إعلان

لماذا يثير مبدأ الحرب الباردة حساسية في أميركا والصين؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
  صورة أرشيفية (2012) - نائبا الرئيسين الأميركي والصيني حينها جو بايدن وشي جينبينغ يناقشان الملفات السياسية المشتركة.أب
صورة أرشيفية (2012) - نائبا الرئيسين الأميركي والصيني حينها جو بايدن وشي جينبينغ يناقشان الملفات السياسية المشتركة.أب
A+ A-

لا تُذكر العلاقات الأميركيّة - الصينيّة إلّا وترافقها عبارة "الحرب الباردة". إن اتّفقت آخر ثلاث إدارات أميركية على نقطة في السياسة الخارجيّة فهي حول موضوع صعود الصين وكيفيّة مواجهة هذا التحدّي. بعد خسارة الرئيس السابق دونالد ترامب انتخابات 2020، كان هنالك توقّع لدى الصينيين بعودة التهدئة إلى العلاقات الثنائيّة لكنّ ذلك لم يحدث. بالرغم من أنّ حدّة اللهجة الأميركية تراجعت في ولاية بايدن، بقي التوتر قائماً. من منشأ فيروس "كورونا" إلى قواعد التجارة الدولية وصولاً إلى تايوان وغيرها من الملفّات، لا تبدو عوامل تبريد التوتّر هي الطاغية على مشهد العلاقات. وهذا ما لا يريح محلّلين كثراً بمن فيهم من عاصروا ودرسوا حقبة الباردة.

 

كسل وخطورة

 الأستاذ الفخريّ في جامعة هارفارد جوزف ناي وصف اعتناق "الحرب الباردة" مع الصين بـ"الكسول والخطير". فالتنافس مع الصين هو "لعبة ثلاثية الأبعاد": في الحرب الباردة، شكّل الاتحاد السوفياتيّ تهديداً آيديولوجياً وعسكرياً مباشراً للولايات المتحدة ولم يكن هنالك روابط اقتصادية أو اجتماعية، لهذا السبب أمكن اعتماد الاحتواء بحسب ناي. لكن في ما يتعلّق بالعلاقات الصينية - الأميركية وبالعلاقات الدولية ككلّ ثمة ترابط اقتصاديّ كبير. كان لواشنطن ما يفوق 500 مليار دولار من التجارة مع بكين 2020.

 

والنسيجان الاجتماعيان في كلتا الدولتين متشابكان بشدّة أيضاً. كذلك، هنالك القضايا العابرة للأوطان، مثل التغيّر المناخيّ والصحة، والتي ليس بإمكان دولة واحدة حلّها بمفردها. ناي الذي وضع أسس الاعتماد المتبادل والنيوليبيرالية العالمية في سبعينات القرن الماضي يشير أيضاً إلى أنّ الصين لا تهتمّ بنشر عقيدتها كما كانت الحال مع الاتحاد السوفياتي.

 

روابط أعمق ممّا يظنّ البعض

بالفعل، إنّ ميادين الترابط الأميركيّ - الصينيّ واسعة جداً. وصل فائض التجارة الصينية مع الولايات المتحدة إلى 320 مليار دولار في الأشهر العشرة الأولى من السنة الحالية. وكانت الصين الشريك التجاريّ الأوّل للولايات المتحدة في 2020، حيث بلغت الصادرات الصينية إليها أكثر من 435 مليار دولار. واحتلّت بكين مكانة واشنطن كأكبر شريك تجاريّ للاتحاد الأوروبي في 2020 أيضاً. (709 مليار دولار مقابل 671 مليار دولار). وهذا ما يجعل قيام اصطفافات ثنائيّة كما كانت عليه الحرب الباردة أصعب. وهذا ما ينطبق أيضاً على فك الارتباط الاقتصاديّ بين الجبّارين.

 

ما ينطبق على العلاقات الاقتصاديّة يهيمن أيضاً على التداخل الاجتماعيّ بين الولايات المتحدة والصين، على رغم أنّ فكّ الارتباط الاجتماعيّ يمكن أن يكون أسهل من ذاك الاقتصاديّ. يعيش في الولايات المتحدة حوالي 5 ملايين صيني من أصل أميركيّ ومعظمهم (3 ملايين تقريباً) وُلدوا على الأراضي الأميركيّة. وقبل الجائحة، كان هنالك تقريباً 400 ألف طالب في الجامعات الأميركيّة. شكّل هؤلاء إلى حدّ ما جسراً بين البلدين. ويذهب البعض أبعد من ذلك ليصف الصينيّين المنتشرين حول العالم بـ"سفراء النوايا الحسنة" القادرين على ربط الصين بالعالم الخارجيّ والعكس، حيث يستطيع هؤلاء تخفيف التوتّر بين بكين والغربيّين. بالمقابل، يبدو عدد الأميركيّين الذين يعيشون في الصين أقلّ بكثير، وبالكاد قد يتخطّى 100 ألف مواطن.

 

"القلق" و"الدراما"

في الواقع، وعلى رغم كلّ مظاهر القوّة البادية والتي تبديها الصين، تبقى الأخيرة غير راغبة في دخول "حرب باردة" جديدة. أكثر من ذلك، هي "قلقة" من استخدام هذا التعبير لما ينطوي عليه من مخاطر على طموحاتها الدولية، بحسب الأستاذ المتميز وعميد معهد العلاقات الدولية في جامعة تسينغهوا الصينية يان شويتونغ. وكتب في مجلة "فورين أفيرز" أنّ القادة الصينيين يرون في التوسّع الآيديولوجي على النمط السوفياتيّ احتمالاً في أن يثير ارتدادات سلبيّة قد تعرقل نموّ الصين الاقتصاديّ. والأهمّ من ذلك هو أنّ الصينيّين أنفسهم لا يتوقّعون أن تصبح شعبيّة عقيدتهم على المستوى نفسه من الانتشار الذي تحظى به العقيدة الليبيرالية الغربيّة بحسب شويتونغ. لهذا السبب، يصرّ قادة الصين على أنّ بلادهم دولة نامية "بخصائص صينيّة" وهي جملة تتضمّن أنّه لا يمكن ببساطة تصدير نظام الصين السياسيّ ونموذج حكمها إلى الخارج.

 

أفكار أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ماكالستر الأميركية أندرو لاثام قريبة من تحليلي ناي وشويتونغ. بحسب رأيه، الولايات المتحدة والصين غير منخرطتين في نزاع آيديولوجي ثنائيّ الأقطاب لكسب عقول وأذهان شعوب تخرج من حالة الاستعمار – أي المرحلة التي كانت سائدة في مرحلة ما بعد الحرب العالميّة الثانية والتي أفرزت مفهوم "الحرب الباردة". وإضافة إلى الاقتصاد المعولم اليوم الذي يصعّب تفكّك العالم إلى تكتّلين منفصلين، يشير لاثام إلى أنّ الصين ليست قوة مسيانية مدفوعة بالعقيدة.

 

يرى لاثام في تعبير "الحرب الباردة" اختزالاً حتى بالنسبة إلى فترة الصراع الأميركيّ - السوفياتيّ. مع ذلك، يكمن الخطر الأساسيّ على حدّ تعبيره في تطبيق أدوات استراتيجيّة تنتمي إلى عالم الأمس على عالم اليوم مع جميع الاختلافات بينهما.

 

ودعا مراقبون صينيّون آخرون إلى التخلّي عن "دراما" الحرب الباردة مشيرين مرّة أخرى إلى أنّ الاقتصاد المعولم والتبادل التجاريّ المتزايد بين واشنطن وبكين خصوصاً يصعّب القبول بهذه الفكرة. فحتى في سنة "كوفيد-19" نمت التجارة بين الدولتين بحدود 8.8% عن سنة 2019.

 

هل يكفي عدم الرغبة بحرب باردة جديدة؟

ثمّة أسئلة أخرى بشأن عدم رغبة واشنطن وبكين باستعادة مفردات الحرب الباردة أو بخوضها مجدّداً. هل يكفي التداخل الاقتصاديّ لمنع دخول العالم في توتّر طويل المدى شبيه بما حصل في القرن العشرين؟ هل يمنع هذا التداخل مثلاً اندلاع نزاع عسكريّ أميركيّ - صينيّ بشأن تايوان؟ بالمقابل، إذا كانت الصين مقتنعة بعدم تصدير نموذج حكمها إلى الخارج، فهذا لا يعني أنّها قابلة بخوض هذه المسائل في حوارها مع الأميركيين. وهذا ما يوضحه شويتونغ الذي يشرح أنّ الصين تصارع مفهوم امتلاك القيم السياسيّة الغربيّة جاذبيّة وصلاحيّة شاملتين. في هذا الإطار، ألا يشكّل ميل الأميركيّين إلى معاقبة مسؤولين صينيين بسبب انتهاكات حقوقية داخل حدود بلادهم عاملاً مفجّراً للعلاقات الثنائيّة؟

 

تبيّن المسائل الحقوقيّة قصور قاعدة عدم التدخّل المتبادل في أفكار وقيم المجتمعين الأميركيّ والصينيّ في رسم حدود واضحة للتعامل المتبادل. ما حدث مع "اتفاق الاستثمار الشامل" بين الصين والاتحاد الأوروبي يظهر مدى سرعة تدهور الأمور بسبب قضايا حقوق الإنسان. إنّ عدم وضوح حدود التفاعل بين المتنافسين، وبالأخصّ حدود ما هو داخليّ وخارجيّ، كافٍ لاستدامة التوتّر وفتائل التفجير - بصرف النظر عن صلاحية مفهوم "الحرب الباردة" ورغبة كلتا الدولتين بعدم استحضاره.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم