إعلان

عن "خطورة" أميركا

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
جنود أميركيون يستعدون للتدريبات في مقدونيا - "أ ف ب"
جنود أميركيون يستعدون للتدريبات في مقدونيا - "أ ف ب"
A+ A-

ثمّة تصوّر عام بأنّ الولايات المتحدة باتت أضعف بكثير مما كانت عليه قبل عشرين عاماً على الأقل. الانسحاب الفوضويّ من أفغانستان عزّز هذا التصور. لا شكّ بأن الصين وروسيا أدخلتا مشاهد الفوضى التي سادت مطار كابول في حساباتهما الخاصّة لقياس تضاؤل القوّة الأميركيّة. فأوكرانيا وتايوان على جدولي أعمالهما وتحريك هذين الملفين عسكرياً يتطلب قياساً دقيقاً لمدى الاندفاع الأميركي المحتمل من أجل منع تغيير الوضع القائم.

 

"لا تزال دولة خطيرة"

يُفترض بأميركا المتراجعة دولياً ألا تطلق حروباً تستنزف المزيد من طاقاتها البشرية والمالية. أو هذا ما يوحي به الواقع للوهلة الأولى. لا يوافق الجميع على هذا الإيحاء. قبل أسبوع، عنون إدوارد لوس مقالته في صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانيّة بأنّ "أميركا لا تزال دولة خطيرة". فعلى رغم تراجعها الحالي على المستوى الدولي، يذكّر الكاتب بعدد من الحوادث التاريخيّة التي أدّت إلى إطلاق واشنطن الحروب مع أنّها بدت غير راغبة بها. سنة 1950، أساءت كوريا الشمالية تقدير إلغاء وزير الخارجية الأميركي دين آتشيسون حذف كوريا الجنوبية من "المحيط الدفاعي" الأميركيّ في آسيا. وسنة 1990، قالت السفيرة الأميركية في العراق أيبرل غلاسبي إنْ ليس لبلادها رأي في "النزاعات العربية - العربية". وفي 1999، راهن سلوبودان ميلوسيفيتش على أنّ وحدة "الناتو" ستنهار بعد أيام قليلة من الغارات الجوية على بلاده. في جميع تلك الحالات، تدخّلت الولايات المتحدة عسكرياً للدفاع عن مصالحها أو مصالح حلفائها، ونجحت في ذلك.

 

لماذا التجرّؤ على الحروب؟

في هذه الأمثلة ما يستحقّ التوقف عنده. لجهة الدفاع عن كوريا الجنوبية منتصف القرن الماضي، كانت الولايات المتحدة قد خرجت منتصرة من الحرب العالمية الثانية على قوّتين كبيرتين: ألمانيا النازية واليابان الإمبراطورية. علاوة على ذلك، كان موقفها شبه مثالي: خصومها الذين كانوا يرومون المحافظة على نفوذهم الدولي، أي الفرنسيّون والبريطانيّون، خرجوا مدمّرين. وعلى رغم أنّ موسكو انتصرت أيضاً في تلك الحرب ووسّعت دائرة نفوذها، كانت واشنطن تحتكر امتلاك الأسلحة النووية حتى سنة 1949 وتفوّقت بعدها من حيث حجم تكديس تلك الأسلحة في ترسانتها. وكانت واشنطن متفوّقة اقتصادياً أيضاً، بحيث خرجت الأقل تضرراً من الحرب العالمية والأقوى لجهة حجم الناتج القومي. بذلك، امتلكت الولايات المتحدة أسبقية واضحة على أقرب منافسيها، من حيث تمتّعها بعناصر القوة المادية الأساسية. هذا ما مكّنها من التدخل العسكري إلى جانب كوريا الجنوبية. مع ذلك، هي لم تسعَ إلى تحرير كامل شبه الجزيرة الكورية.

 

الحربان في العراق وكوسوفو اندلعتا في ظروف مشابهة بل حتى أكثر ملاءمة للولايات المتحدة. كان الاتحاد السوفياتي قد انهار، مولّداً لحظة الأحادية القطبية تحت القيادة الأميركية. وكما هي الحال في الحرب الكورية، كذلك كان الأمر مع حرب تحرير الكويت التي قادها الرئيس الأسبق جورج بوش الأب. فبعدما تحرّرت الكويت، لم تلجأ واشنطن إلى إطاحة نظام صدام حسين. حتى في ذروة القوة الأميركيّة، كانت هنالك حساسية من التمدّد العسكري الزائد، حساسية سرعان ما تبدّدت مع بداية الألفية الحالية بصرف النظر عن أسبابها.

 

يصعب اليوم تقدير وجود ثقة بالنفس شبيهة بتلك التي تمتّع بها الأميركيّون في مرحلتي ما بعد الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة. في تايوان أو في أوكرانيا، ستصطدم الولايات المتحدة بدولتين مسلّحتين نووياً للدفاع عن قضيّتين يراها أميركيّون كثر أنّها لا ترتبط مباشرة على الأقلّ بالمصلحة القومية الأميركية. إضافة إلى ذلك، أجرى "معهد رونالد ريغان" استطلاع رأي وجد أنّ ثقة الأميركيّين بجيشهم تراجعت بمقدار 25% خلال ثلاثة أعوام، حيث قال فقط 45% إنّهم يتمتّعون بـ"مقدار عظيم من الثقة" بالجيش.

 كذلك، طالب 42% من المستطلعين بلادهم بأن تكون "أكثر انخراطاً وأن تأخذ زمام المبادرة" على المستوى الدوليّ، وهي نسبة أدنى بـ9% مما أظهره الاستطلاع نفسه في فبراير (شباط). هذا ما دفع البعض إلى الاعتقاد أنّ الشعب الأميركي غير راغب بـ"المغامرات الخارجيّة".

 

"الحكمة" في القرارات وتأثير الرّأي العام

ما أراد إدوارد لوس تبيانه في مقالته أنّه حتى لو كانت واشنطن في حالة تراجع، من غير الضروريّ أن يؤدّي ذلك حكماً إلى اتّخاذ قرارات "حكيمة" في ردّها على أيّ تحرك عسكري. حتى أنه يشير إلى سمة التقلّب في المزاج الأميركيّ الذي يمكن أن يؤيّد فجأة التدخّل العسكري. ولو شعر بايدن بهذا التوجّه الجديد فسيصبح أكثر ميلاً للتدخل العسكري الخارجي بحسب رأيه. في هذه النقطة أيضاً مؤشّرات مهمّة. بحسب استطلاع رأي أجراه "مجلس شيكاغو للشؤون العالميّة" في يوليو (تموز) الماضي، كانت نسبتا تأييد ومعارضة الانخراط العسكريّ الأميركيّ في أوكرانيا متقاربتين: 50% و48% على التوالي.

 

مع ذلك، تجدر الإشارة إلى أنّ نسبة الدعم تعاظمت منذ 2014 حين أيّد 30% فقط التدخّل العسكري. اللافت أيضاً أنّ المستطلعين أيّدوا بنسبة أقلّ بيع الأسلحة إلى أوكرانيا، لأن ثمة توجهاً أميركياً عاماً لدى هؤلاء أشارت إليه استطلاعات سابقة، مفاده أنّ بيع الأسلحة جعل الولايات المتحدة أقل أماناً. ووجد المجلس أيضاً أنّ 52% من الأميركيّين أيّدوا إرسال قوّاتهم للدفاع عن تايوان إذا تحرّكت الصين عسكرياً لإعادة ضمّ الجزيرة بالقوّة. صحيح أنّ كلا الاستطلاعين أجري قبل مشاهد الهزيمة في أفغانستان. لكنّ الصحيح أيضاً أن ارتفاع تأييد التدخل العسكري في كلتا المنطقتين كان ثابتاً على مدى السنوات الماضية.

 

ليس التأييد الشعبي الأميركي للحروب الخارجية المعيار الوحيد لقياس رغبة واشنطن بالتدخّل العسكري في الخارج، أو لقياس "خطورة" أميركا بحسب تعبير لوس أو حتى الباحث البارز في "بروكينغز" روبرت كايغان الذي استشهد به. فقد يتوفر هذا العامل لحظة الاجتياح المحتمل، لكنّ بايدن الذي يتفادى التصعيد العسكري حتى حين تتعرّض قواعده الخاصّة في العراق وسوريا لهجمات وكلاء إيران قد يجد أكثر من سبب لمنع الانزلاق إلى حروب أكثر خطورة.

 

وفقاً للوضعين الأميركي والدولي، يمكن القول إنّ الولايات المتّحدة لم تعد "خطيرة" كما كانت في السابق لجهة الحماسة في إرسال جنودها إلى جبهات القتال البعيدة. وعلى أبواب الانتخابات النصفية، يبدو وضع حزب بايدن السياسي الداخلي أكثر هشاشة من تحمّل تبعات التدخلات العسكرية المستعجلة وغير الواضحة الأفق. طبعاً، لا تزال الولايات المتحدة الدولة الأقوى سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، لذلك لا يمكن إسقاط التدخّل الأميركي الخارجي دفاعاً عن أوكرانيا أو تايوان بشكل مطلق. لكن من شبه المؤكد أن الشهية الحالية على "المخاطرة" هي في حدّها الأدنى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم