إعلان

مايك بنس... مستقبلُ الحزب الجمهوريّ؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
نائب الرئيس مايك بنس يقف خلف الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب في البيت الأبيض، أيلول 2020 - "أ ب"
نائب الرئيس مايك بنس يقف خلف الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب في البيت الأبيض، أيلول 2020 - "أ ب"
A+ A-
قد يكون من السابق لأوانه توقّع انتهاء مسيرة ترامب السياسية. لكن بحسب الوقائع الأخيرة، باتت احتمالات تحقّق هذه الفرضيّة أكبر. قبل الاعتداء على مبنى الكابيتول في السادس من كانون الثاني، أمكن اعتبار خسارتة ترامب الانتخابات الرئاسيّة مجرّد انتكاسة صغيرة تسبّبت بها جائحة عالميّة. بعد اقتحام الكونغرس، تغيّرت القراءة إلى حدّ بعيد. يريد ديموقراطيّو الكونغرس محاسبة الرئيس بسبب "تحريضه" مناصريه على "محاولة الانقلاب". يقف بنس اليوم كحاجز أخير أمام هذه المحاولة. هو نفسه كان العقبة الأخيرة أمام محاولات ترامب قلب النتيجة في الكونغرس.


"طفح كيله من ترّهاته"
كثيرة هي التقارير التي تتحدّث عن خلافات بين الرئيس المنتهية ولايته ونائبه بسبب عدم اعتراضه على أصوات الناخبين الكبار التي حسمت الرئاسة لصالح جو بايدن. لا مفاجأة في الموضوع. فقد وصف ترامب نائبه بأنّه "يفتقر إلى الشجاعة" لمواجهة "التزوير". وبعكس ترامب، سيحضر بنس حفل تنصيب بايدن في 20 كانون الثاني.

نقلت مجلّة "بوليتيكو" عن مستشار سابق لبنس قوله إنّه "طفح كيله من ترّهات ترامب". وذكرت المجلّة أنّ الرجلين أجريا محادثات يوم الاثنين في البيت الأبيض عن الأحداث الأخيرة. ليس واضحاً ما إذا كان ترامب قد اعتذر من بنس بسبب تعبيره القاسي، لكنّ أحد مستشاري بنس السابقين قالوا إنّ ترامب "يدين حتماً بالاعتذار لنائب الرئيس، ليس فقط بسبب تعريض حياته للخطر (حين كان في الكابيتول)، لكن لمحاولته خداع الناس عبر جعلهم يعتقدون بأنّ (بنس) قادر على فعل أكثر" من أجل تغيير نتائج الانتخابات. وهتف مناصرون لترامب خلال الاعتداء على الكابيتول "اشنقوا مايك بنس".

ربّما دعا ترامب نائبه للتشاور بسبب طلب الديموقراطيّين من نائب الرئيس اللجوء إلى التعديل الخامس والعشرين من الدستور الأميركيّ والذي يعلن عدم أهليّة الرئيس للحكم. دام اللقاء حوالي ساعة. وُصف اللقاء رسميّاً بأنّه "جيّد" لكن بشكل غير رسميّ بأنّه "غير جوهريّ" ومتكلّف بحسب صحيفة "نيويورك تايمس".

لم يستجب بنس لدعوات الديموقراطيّين فأطلق مجلس النواب مسار محاكمة الرئيس. في رسالته إلى رئيسة مجلس النوّاب نانسي بيلوسي، كتب بنس: "مع بقاء ثمانية أيام فقط في فترة ولاية الرئيس، أنتِ والكتلة الديموقراطيّة تطلبان منّي ومن الحكومة تفعيل التعديل الخامس والعشرين. لا أعتقد أنّ مثل هذا الإجراء يصبّ في مصلحة أمّتنا أو يتماشى مع دستورنا".


"لن يصبح رئيساً أبداً"؟
نقلت "نيويورك تايمس" عن جون يو، أكاديميّ قانونيّ استشارَه مكتب نائب الرئيس، قوله: "كان لدى بنس خيار بين واجبه الدستوريّ ومستقبله السياسيّ، وقد فعل الأمر الصائب. أعتقد أنّه كان رجل الساعة بالعديد من الطرق – بالنسبة إلى الديموقراطيّين والجمهوريّين معاً. لقد قام بواجبه على الرغم من إدراكه، عندما قام به، أنّ ذلك عنى على الأرجح أنّه لن يصبح رئيساً أبداً".

ربّما خسر بنس قاعدة شعبيّة جمهوريّة عريضة بسبب موقفه من فرز الأصوات. لكنّه قد يستعيد جزءاً منها برفضه تفعيل التعديل الخامسة والعشرين من الدستور. علماً أنّ موقفيه في كلتا الحالتين دستوريّ قبل أن يكون شعبيّاً. فالتعديل هدف إلى معالجة قضايا الرؤساء الضعفاء جسديّاً وذهنيّاً ولا يهدف إلى إقصاء الرؤساء غير الكفوئين. وقد أقرّه الكونغرس بعد أربع سنوات على اغتيال جون كينيدي وبعد تساؤلات صحافيّة عمّا كان ليحصل لو نجا الرئيس بحياته لكن مع معاناة ذهنيّة تمنعه من أداء مهامه. وبعيداً من التفسيرات الدستوريّة، يمكن أن يشتمّ بنس رائحة تشفٍّ وانتقام من الديموقراطيّين بسبب سعيهم إلى عزل الرئيس، أكان عبر التعديل الخامس والعشرين أو عبر توجيه الاتّهام.

اللافت أنّ جمهوريّين بارزين آخرين يمكن أن يكونوا مسرورين بالتحرّك الديموقراطيّ مثل رئيس مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل وفقاً لتقرير آخر في صحيفة "نيويورك تايمس" التي أضافت أنّ ماكونيل أخبر مقرّبين منه كيف ارتكب ترامب اعتداءات تستحقّ الإدانة. وقال ماكونيل إنّ توجيه الاتّهام إلى ترامب سيسهّل على الحزب الجمهوريّ التخلّص منه. بالفعل، ربّما يسعى جمهوريّون طامحون إلى استحقاق 2024 للتخلّص من ترامب. ويمكن أن يدين الكونغرس ترامب بعد مغادرته البيت الأبيض من أجل منعه من الترشّح مجدّداً إلى أيّ منصب بما فيه الرئاسة. ومع ذلك، سيحتاج الديموقراطيّون إلى ثلثي أصوات مجلس الشيوخ لتوجيه الإدانة أوّلاً، وقد لا يجمع المعارضون للرئيس هذا العدد، قبل التصويت على منع الترشّح في جلسة عاديّة لاحقة.

في حديث إلى مؤسّسة رأي "ناشونال إنترست" الأميركيّة، يقول الخبير في شؤون نوّاب الرؤساء وأستاذ القانون الفخريّ في جامعة سانت لويس الأميركيّة جويل غولدشتاين إنّ لدى بايدن العديد من العراقيل قبل الترشّح إلى انتخابات 2024. من بين هذه العراقيل العدد الكبير لمؤيّدي ترامب الذين لا يزالون يرون أنّ الانتخابات "سُرقت"، ومنها أيضاً أنّ بنس ترأّس مجموعة العمل لمواجهة "كورونا" حيث لم يكن أداء المجموعة فعالاً.

لكن سبق للباحث البارز في المؤسّسة نفسها كريستشان ويتون أن أشاد في أيّار بعمل بنس في ما خصّ مواجهة الجائحة مشيراً إلى أنّ بداية التعافي الاقتصاديّ يمكن أن تظلّ راسخة في الأذهان حتى عام 2024. حتى شخصيّة بنس الهادئة لن تكون عائقاً أمام ترشّحه إذ قد يكون أسلوب أكثر هدوءاً هو مطلب الجمهوريّين بعد أربعة أعوام، وفقاً لرأيه.

"كابوس"
ثمّة انقسام بين المراقبين على قدرة بنس في الوصول إلى الرئاسة، إذا ترشّح إليها. في نهاية المطاف، هنالك الكثير من المتغيّرات التي لا يمكن معرفتها من اليوم. لكن على الأقلّ، قد يقود بنس الحزب الجمهوريّ إلى مستقبل سياسيّ أفضل خصوصاً بعد خسارته غير المتوقّعة لمجلس الشيوخ في ولاية جورجيا. يقول أحد المقرّبين من نائب الرئيس إنّ هدفه القصير المدى هو مساعدة الجمهوريّين على استعادة الكونغرس في الانتخابات النصفيّة.

يبحث كبار الجمهوريّين عن استعادة المكانة المعنويّة والتاريخيّة للحزب الجمهوريّ. رئيس مجلس النوّاب السابق جون بوهنر كتب في تغريدة الخميس الماضي: "لقد قلت يوماً إنّ حزب (الرئيسين السابقين أبراهام) لينكولن و(رونالد) ريغان، غائب عن السمع آخذاً قيلولة. القيلولة أصبحت كابوساً على أمّتنا. يحتاج الحزب الجمهوريّ إلى الاستيقاظ".

كان بنس هو من نشر الحرس الوطنيّ في الكونغرس لا ترامب. وكان أوّل من أجرى اتّصالاً بعائلة عنصر أمنيّ لقي حتفه خلال مواجهته المقتحمين، مقدّماً تعازيه لها وشاجباً سلوك المعتدين. كذلك، رفض بنس دعوات حرّاسه الأمنيّين لإخراجه من الكونغرس لحظة الاقتحام مفضّلاً مواصلة الإمساك بزمام الجلسة وسط كلّ الفوضى التي سادت. بعد تكشّف المزيد من التفاصيل عن نهار الاعتداء، يمكن أن يتبيّن أكثر دور بنس المفصليّ في إعادة الهدوء إلى الكابيتول وإعادة مياه الديموقراطيّة إلى مجاريها. وعلى الرغم من "غضبه الكبير" على الرئيس وفقاً لما ذكرته شبكة "أن بي سي"، لم يترك بنس انفعالاته تسيطر عليه خلال "الهجوم المضاد" الذي أطلقه الديموقراطيّون ضدّ ترامب.

تظهر هذه المؤشّرات أنّ بنس قد يكون فعلاً المسؤول السياسيّ القادر على التوفيق بين المصالح الحزبيّة والوطنيّة. وربّما ينجح أيضاً في تجنيب حزبه الانقسامات وحفلة تبادل الاتّهامات المتوقّعة عقب الخسائر الانتخابيّة الأخيرة. فهل يكون على قدر توقّعات قسم كبير من الجمهوريّين؟



الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم