنّ المسؤول أضاف أنّه لا يعرف ما إذا كان بايدن قد طوّر موقفه فكريّاً من هذه المسألة أم أنّه بات أكثر التباساً. لكنّ هذا الالتباس يتناقص مع تفحّص الشخصيّات الأخرى التي اختارها بايدن. صحيح أنّ كثراً خدموا في إدارة أوباما، لكنّ ذلك لا يعني أنّهم وافقوه في جميع سياساته.


لا غنى عن قيادة واشنطن العالم
أوباما نفسه، وبعكس بايدن ومستشاريه، هو من خارج "المؤسّسة". بذلك، يتشارك أوباما هذه الميزة مع نقيضه دونالد ترامب. وعلى الرغم من هذه المفارقة والاختلافات الكثيرة بينهما، يبقى أنّ لترامب وأوباما جذر التشكيك نفسه في التدخّلات العسكريّة الخارجيّة. لم يكن هذا التوجّه الموقف الدائم لأوباما. تدخّله العسكريّ في ليبيا أحد الأمثلة. لكنّ ذلك التدخّل بقي متردّداً، واستند إلى سياسة "القيادة من الخلف". بنيت السياسة الليبيّة في عهد أوباما على أفكار 
السفيرة الأميركيّة السابقة إلى الأمم المتّحدة سوزان رايس والتي أصبحت في الولاية الثانية مستشارة للأمن القوميّ.
 
دعمت رايس التدخّل العسكريّ في ليبيا، لكنّ هجوم "أنصار الشريعة" على مقرّين ديبلوماسيّين للولايات المتّحدة سنة 2012 طبع مسيرتها السياسيّة بشكل سلبيّ. كان ذلك على الأرجح ما دفع بايدن إلى عدم ترشيحها إلى وزارة الخارجيّة لأنّها ستلاقي رفضاً من مجلس الشيوخ. ومع ذلك، فقد عيّنها في منصب رئيسة مجلس السياسة الداخليّة في البيت الأبيض. وتولّى وزارة الخارجيّة مساعد كلينتون السابق أنطوني بلينكن.
 
يقترن اسم بلينكن تلقائيّاً باسم جايك سوليفان، مستشار بايدن لشؤون الأمن القوميّ. خدم كلا الرجلين في ولاية أوباما وينتميان للمدرسة الفكريّة نفسها التي تؤمن بالنظام الدوليّ المبنيّ على قواعد ما بعد الحرب العالميّة الثانية من بينها الليبيراليّة وحماية حقوق الإنسان. يؤمن بلينكن بأن لا غنى عن القيادة الأميركيّة للعالم لأنّ من سيملأ الفراغ قوى مناوئة لمصالح واشنطن. ومع تشديده على ضرورة صياغة التحالفات لحماية النظام الدوليّ وعلى ضرورة التمتّع بـ "عقل بارد" في صياغة السياسة الخارجيّة، آمن بلينكن أيضاً بأهمّيّة استخدام "القوّة المقيّدة بحذر شديد" "في بعض الأوقات".
 
ووصف استخدام القوّة الخاصّة في سوريا بأنّها "ذكيّة، قويّة، مستدامة، فعّالة". يحتفظ سوليفان برأي مشابه إذ قال الصيف الماضي إنّ عدم احتفاظ واشنطن ببصمة عسكريّة في ليبيا وسوريا أعطى انطباعاً لدى مختلف القوى بأنّ الولايات المتّحدة غائبة.


"المثاليّة الواقعيّة" و"مخاوفها"
على الرغم من أنّ الرجلين يؤمنان يتفوّق الديبلوماسيّة على ما عداها من العناصر لحلّ المشاكل في السياسة الخارجيّة، يتخوّف "التقدّميّون الواقعيّون" من جرّهما الولايات المتّحدة إلى حروب خارجيّة. تحت عنوان "فريق أوباما للسياسة الخارجيّة مليء بالمثاليّين الذين يواصلون التسبّب بمقتل الناس"، لم يبدِ الكاتب السياسيّ في صحيفة "واشنطن بوست" روبرت رايت تفاؤلاً بتوصيف المسؤولين بأنّهما "مثاليّان واقعيّان". فهما دعما التدخّل في سوريا عبر الوكلاء والتدخل في ليبيا وفي أوكرانيا. وانتقد الكاتب أيضاً إصرار سوليفان على مضاعفة العقوبات ضدّ فنزويلا كاتباً أنّ "المثاليّ" يؤيّد سياسات ترهق الشعوب على أمل تحريرها. ويضيف أنّ الواقعيّة غير المثاليّة تتجنّب تقسيم العالم إلى معسكرين وهو ما لا يفعله بلينكن حين يرى أنّ الصراع هو بين الحكومات "التكنو-ديموقراطيّة" و"التكنو-تسلّطيّة" (الصين)، وهذا يعيد العالم إلى أجواء الحرب الباردة التي تمنع التواصل حول مسائل مهمّة مثل الأمن الدوليّ والتغيّر المناخيّ. وأضاف أنّ "المثاليّين الواقعيّين" يشتركون مع "المحافظين الجدد" بالإيمان بتغيير النظام لفرض القيم الأميركيّة.

يمكن تلمّس بعض المبالغة في تحليل رايت عن المثاليّة الواقعيّة لدى فريق بايدن. على سبيل المثال، انتقد سوليفان ترامب لاغتياله قاسم سليماني قائلاً إنّ "إمكانيّة وأخلاقيّة" التحرّك العسكريّ لا تجعلانه "أمراً ذكيّاً". قد لا ينتمي الرجلان إلى "الواقعيّة التقدّميّة" التي روّج لها رايت، لكنّ ذلك لا يحتّم توقّع نشرهما الفوضى بالصورة المتطرّفة التي اقترحها ولا تقسيم العالم بين محورين. فسوليفان انتقد موقف الإدارة السابقة بوضع روسيا والصين ضمن إطار الدول التنقيحيّة لأنّ ذلك سيقرّبهما من بعضهما وفقاً لرأيه.

من جهة ثانية، لم تعد التطوّرات الميدانيّة في كلّ من سوريا وأوكرانيا وليبيا ملائمة للتدخّل العسكريّ كما كانت سابقاً، إضافة إلى أنّ خيارات الحروب المفتوحة وتغيير الأنظمة بالقوّة لم تعد عمليّة ولا شعبيّة. لكنّ أفكار بلينكن تتركه في منزلة وسطى بين الحروب الخارجيّة لنشر الديموقراطيّة كما صوّرها رايت، وبين "التقدّميّة الواقعيّة" التي تكاد تستبعد جميع خيارات الحرب باستثناء الردّ على الاعتداء المباشر الذي يطال الولايات المتّحدة. فهو لا يزال يؤمن بإمكانيّة تنفيذ "الديبلوماسيّة عبر الردع" وبأنّ "القوّة يمكن أن تكون مساعِداً ضروريّاً للديبلوماسيّة".
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم