إعلان

اقتحام الكابيتول... ثلاثة عقود من التحضير

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الحرس الوطني أمام مبنى الكابيتول ليل الأربعاء بعدما اقتحمه مناصرون لترامب - "أ ب"
الحرس الوطني أمام مبنى الكابيتول ليل الأربعاء بعدما اقتحمه مناصرون لترامب - "أ ب"
A+ A-
عادة ما تكون عناوين "النهايات" جذّابة. هي استشرافات تُطرح عند كلّ محطّة مفصليّة. جائحة "كورونا" أفرزت مواضيع كهذه: نهاية العالم الذي نعرفه، نهاية الرأسماليّة، نهاية هيمنة الغرب الثقافية، إلخ... 
 
أحداث الكابيتول استقطبت عناوين مشابهة: نهاية ترامب، نهاية الديموقراطيّة الأميركيّة، نهاية الحزب الجمهوريّ... وقد تناول الإعلام الأميركيّ هذه المواضيع في محاولة تفسير ما حصل.

"هل هكذا تنتهي العظَمة؟" سؤال طرحه طوم ماكتايغ في مجلّة "ذي اتلانتيك". استبين الكاتب آراء مسؤولين وديبلوماسيّين وأصدقاء أميركيّين وبريطانيّين وأوروبّيّين. ردّ أحدهم بأنّه الانفصال الأخير بين ترامب والقيادة الجمهوريّة. ديبلوماسيّون أوروبّيّون أجابوا بأنّه لم يعد بالإمكان الاتّكال على الولايات المتّحدة.

أجوبة الديبلوماسيّين الأوروبّيين كانت متناسقة مع الأجواء في بروكسل خلال السنوات الماضية. لعلّها رؤية الألمان أساساً. وربّما يتبعهم فيها آخرون. ترى برلين أنّ ترامب هو عارض لتحوّل عميق. إذا كان بالإمكان تقديم ترامب كمرادف للشعبويّة فعندها تبدو أوروبّا الأكثر خبرة في شرح الأسباب التي تنتج هذه الظاهرة. لكنّ الاكتفاء بهذا الترادف يسقِط أصحابه في دوّامة الاختزال.


نتيجة "اللعب بالنار"
ما حدث في الكابيتول قد يكون نتيجة مباشرة لأربع سنوات من الاستقطاب، وربّما نتيجة شهرين من تشكيك ترامب بنزاهة الانتخابات. يمكن التساؤل عن مغزى "مسيرة إنقاذ أميركا" التي دعا إليها بالتزامن مع مصادقة الكونغرس على تصويت الناخبين الكبار. ويمكن التساؤل أيضاً عن سبب إعلان أكثر من مئة جمهوريّ في الكونغرس، وفي مقدّمهم تيد كروز وجوش هاولي، أنّهم سيعترضون على نتائج ذاك التصويت علماً أنّ الاعتراض كان ليؤدّي في أفضل الأحوال إلى تأجيل إعلان النتيجة لا إلى تغييرها. عزّز كلّ ذلك مناخاً من التوتّر كان ترامب بغنى عنه. بمعنى من المعاني، كان بعض الجمهوريّين وترامب "يلعبون بالنار" بحسب توصيف أستاذ التاريخ والصحافة والدراسات الإعلاميّة في جامعة روتجرز دافيد غرينبيرغ.

وصل ترامب في ختام ولايته الرئاسيّة إلى ما لم يكن يتصوّره أكثر الجمهوريّين تشاؤماً وأكثر الديموقراطيّين تفاؤلاً. معظم حلفائه الأساسيّين تركوه وحيداً: نائبه مايك بنس، حليفه السيناتور ليندزي غراهام، رئيس مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل وآخرون. وكان هذا الأمر أوضح على المستوى الحكوميّ. منذ اندلاع أعمال الشغب واقتحام الكونغرس، شهدت إدارة ترامب ما معدّله استقالة في كلّ ساعة، وفقاً لما ذكرته مجلّة "تايم".

وتشير المجلّة إلى أنّه كان متوقّعاً أن يكون ترامب ضيفاً مميّزاً على الشاشات بعد مغادرته البيت الأبيض وأن يحظى بعقود إعلاميّة مربحة. كما كان متوقّعاً أن يكون صانع ملوك أو مرشّحاً مجددّاً لرئاسة 2024. كلّ تلك الحظوظ تحطّمت مع تحطّم زجاج الكونغرس وفقاً للمجلّة. ونقلت عن مسؤولين جمهوريّين قولهم: "لقد طوى الحزب الصفحة بشكل كبير".


الأزمات الخمس
يمكن أن يكون اقتحام الكونغرس قد طوى أربع سنوات من ولاية ترامب. لكن هل سيطوي عشرات السنوات من التحوّلات السياسيّة الكبيرة في الولايات المتّحدة؟ يجد هذا السؤال أساسه بالعودة إلى الرؤية الألمانيّة القائلة إنّ ترامب هو نتيجة، لا سبب، لما أصبحت عليه الولايات المتّحدة اليوم. اقتحام الكابيتول أيضاً كان نتيجة غير مباشرة لعقود من تلك التحوّلات البنيويّة. إغفالها سيؤدّي إلى إنتاج نسخة جديدة من اليمين الشعبويّ أو اليسار المتطرّف في السنوات المقبلة. قد يكون الأستاذ الجامعي في جامعة تكساس-أوستين مايكل ليند أفضل من أوضح هذه التراكمات في مجلّة "تابليت"، حيث ذكر أنّ "النظام" الأميركيّ يمرّ في خمس أزمات، يمكن تلخيصها كالتالي:

في الأزمة السياسيّة، تحوّلت الأحزاب من العمل المحلّيّ إلى العمل الوطنيّ عبر اعتماد الانتخابات التمهيديّة في السبعينات. أصبح للمتعصّبين قدرة كبيرة على إيصال مرشّحيهم. ومع انهيار الصحافة المحلّيّة، أضحت السياسة الوطنيّة العامّة هي المؤثّرة في السياسات المحلّيّة. نتج عن ذلك أنّه لم يعد هنالك ديموقراطيّون محافظون من ألاباما أو جمهوريّون ليبيراليّون من كونكتيكت.

بالفعل، عُرف الحزبان في الولايات المتّحدة بمرونتهما الفكريّة والتنظيميّة. كان يقال إنّهما عبارة عن تجمّع لعشرات الأحزاب-اللجان المحلّيّة. المشهد اليوم منقلب رأساً على عقب. بات للحزبين انقسامات فكريّة جامدة بينما تضاءل الدور الذي كانت تلعبه اللجان المحلّيّة.

يشرح ليند أنّ الجمهوريّين بدأوا حلقة التصعيد السياسيّ في التسعينات مع تسييس الاتّهام ضدّ بيل كلينتون (فضيحة مونيكا لوينسكي). والأمر نفسه فعله شاك شومر ونانسي بيلوسي ضدّ ترامب (قضيّة التواطؤ مع الروس). وتابع أنّ شخصيّات جمهوريّة اتّهمت الديموقراطيّين بأنّهم اشتراكيّون بينما وصف الديموقراطيّون الجمهوريّين بأنّهم قوميّون من البيض ومستوطنون. وهذا خلق أزمة هويّة. فمشهد الرجل شبه العاري الذي يرتدي فرو حيوان داخل الكونغرس هو النتيجة الطبيعيّة لـ "حروب أيقونات" ما بعد السرديّة الوطنيّة.

ومع الأزمة الاجتماعيّة التي يعاني منها الشباب العاطل عن العمل والمغترب عن مجتمعاته، يصبح هؤلاء مصدراً طبيعيّاً لتوليد المتشدّدين لليمين واليسار. وتضيف الأزمة الديموغرافيّة وانخفاض نسبة الخصوبة لدى المرأة الأميركيّة وما يرافقها من سياسات استقطابيّة للهجرة، بعداً آخر للتآكل الاجتماعيّ الأميركيّ. يتفاعل كلّ ذلك مع انخفاض قيمة الأجور وهجرة الصناعات وانهيار وُعود التسعينات حول إيجابيّات اقتصاد المعرفة. يتغذّى كلّ ذلك، وفقاً لليند، بواسطة نخب طموحة من كلا الجانبين تملك اجتماعيّاً من النقاط المشتركة بين بعضها البعض أكثر ممّا تملكه مع قاعدتها الشعبيّة.


الجواب المنتظر
في خطابه الأخير، استنكر ترامب الاعتداء على الكونغرس وتعهّد تدفيع المعتدين الثمن. وأعلن أنّه حان وقت المصالحة. قبل ساعات كان لبايدن خطاب مشابه. قد لا تكون المصالحة بين الحزبين كافية للحفاظ على الديموقراطيّة الأميركيّة. بات على الأميركيّين الالتفات إلى كيفيّة مواءمة سلوكهم وسرديّاتهم ومؤسّساتهم مع كلّ التحوّلات العميقة التي طرأت على مجتمعهم. انطلاقاً ممّا سبق، يبقى سؤال أساسيّ: هل تكون ولاية بايدن محطّة للانطلاق نحو المستقبل، أم فرصة للديموقراطيّين كي "ينتقموا" من الجمهوريّين؟ الجواب سيحدّد صورة الولايات المتّحدة لعقود مقبلة.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم