ترامب أم بايدن... من يحسم الصراع حول أصوات الأميركيّين السود؟

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
المرشحان إلى الرئاسة الأميركية دونالد ترامب وجو بايدن - "أ ب"
المرشحان إلى الرئاسة الأميركية دونالد ترامب وجو بايدن - "أ ب"
A+ A-
منذ يومين، وفي إعلان فاجأ كثيرين، أعلن مغني الراب والممثّل الأميركيّ الشهير المعروف باسم "آيس كيوب" أنّه يعمل مع حملة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب من أجل تحسين معيشة السود في الولايات المتّحدة. جاء الخبر صادماً بالنسبة إلى جزء واسع من المجتمع الأميركيّ-الأفريقيّ. أحد أسباب ذلك أنّ المغنّي قال سنة 2016 إنّه لن يدعم ترامب "أبداً" موجّهاً إليه شتيمة في الوقت نفسه. وفي 2018 وصفه في إحدى أغنياته بأنّه "مخبر روسيّ". لكنّ السبب الآخر يتعلّق بإمكانيّة أن تكون حملة ترامب قد وجّهت ضربة كبيرة للديموقراطيّين في إحدى أهمّ الفئات الناخبة داخل البلاد.

بين الشعارات والأهداف
قد لا يشكّل الأميركيّون-الأفارقة نسبة كبيرة من الناخبين الأميركيين. عند مستوى 13% من إجمالي الناخبين، يبدو الرقم ثانويَّ التأثير. لكن بالنسبة إلى سباق محتدم خصوصاً على مستوى الولايات المتأرجحة، يصبح هذا الرقم، كما أرقام الأقلّيات الأخرى، محدِّداً أساسيّاً لوجهة الاستحقاق.
وعندما تضاف إلى ذلك الاضطرابات التي شهدتها الولايات المتّحدة عقب مقتل أميركيين-أفارقة على يد عناصر من الشرطة، تكاد كلّ الحملة الانتخابيّة تتمحور حول التوتّر العرقيّ، لولا تفشّي جائحة "كورونا". لهذا السبب، لا تألو الحملتان جهداً في سبيل كسب أصوات المجتمع الأسود: يرفع الديموقراطيّ جو بايدن شعار إصلاح الشرطة والقضاء على "العنصريّة النظاميّة" لحماية السود، في مقابل تذكير دونالد ترامب هذا المجتمع بأدائه الاقتصاديّ الذي خفّض نسبة البطالة لديه إلى مستويات قياسيّة.

في الصورة العامّة، تنتمي الغالبيّة الساحقة من السود إلى الحزب الديموقراطيّ. لكنّ التفاصيل الصغيرة مهمّة لكلا الحزبين. سنة 2016، حظيت هيلاري كلينتون بتصويت 88% من المجتمع الأميركيّ-الأفريقيّ، مقابل 8% لترامب. من هنا، تعمل حملة الأخير على جذب بضع نقاط مئويّة من هذه الكتلة صوب الجمهوريّين، أو على الأقلّ، دفعها إلى التصويت للمرشّح الثالث، مغني الهيب هوب كاني ويست. وكان باراك أوباما قد حصد سنة 2012 نسبة 93% من أصوات السود مقابل 6% للمرشّح الجمهوريّ ميت رومني.
لم تخسر كلينتون منذ أربع سنوات 5% من أصوات هذه الفئة وحسب، بل خسرت نسبة إقبال كبيرة، إذ كانت الأخيرة هي الأدنى منذ 16 عاماً. بالتالي، يهتمّ الديموقراطيّون برفع نسبة الاقتراع لدى الناخبين الأمريكيّين من أصل أفريقيّ لأنّ هذا الارتفاع يصبّ في مصلحة مرشّحهم. لكن ثمّة أكثر من إشكاليّة مع بايدن.

الديموغرافيا المتأرجحة داخل المجتمع الأسود
قبل مقتل المواطن جورج فلويد على يد الشرطة، ارتكب بايدن خطأ حين قال لإعلاميّ بارز من المجتمع الأسود في أيّار: "إنْ كانت لديك مشكلة في معرفة ما إذا كنت معي أو مع ترامب، فإذاً أنت لست أسود". اعتُبر هذا الكلام إساءة له ولمجتمعه على قاعدة أنّه يضع التصويت الأسود لصالح الديموقراطيّين وكأنّه أمر مسلّم به، إضافة إلى أنّه يحدّد انتماء الإعلاميّ العرقيّ وفقاً لتصنيفه السياسيّ. عاد بايدن وقدّم اعتذاراً عن الموضوع.

في ذلك الوقت، كانت استطلاعات الرأي تضع تأييد السود للمرشّح الديموقراطيّ عند حدود 81% فقط. لم تتغيّر هذه الصورة كثيراً أواسط تمّوز، أي بعد انطلاق الاحتجاجات على مقتل فلويد فحافظ على نسبة تأييد 80% في استطلاع رأي مشترك لـ"أن بي سي"/"وول ستريت جورنال".

في مقابلة حديثة مع جو بايدن عبر شبكة "أي بي سي" توجّه أحد الطلّاب السود إلى المرشّح الديموقراطيّ بالقول: "يعتقد العديد من الناس أنّ الديموغرافيا المتأرجحة الحقيقيّة ستكون الناخبين السود تحت سنّ الثلاثين. ليس لأنّهم سيصوّتون لترامب، لكن لأنهم لن يصوّتوا على الإطلاق. أنا بنفسي واجهت بالضبط هذا النزاع (الداخليّ) نفسه. لذلك، سؤالي لك عندها هو، إلى جانب أنّك لست أسود، ما الذي تريد قوله إلى الناخبين السود الشبّان الذين ينظرون إلى التصويت لك على أنّه مشاركة إضافيّة في نظام يواصل الإخفاق في حمايتهم؟"

الخوف الديموقراطيّ
حمل السؤال المذكور شقّين: الأوّل هو أنّ قسماً من السود قد لا يصوّت لبايدن فقط لأنّه ليس ترامب. والثاني، الإشارة إلى احتمال عدم مشاركة جزء من هذه الفئة في الانتخابات، وهو ما يعني إخفاقاً، ولو غير مؤكّد بعد، في تعبئة الشبّان السود. ليس هذا ما يخيف الديموقراطيّين وحسب. هنالك مؤشّرات في الواقع إلى أنّ هذه الفئة قد تنتخب ترامب. خلال حديث إلى صحيفة "واشنطن بوست"، يقول المسؤول البارز في شركة "أتش آي تي استراتيجيز" للاستشارات الانتخابيّة تيرانس وودبوري إنّ خطابات الجمهوريّين تحظى بقبول لدى بعض الرجال السود وخصوصاً لدى الفئات الشابّة.

وفقاً لبيانات الشركة التي يعدّ الحزب الديموقراطيّ أحد زبائنها، إنّ الرجال السود "ليسوا واثقين من أنّ الديموقراطيّين يستطيعون وسيحسّنون العلاقات العرقيّة. ويعتقدون أيضاً أنّ الديموقراطيّين يتعاملون مع أصواتهم على أنّها مضمونة". من جهته، يخشى المؤسّس الشريك لجمعيّة "كولّيكتيف پاك" التي تدعم المرشّحين السود التقدّميّين كونتين جايمس من احتمال أن يصوّت ما بين 12 إلى 17% من الرجال السود لصالح ترامب.

علماً أنّ تصويت الرجال السود لصالح ترامب كان أعلى من تصويت النساء السوداوات له. في 2016، حظي ترامب بأصوات 14% من الرجال السود، وهذا يعني، إن صحّ توقّع جايمس كمعدّل وسطيّ على الأقلّ، لا يزال ترامب يحظى بالنسبة نفسها التي صوّتت له سنة 2016، على الرغم من الاضطرابات العرقيّة ومن أنّه أكثر رئيس في الولايات المتّحدة ألصِقت به تهم العنصريّة وفقاً للصحيفة عينها.

بايدن "يحسد" أوباما؟
بحسب استطلاعات رأي أجراها مركز "غالوب" بين أواخر تمّوز وأواسط أيلول، يتمتّع ترامب بحوالي 11% من تأييد الناخبين السود. وهو لا يزال أعلى من الرقم الذي حصده سنة 2016 بـ3%. ويقول المركز إنّ انخفاض نسبة الإقبال بـ7% لدى الناخبين السود بين 2012 و 2016، تسبّب بالضرر لكلينتون في ولايات ويسكونسن وميشيغان وبنسيلفانيا الأمر الذي كلّفها الرئاسة. وهذه السنة، هنالك ولايتان ذات كثافة سكانية أعلى من الأميركيّين الأفارقة تُعتبران متأرجحتين: جورجيا (32% من الناخبين السود) ونورث كارولاينا (22%) وهذا يعني أنّ نسبة التصويت لدى هذه الفئة ستكون عاملاً أساسيّاً في تحديد الانتخابات.

وأعلن المركز الشهر الماضي أن لا شيء يظهر نجاح حملة ترامب في جذب المزيد من السود إلى صفوفها خصوصاً في هاتين الولايتين. لكن بالمقابل، تبدو المؤشّرات ضعيفة إلى قدرة بايدن على رفع نسبة الاقتراع لدى السود إلى ما كانت عليه في 2008 و 2012 على قاعدة أنّه كان نائب أوباما صاحب الشعبيّة الأعلى في هذه الفئة. على العكس من ذلك، تبدو نسبة تأييد بايدن لدى هذه الفئة أقرب إلى ما تمتّعت به كلينتون.

خلاصة أوّليّة
وفقاً لهذه الأرقام، يجد ترامب نفسه في وضع مقبول نسبيّاً في مواجهة بايدن. يشير معدّل استطلاعات الرأي إلى أنّ المرشّح الديموقراطيّ يتفوّق على منافسه الجمهوريّ بـ2.7% في نورث كارولاينا فقط. أمّا في جورجيا فنسبة التقدّم الوسطيّ لبايدن هي اليوم 1.2%. وفاز ترامب في هاتين الولايتين سنة 2016، علماً أنّ استطلاعات الرأي حينها كانت أيضاً ترشّح كلينتون للفوز بنورث كارولاينا بـ3%.

لا يزال هنالك متّسع من الوقت أمام بايدن لحشد المجتمع الأميركيّ-الأفريقيّ للانتخابات أو كي يساهم ترامب بالمزيد من "تسرّب" الأصوات من ذاك المجتمع باتّجاه تأييده. ليس واضحاً ما إذا كانت قضيّة "آيس كيوب" ستقدّم دفعاً لترامب علماً أنّ المغنّي أوضح لشبكة "سي أن أن" أنّه يعمل مع حملة ترامب لا لأنّه يؤيّدها بل لأنّها طلبت منه التقدّم بأفكاره، بينما تواصلت معه حملة بايدن وقالت له إنّ أفكاره ستكون على طاولة البحث بعد الانتخابات. أيّاً يكن منحى الأمور، يبدو أنّ الجهد الأكبر الذي يجب بذله خلال الأيّام الثمانية عشرة المقبلة يقع أوّلاً على كاهل بايدن.

الكلمات الدالة