إعلان

لماذا يختلف ردّ بايدن على تظاهرات كوبا وإيران؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
الرئيس الأميركي جو بايدن - "أ ب"
الرئيس الأميركي جو بايدن - "أ ب"
A+ A-

تتحدّث الإدارة الأميركية الحالية عن إيلاء حقوق الإنسان مرتبة أساسية في سياستها الخارجية. لكن عملياً تختلف هذه المرتبة بحسب الملفات. إيران وكوبا مسألة فاقعة في هذا المضمار. انتهت نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية في حزيران (يونيو) بفوز إبراهيم رئيسي الذي استلم منصبه من سلفه حسن روحاني يوم الثلثاء.

 

بصرف النظر عن آلية هذا الفوز المستندة إلى استبعاد مجلس صيانة الدستور غالبيّة الشخصيات التي تشكّل خطراً على حظوظ رئيسي، تبقى مسيرة الأخير في مجال حقوق الإنسان موصومة، على الأقل، بعضويته في "لجنة الموت". أشرفت الأخيرة سنة 1988 على إعدام آلاف، إن لم يكن عشرات الآلاف من المعارضين خارج نطاق القضاء. لهذا السبب، وضعت الإدارة الجمهورية السابقة رئيسي على لائحة العقوبات سنة 2019.

 

لا يبدو أنّ في هذا الأمر تأثيراً على تصميم الرئيس الأميركي جو بايدن التفاوض مع إيران. في نهاية المطاف، لم تكن حقوق الإنسان مزدهرة في عهد روحاني، ومع ذلك، أطلقت الإدارة الحالية مفاوضاتها مع حكومته. فبحسب منظمة "حقوق الإنسان الإيرانية" أعدمت حكومة روحاني في 7 سنوات ونصف سنة أكثر ممّن أعدمتهم حكومة محمود أحمدي نجاد في ثماني سنوات: 4047 عمليّة إعدام مقابل 3327. وضعُ المرأة الإيرانية لم يشهد تحسناً هو الآخر على الرغم من أنّ هذه القضيّة كانت على أجندة روحاني الانتخابيّة، بعدما وعد بتأسيس وزارة لشؤون المرأة لكنّه لم يفِ بوعده.

 

حقوق الإنسان والأمن القومي

إنّ وضع إدارة بايدن مسألة حقوق الإنسان في إيران جانباً لا تشكّل مفاجأة للمراقبين. في مسائل أكثر حساسية كالأمن القومي الأميركي، لم تلجأ الإدارة إلى إجراءات استثنائيّة لحمايته. على سبيل المثال، امتنعت واشنطن عن إصدار أيّ إجراء بعدما كشفت وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفدراليّ "أف بي آي" الشهر الماضي أنّ أربعة إيرانيين على صلة مباشرة بطهران حاولوا خطف المواطنة الأميركية - الإيرانية مسيح علي نجاد من منزلها في بروكلين ونقلها بزوارق سريعة إلى فنزويلا ومن هناك إلى إيران. إذا كان هذا الخرق الأمنيّ الكبير لسيادة الولايات المتحدة لم يدفع الإدارة إلى التحرّك، فإنّ قضايا حقوقيّة داخل إيران لن تنتج أيّ تأثير يُذكر لدى الإدارة الديموقراطيّة.

 

وبعدما أحبطت الولايات المتحدة محاولة إيرانية لاغتيال السفير السعودي السابق لديها عادل الجبير في تشرين الأول (أكتوبر) 2011، أنهت إدارة أوباما الملفّ باعتقال أصغر المتورطين. حينها، رأى قائد القيادة المركزية الجنرال جايمس ماتيس أنّ ما حصل كان "فعل حرب"، لكنّه أشار إلى أنّ سياسة الانفتاح التي اتّبعها أوباما مع إيران دفعته إلى التعامل مع العمل الحربيّ على أنّه مجرّد انتهاك لتطبيق القانون. إنّ إصرار الإدارتين الديموقراطيتين على التغاضي عن الانتهاكات الإيرانية للسيادة الأميركية يعني منطقيّاً إصرارهما على تجاهل انتهاكات حقوق الإنسان. لكنّ المسألة لا تنتهي عند هذا الحدّ.

 

التظاهرات في إيران

منذ 15 تموز (يوليو) الماضي، اندلعت احتجاجات في محافظة خوزستان بسبب الشحّ في المياه وسط صيف لاهب. قوبل المتظاهرون بالقمع وبقطع شبكة الإنترنت والتيار الكهربائيّ. وحتى 27 تموز، سقط 10 قتلى من المتظاهرين إضافة إلى عنصرين من القوات الأمنية. مع مرور الوقت، امتدّت التظاهرات من خوزستان إلى محافظات ومدن كبيرة أخرى مثل كرج وتبريز والعاصمة طهران. كذلك، تحوّلت الشعارات من المطالبة بتأمين المياه إلى الهتاف بإسقاط النظام.

 

يبدو أنّ التاريخ يكرّر نفسه مع الإدارتين الديموقراطيتين. في 2009، خَيّر المتظاهرون خلال "الثورة الخضراء" باراك أوباما بالوقوف "إمّا معنا وإمّا معهم" (رجال الحكم). كان صمت أوباما حينها إشارة أولى إلى أنّه اختار الوقوف إلى جانب طهران، وهذا ما بيّنته التطورات لاحقاً. اليوم، يختار بايدن الصمت من أجل تحقيق الهدف نفسه. لكنّ صمته لم يكن مطبقاً بالكامل كما كانت الحال مع أوباما.

 

بعد حوالي أسبوعين على انطلاق التظاهرات، أصدر الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس بياناً جاء فيه: "للشعب الإيراني الحق في التعبير عن إحباطه ومحاسبة حكومته، لكنّنا رأينا تقارير مزعجة عن أنّ قوات الأمن أطلقت النار على المتظاهرين، ما أدى إلى سقوط عدد من القتلى". وأضاف البيان: "ندين استخدام العنف ضدّ المتظاهرين السلميين. نحن ندعم حقوق الإيرانيين بالتجمع السلمي والتعبير عن أنفسهم بلا خوف من العنف والاعتقال على أيدي القوات الأمنية".

 

يعدّ ذلك البيان خطوة تصعيدية معبّرة لوزارة خارجيّة سبقت أن أعربت عن تضامنها مع مسيح علي نجاد من دون أن تأتي حتى على ذكر إيران. مع ذلك، صدر البيان متأخراً، وقد يكون مجرّد ردّ على انتقاد المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي للولايات المتحدة لتسبّبها في عرقلة المفاوضات النووية بحسب رأيه. فبيان وزارة الخارجية الشاجب للقمع صدر بعد ساعات قليلة على تصريح خامنئي.

 

فارق كبير

علاوة على هذه التفاصيل، لم تفرض إدارة بايدن عقوبات على أيّ مسؤول إيرانيّ بسبب قمع المتظاهرين. قد يمرّ هذا الخبر من دون اهتمام كبير لو نُظر إليه حصراً من زاوية السياسة الأميركية تجاه إيران. لكن بمقارنة سياسة بايدن الإيرانية مع سياسته الكوبية، يظهر وجود فارق يكاد يكون جوهرياً. فبعد عشرة أيّام على التظاهرات المناهضة للنظام الشيوعيّ في كوبا والتي اندلعت في 11 تموز (يوليو) الماضي، فرضت وزارة الخزانة عقوبات على وزير الدفاع الكوبيّ ألفارو لوبيز مييرا "لأنّه لعب دوراً أساسياً في قمع الاحتجاجات المستمرّة في كوبا" كما فرضت عقوبات على "لواء القوات الخاصة" للسبب عينه. حتى أنّ الرئيس بايدن نفسه قال إنّ هذه الإجراءات "ليست سوى البداية" مؤكداً وقوف بلاده "بحزم مع شعب كوبا".

 

على الرغم من تشابه ظروف القمع بين إيران وكوبا، هذا إن لم تكن الظروف أقسى في الدولة الأولى، كان بايدن أكثر تشدّداً مع هافانا قياساً بطهران. قد يرتبط الموضوع بالأمن القوميّ ورغبة بايدن بعدم إغضاب إيران وإبعادها عن طاولة التفاوض. لكنّ هذا الرابط ليس مؤكّداً. فالإيرانيون لم يطالبوا خلال المفاوضات برفع العقوبات المفروضة من خارج الاتفاق النووي، وفي مقدّمتها العقوبات الحقوقية. كما أنّ حاجة إيران الماسّة للإفراج عن أموالها ستدفعها إلى تقبّل أي إجراءات عقابيّة حقوقيّة جديدة في مقابل تحقيق هدفها الأساسيّ. من المرجّح أن يكمن تفسير تشدّد بايدن الحقوقيّ تجاه كوبا لا تجاه طهران في مكان آخر، أو بشكل أدقّ في استحقاق آخر: الانتخابات النصفية.

 

امتدادات السياسة الكوبية

سيكون الديموقراطيون بحاجة إلى هزيمة السيناتور الجمهوري ماركو روبيو في فلوريدا التي تضمّ أقلية كوبيّة كبيرة (7.3% من الناخبين) وهي بغالبيّتها الساحقة معارضة للنظام الشيوعي في كوبا. لهذا السبب، لا يمكن لبايدن إظهار أيّ ضعف في سياسته الكوبيّة. وكان ترامب قد حصد فلوريدا في انتخابات 2020 بنسبة أكبر مما كانت عليه في 2016. ونسبة الأميركيين من أصل كوبيّ في فلوريدا هي الكبرى بين اللاتينيين، وقد صوّت هؤلاء بنسبة 55% لمصلحة ترامب. ومع أنّ الاحتجاجات في كوبا خفتت، لا يزال الأميركيون من أصل كوبيّ ينظمون تظاهرات في ميامي، عاصمة الولاية. وخسر الديموقراطيون نائبين عن فلوريدا أيضاً في الانتخابات الماضية. وستشهد الولاية تنافساً على 28 مقعداً في 2022. كذلك، سيكون منصب الحاكمية خاضعاً للتنافس.

 

باختصار، وكما تظهر تقارير عدّة، إنّ سياسة أيّ رئيس أميركيّ تجاه كوبا أقرب إلى أن تكون سياسة داخلية، وتحديداً سياسة انتخابية. لهذا السبب، ليس مفاجئاً أن يتحدّث بايدن عن قرع "ناقوس الحرية" في التظاهرات الكوبية مع فرض عقوبات على هافانا، وأن يكتفي بالصمت إزاء التظاهرات الإيرانية محيلاً أمر إدانة القمع البروتوكولية إلى موظّف في وزارة الخارجية.  

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم