إعلان

الموجة الزرقاء التي لم تكن

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
نائب الرئيس الأميركي السابق والمرشح الديموقراطي إلى الرئاسة الأميركية جو بايدن - "أ ب"
نائب الرئيس الأميركي السابق والمرشح الديموقراطي إلى الرئاسة الأميركية جو بايدن - "أ ب"
A+ A-
توقّع الرئيس الاميركي السابق باراك أوباما أن تنهي انتخابات 2020 "الحمّى الجمهوريّة". باستثناء أنّ نائبه السابق جو بايدن متّجه مبدئيّاً للفوز بالرئاسة وهو مكبّل من جمهوريّي مجلس الشيوخ، يبدو أنّ توقّعاته خائبة إلى حدّ بعيد. الموجة الزرقاء لم تتحقّق. على الأقلّ ليس بالحجم الذي توقّعه الديموقراطيّون. وفقاً لمسار النتائج في الولايات المتأرجحة، سيتمكّن هؤلاء من إيصال مرشّحهم إلى البيت الأبيض. لكنّ آمالهم كانت أكبر. توقّعوا فوزاً كاسحاً لبايدن على الصعيد الوطنيّ، ومعه انتصاراً في مجلس الشيوخ. توقّعان خابا إلى حدّ بعيد. تفوّقت كلينتون على ترامب في 2016 بنسبة 2.1% على المستوى الوطنيّ، بينما يتفوّق بايدن حاليّاً على ترامب بنسبة 2.6%.

ربّما عزّزت استطلاعات الرأي أحلامهم بما أنّ معظمها كان يتبارى بتقديم أرقام خياليّة عن تقدّم بايدن على المستوى الوطنيّ. في 7 تشرين الأوّل الماضي، وصل الفارق بين المرشّحين إلى 16% بحسب استطلاع لشبكة "سي أن أن" الأميركيّة. لو صحّ نصف هذا الرقم، لاستطاع الديموقراطيّون حصد المزيد من مقاعد مجلس الشيوخ. علاوة على كلّ ذلك، لم يستطع الحزب الديموقراطيّ أن يوسّع حصّته في المجلس النيابيّ بل خسر خمسة مقاعد.

فشل الاستثمار في الجائحة
 
كان انتشار وباء "كورونا" وحده كافياً لإطاحة ترامب بسهولة أكبر. انتُقد الرئيس لأنّه لم يصغِ لكلام الخبراء ولأنّه اهتمّ بالاقتصاد أوّلاً على حساب صحّة المواطنين. في هذا الكلام الكثير من الدقّة. لكنْ فيه أيضاً الكثير من المبالغة في قدرة أيّ رئيس أو أيّ إدارة فيديراليّة على كبح جماح الوباء. صحيح أنّ أوروبّا كانت أفضل من الولايات المتّحدة في التعامل مع الفيروس، لكنّها سرعان ما وقعت تحت وطأة موجة ثانية تخطّت حصيلة الوفيات بسببها الحصيلة التي تسجّلها الولايات المتّحدة اليوم. كما أنّ التظاهرات والاحتجاجات العديدة في دول أوروبّيّة ضدّ الإغلاق التام هي تأكيد لكون الأخير ليس حلّاً سهلاً. في أحد استطلاعات رأي الخروج (exit polls) استشهد به موقع "سلايت" الديموقراطيّ التوجّه، برز شبه انقسام بين من يرى أنّ جهود الولايات المتّحدة إيجابيّة لكبح الوباء إيجابيّ عموماً، وبين من يعتقد أنّه سلبيّ. وهذا يعني أنّ الجائحة لم تترك وقعاً كبيراً في نفوس الأميركيّين.

أطاحت الجائحة جميع إنجازات ترامب الاقتصاديّة في أقلّ من سنة. أمرٌ كان من شأنه أن يرفع حدّة الغضب على الرئيس. وأحسن بايدن استغلال الجائحة حين توجّه إلى الأميركيّين محمّلاً ترامب مسؤوليّة وفاة أكثر من 200 ألف فرد من عائلاتهم وفقدانهم أشخاصاً "تشاركوا وإيّاهم مائدة العشاء". لكنّ هذا اللوم لم ينتج التأثير المطلوب. كانت هنالك توقّعات، بحسب بعض الاستطلاعات، بأن يخسر ترامب ناخبيه الذين تفوق أعمارهم 65 عاماً بسبب تأثّر هذه الفئة أكثر من غيرها بتداعيات الفيروس. لكن مجدّداً، خيّب هذا الأثر آمال الديموقراطيين. بحسب استطلاع خروج آخر لمركز "إديسون للأبحاث"، صوّت 51% ممّن يبلغون 65 عاماً وما فوق لمصلحة ترامب. في هذا الصدد، قد يكون أليكس شيفارد محقّاً حين كتب في موقع "ذا نيوريبابليك" أنّ "حتى الجائحة لم تستطع القضاء على الترامبيّة".
 

"العنصريّة النظاميّة"... التي أكسبت ترامب
 
حتى مقتل جورج فلويد وشبّان آخرين من المجتمع الأميركيّ-الأفريقيّ على يد عناصر من الشرطة وتصوير الديموقراطيّين هذه الأحداث على أنّها جزء من "عنصريّة نظامية" يؤجّجها الرئيس كانا كافيين لتحتيم خسارة ترامب المزيد من الناخبين السود. لم يحدث ذلك. بحسب الأرقام الأوّليّة، ازدادت نسبة السود الذين صوّتوا للرئيس الحاليّ حتى وصلت إلى ضعفي الحصّة التي كسبها في انتخابات 2016، كما كانت عليه الحال في ولاية فلوريدا. وعلى المستوى الوطنيّ حقّق نسبة زيادة في تصويت الناخبين السود عن 2016 وصلت إلى 4% وفقاً للمركز نفسه (من 8 إلى 12%). والخسارة التي شهدها في نسبة التصويت بين النساء، استطاع تعويضها إلى حدّ ما بكسب المزيد من الأصوات المحافظة بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال".

حجم الخسارة في الولايات المتأرجحة 
 
عادة ما تكون الولاية الأولى مستهلكة لشعبيّة أيّ رئيس حتى ولو لم يواجه أزمات كبيرة. دخل ترامب البيت الأبيض بنسبة تأييد منخفضة بالمقارنة مع أسلافه. لكنّ السنوات الأربع لم تجعل شعبيّته تتآكل بشكل دراميّ. في أوهايو، حافظ ترامب على تقدّم بلغ نحو 7.5% وهو تراجع بسيط عن نسبة 8% في 2016. في أيوا، فاز الرئيس بنسبة 8.2% وهو تراجع بسيط عن نسبة 9.4% منذ أربع سنوات. حتى ولايات "الجدار الأزرق" الذي أعاد بايدن ترميمه، لم تشهد فارقاً كبيراً. كان ترامب متقدّماً في ولاية ويسكونسن بـ 0.7% فخسر أمام بايدن بـ 0.7 الثلااء. في ميشيغن، تغلّب ترامب على منافسته كلينتون بـ 0.23% بينما خسر أمام بايدن بـ 2.7%. وفي بنسلفانيا، ورغم أنّ بايدن قد يعود ويقلب تأخّره إلى تقدّم، فإنّه من غير المرجّح أن يكون تفوّقه كبيراً. هذا يعني أنّ "الجدار الأزرق" لن يكون صلباً.

طبعاً، حاول الديموقراطيّون أنفسهم أن يخرقوا معاقل سابقة للجمهوريّين، مثل تكساس. هزم ترامب منافسته في 2016 بنحو 9% بينما هزم بايدن الثلثاء بنحو 6% (مع نسبة فرز 85% فقط)، لكنّ هذا بعيد من كلّ الضجّة التي أثيرت بشأن قلب الولاية الحمراء إلى زرقاء. هي لم تصبح حتى أرجوانيّة وفقاً لتعبير نيكول راسل في مجلّة "واشنطن أكزامينر". وأريزونا التي يبدو أنّ ترامب قريب من خسارتها، ربّما لم تعطِ أصواتها لبايدن بسبب تقدّم ديموقراطيّ، بل بسبب الإهانات التي كان يوجّهها ترامب إلى السيناتور الجمهوريّ الراحل الذي مثّلها جون ماكّين والذي دفع أرملته ومؤيّدين كثراً له إلى إعلان تأييدهم لبايدن. ومع أنّ ترامب يعاني لحسم نورث كارولاينا، لا يزال متقدّماً في الولاية، لغاية إعداد التقرير، بنسبة 1.4% هو الذي كان متقدّماً بنسبة 3.6% سنة 2016.

لكنّ تراجع ترامب لم يكن ضئيلاً في جورجيا حيث لا يزال ترامب متقدّماً على بايدن ببضعة آلاف من الأصوات، بينما كان قد حسمها قبل أربع سنوات بفارق 5%. غير أنّ هذا التراجع عوّضه قليلاً في نيفادا، إذ خسر فيها أمام كلينتون بنحو 2.5% لكنّه لا يزال يقاتل عليها اليوم حيث الفارق لا يتعدّى 0.9%. أمّا في فلوريدا، فعزّز ترامب تقدّمه من 1.2% في 2016 إلى 3.3% في 2020.
 

علامة فارقة
 
هذا التراجع البسيط في الأرقام (غير النهائيّة)، وإن كان كافياً لقلب ولايات متارجحة، أمكن أن يواجهه أيّ رئيس بعد أربع سنوات من الحكم. إنّما الفارق أنّ ترامب على عتبة خسارة ضئيلة رغم جائحة عالميّة ووقوف غالبيّة الإعلام السائد ضدّه ومواجهة اتّهامات وتحقيقات فيديراليّة وكونغرسيّة لم تتوقّف منذ دخوله البيت الأبيض وحتى لحظات ولايته الأخيرة. ستظلّ "الترامبيّة" علامة فارقة في تاريخ الرئاسات الأميركيّة.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم