إعلان

بايدن والهروب من "القدر"

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
الرئيس الأميركي جو بايدن - "أ ب"
الرئيس الأميركي جو بايدن - "أ ب"
A+ A-

مثّل قرار بايدن سحب قواته من أفغانستان بحلول ذكرى 11 أيلول (سبتمبر) تنفيذاً لوعده الانتخابيّ بإنهاء "الحروب التي لا تنتهي". هذا في الشكل. في المضمون، قد يكون قراره من حيث لا يدري هروباً من "قدر" أميركيّ بحسب بعض التحليلات. على الرغم من أنّ الانسحاب من أفغانستان ليس مطلباً شعبيّاً واسعاً بعكس ما هو سائد، يبقى أنّ بايدن، وقبله ترامب، قبلا بالمخاطرة بأمن الولايات المتحدة. فكّك الجيش الأميركي شبكة "القاعدة" في أفغانستان، لكنّه فشل في تفكيك حركة "طالبان". والعلاقة بين الطرفين لم تنقطع. إنّ انسحاب واشنطن من البلاد بناء على أنّ "طالبان" لن تؤمّن ملاذاً لـ"القاعدة" ليس مبنيّاً على أساس صلب. بالتالي، إنّ إنهاء الحروب اللانهائية يمكن أن يأتي على حساب مصلحة الأمن القوميّ الأميركيّ. حتى مع افتراض عدم صوابيّة هذا التوقّع، يبدو أنّ قرار بايدن مستند إلى مفهوم شائع، لكن مبتور، للتاريخ الأميركيّ.

 

في عدد آذار/نيسان من مجلّة "فورين أفيرز"، قدّم الباحث البارز في "مؤسسة بروكينغز" أدلّة على التصوّرات الذاتيّة الخاطئة للأميركيّين والتي تتناقض مع تصوّرات الشعوب الأخرى. إذا كانت هذه الأخيرة تبحث عن استعادة أمجاد غابرة فالشعب والسياسيّون الأميركيّون يحتفظون بطموح محدود لا يستند إلى القوّة الفعليّة التي تتمتّع بها الولايات المتّحدة ولا حتى إلى ما يجب استخلاصه من تجارب الماضي. بعبارة أخرى، يمكن استنتاج أنّه إذا كانت روسيا والصين تريدان تغيير بعض قواعد النظام العالميّ التي لا تناسبهما، فإنّ الأميركيّين لا يرغبون بالدفاع عن هذا النظام الذي أسّسوه بأنفسهم. لهذا السبب، يبدو حلفاء واشنطن دائماً في حيرة من أمرهم بسبب التقلّبات في السياسات الأميركيّة.

 

"آمنة من الهجوم آمنة من التهديد"

ينطلق كايغان، وهو مؤلف كتاب "الأدغال تنمو مجدداً: أميركا وعالمنا المعرّض للخطر" من التاريخ البعيد للولايات المتحدة. فخلال عقود على تأسيسها، كانت تلك البلاد عبارة عن جمهورية ضعيفة بين ملكيّات كبيرة متصارعة. تغيّر الوضع في أوائل القرن العشرين، بحيث أصبحت أغنى وأقوى لكن من دون أن تترتّب عليها أيّ مسؤوليات قياديّة عالميّة. ويستشهد كايغان بما قاله المؤرخ بريطاني جايمس برايس سنة 1888 عن أنّ الولايات المتحدة "آمنة من الهجوم آمنة من التهديد". مع بروز ألمانيا قبيل وخلال الحرب العالمية الأولى، كان الرئيسان ثيودور روزفلت وودرو ويلسون أوّل من دعا وعمل على خلق نظام عالميّ جديد والدفاع عنه والتحذير من الانسحاب الأميركيّ. ما كانت تريده الولايات المتحدة هو أوروبا ليبيراليّة، آسيا سلميّة ومحيطات آمنة. لكن ظلّت الانتقادات تعلو في الكونغرس فاعتبر بعضها أنّ تدخّل واشنطن الدوليّ هو "خيانة" لفكر الآباء المؤسّسين أو مجرّد تأدية لحرب "دون كيشوتيّة" بينما أكّد البعض فكرة وزير الخارجيّة الأسبق جون كوينسي أدامز عن أنّ تحوّل الولايات المتحدة إلى دولة تمارس الإملاء سيفقدها روحها. وهجوم بيرل هاربر خفّف من حدّة هذا النقاش لكنّه لم يلغِه تماماً، بحسب الكاتب.

 

في الحرب الباردة، كانت المهمّات العسكريّة الخارجيّة أسهل نظراً لارتباطها بمواجهة الاتّحاد السوفياتيّ. فالأميركيّون رأوا في الشيوعيّة تهديداً مباشراً لنمط عيشهم. لكن بعد نهاية الحرب الباردة، وجّه الأميركيّون انتقادات داخلية قويّة لجميع التدخّلات العسكريّة الخارجيّة. مع ذلك، يستغرب كايغان البراهين التي يقدّمها "الواقعيّون" من أجل سحب الولايات المتحدة قوّاتها من أماكن الصراع. فللدفاع عن وجهة نظرهم، يصوّرون كلّ حرب تخوضها واشنطن على أنّها بعثة صقلية التي أدّت إلى هزيمة أثينا أمام إسبرطة.

 

أرقام... وتناقضات "الواقعيّين"

يردّ كايغان بأنّه لو صحّت فرضيّة أنّ أميركا أصبحت ضعيفة بسبب الحروب المتلاحقة لما كان ضروريّاً تشديد "الواقعيّين" على أهمية اعتماد واشنطن ضبط النفس، بما أنّ القويّ هو من يمارس ضبط النفس. ويفنّد كايغان الخوف الأميركيّ المستمرّ من الانتشار العسكريّ الحاليّ حول العالم ومن كلفة الحروب التي تتكبّدها واشنطن: عدد قتلى حربي كوريا وفيتنام بلغ 15 ضعفاً عدد قتلى حربي أفغانستان والعراق. وفي الثلاثينات، بلغ حجم الإنفاق العسكريّ 3% من الناتج القوميّ الأميركيّ. أمّا اليوم، فبالكاد يتخطّى هذا الرقم أيضاً. حتى في عهد الرئيس الأميركيّ دوايت أيزنهاور الذي وُصفت إدارته بأنّها ممارسة لضبط النفس، كانت الولايات المتحدة تنشر مليون جنديّ حين كان عدد سكّانها 170 مليوناً. حاليّاً، هي تنشر 200 ألف جنديّ من أصل 330 مليون نسمة.

 

إنّ عدم اهتمام أميركا بحماية النظام العالميّ سيدخلها في حلقة أخرى من الذعر فالخوف ثمّ التحرّك الفجائيّ، كما حدث خلال الحربين العالميتين. يؤكّد كايغان أنّ البديل عن النظام العالميّ بقيادة الولايات المتحدة ليس نظاماً عالميّاً جديداً مبنيّاً على النموذج الأسوجيّ (السويديّ) بل مجرّد فراغ تملأه الفوضى والنزاعات. ويحذّرهم ختاماً من أنّ التراجع إلى "حصنهم المتوهّم" لا يشكّل حلّاً، مشدّداً على ضرورة تولّي بايدن مهمّة إبلاغ الأميركيّين بصراحة أنّه لا مفرّ من تحمّل المسؤوليّة الدوليّة. فالدفاع عن تحالفاتهم الدوليّة هو دفاع عن نظام يخدم مصالحهم "بالشكل الأفضل".

 

"سواء أأحبتم ذلك أم لا"

لا يبدو أنّ سياسة بايدن متطابقة مع تحليل كايغان. وأفغانستان بعيدة من أن تكون المثل الوحيد، على الرغم من أنّ تداعيات السياسة الأميركية لتلك البلاد ليست مشجّعة على الإطلاق وقد أصبحت مجرّد "استراتيجيّة أمل". حصرُ إدارة بايدن رؤيتها للشرق الأوسط من منظور الاتّفاق مع إيران هو مثلٌ آخر عن التصوّر الذاتيّ المحدود للقوّة الأميركيّة. فالاتّفاق مع إيران يأتي في سياق الاستعدادات من أجل التخلّي عن المنطقة لتأدية دور أكبر في شرق آسيا. ليس نشر القوّات العسكريّة في المنطقتين سهلاً، لكنّه ليس مستحيلاً هو الآخر. حتى كلام بايدن عن عودة الولايات المتحدة إلى تحالفاتها القديمة لاقى آذاناً مشكّكة في أوروبا لأنّه لم يُترجم عمليّاً. ولجأ بايدن إلى سلسلة خطوات خارجيّة فاجأت الجارين كندا والمكسيك. حتى حين يُسأل بايدن عن كيفيّة مساعدة سياسته الخارجيّة الطبقة الوسطى في الولايات المتحدة، يميل إلى الحديث عن ضرورة رفع الحد الأدنى للأجور وتحسين التعليم والرعاية الصحية، كما كتبت الرئيسة السابقة لمركز "كارنيغي إندومنت للسلام العالمي" جيسيكا ماثيوز في العدد نفسه من المجلّة الأميركيّة.

 

قد لا يتوفّر أيّ مهرب أمام الأميركيّين من الدفاع عن النظام الليبيرالي العالميّ طالما أنّهم يتمتّعون بالقوّة الكبرى. رأى كايغان أنّ الولايات المتحدة "هي قوة عظمى، سواء أأحبتم ذلك أم لا". لكن يبدو أنّ قسماً كبيراً من القادة الأميركيين يمتلك بالفعل تصوّراً ذاتيّاً أدنى ممّا تمليه الوقائع التاريخيّة، أقلّه بالنسبة إلى دولة هزمت النازيّة والإمبراطورية اليابانية والاتحاد السوفياتي وداعش.    

 

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم