إعلان

ألمانيا أم روسيا... لمَن لوّح بايدن بـ"غصن الزّيتون"؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس الأميركي جو بايدن - "أ ب"
الرئيس الأميركي جو بايدن - "أ ب"
A+ A-

بالرغم من كلّ الضجيج الذي أثاره جو بايدن خلال حملته الانتخابية عن "ضعف" سياسات دونالد ترامب تجاه روسيا، لم تكن قراراته كرئيس أكثر تشدّداً لغاية اليوم. تفادى بايدن فرض عقوبات على الشركة الأساسيّة المشغّلة لمشروع "نورد ستريم 2" الذي ينقل الغاز من روسيا إلى ألمانيا، ما أثار غضب مشرّعين من حزبه كما كانت الحال مع السيناتور بوب مينينديز. اكتفت الإدارة بفرض عقوبات على بعض الكيانات والسفن العاملة في المشروع. الشركة الأساسيّة المشغّلة للمشروع البالغة كلفته 11 مليار دولار "نورد ستريم أي جي" هي ألمانيّة، لكنّ مديرها التنفيذيّ ماتياس وورنيغ صديق للرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين. تمّ إعفاء الشركة من العقوبات "من أجل المصلحة القوميّة للولايات المتحدة". وعبارة "المصلحة القوميّة" عادة ما تكون فضفاضة.

 

المقاربة التقليدية

يمكن شرح أسباب الخطوة الأميركيّة وفقاً للمقاربة التقليديّة الهادفة إلى فهم العلاقات العابرة للأطلسيّ. تعرّضت العلاقات الأميركيّة - الألمانيّة لضرر كبير خلال ولاية ترامب، ولا يريد الرئيس الحاليّ مفاقمة الوضع. ومع تعهّد بايدن إعادة الولايات المتحدة إلى الساحة الدوليّة على رأس تحالف غربيّ واسع، يساعد منح هذا الإعفاء في إعادة ربط ما تفكّك من روابط خلال السنوات الأربع الماضية. وقال وزير الخارجية الأميركيّ أنتوني بلينكن إنّ الخطوة الأميركيّة تعبّر عن التزام واشنطن بأمن الطاقة لأوروبا.

 

قد يكون في هذا التفسير شيء من الصحّة. لكنّه عاجز وحده عن تقديم إحاطة كاملة بالصروة. فثمّة الكثير من الخطوات التي امتنع الرئيس عن اتخاذها على الرغم من إمكانيّة مساهمتها في تعزيز العلاقات بين واشنطن وبروكسل، مثل التشاور مع الأوروبيين قبل الانسحاب من أفغانستان وقبل اقتراح رفع حماية براءات الاختراع حول لقاحات "كورونا". وهو لغاية اليوم لم يعيّن سفيريه إلى حلف شمال الأطلسيّ والاتّحاد الأوروبّيّ.

 

حتى المساعدة على إعادة بناء العلاقات الأميركيّة - الألمانيّة لا تعني بالضرورة تحسين العلاقات الأميركيّة - الأوروبّيّة ككلّ. فمشروع "نورد ستريم 2" يحظى بمعارضة أوروبّيّة واسعة، خصوصاً من دول وسط وشرق القارّة. بهذا المعنى، يصبح الإعفاء من العقوبات بدون تقديم إطار حلّ يرضي مؤيّدي ومعارضي المشروع في أوروبا أداةً لتعزيز الخلافات الأوروبّيّة - الأوروبّيّة والأوروبّيّة - الأميركيّة بدلاً من احتوائها. من جهة ثانية، وحتى الأمس القريب، لم تبدُ ألمانيا حريصة إلى درجة كبيرة على إصلاح العلاقات مع الولايات المتحدة.

 

"مات فعليّاً"

لم تنتظر برلين خصوصاً، وبروكسل عموماً، وصول بايدن إلى البيت الأبيض حتى تفهم النظرة الأميركيّة الجديدة إلى النظام الدوليّ والعلاقات الأطلسيّة. قبل استلام الإدارة مقاليد الحكم، عمدت أوروبا إلى توقيع "الاتّفاق الشامل حول الاستثمار" مع الصين. بحسب بعض المحلّلين الأوروبّيّين، كانت تلك الخطوة تعبيراً عن "كيفيّة عدم العمل مع إدارة بايدن". تعرّض الاتّفاق لضربة قويّة في أيّار بعد فرض الاتّحاد الأوروبّيّ عقوبات على أربعة مسؤولين صينيّين ومكتب الأمن العام في إقليم شينجيانغ بسبب "تورّطهم" في "معسكرات إعادة التأهيل" التي يخضع لها الأويغور. تنفي الصين وجود هذه المعسكرات وتقول إنّها تحتجز بعض المتشدّدين من تلك الأقلّيّة فقط.

 

ردّاً على العقوبات الأوروبّيّة، اتّخذت بيجينغ إجراءات أقسى ففرضت عقوبات على نوّاب بارزين في البرلمان الأوروبّيّ وثلاثة نوّاب في البرلمانات الوطنيّة ولجنتين تابعتين للاتّحاد الأوروبّيّ، وعدد من الأكاديميّين الأوروبّيّين المتخصّصين في الشؤون الصينيّة. على إثر ذلك، ردّت أوروبا بتجميد "الاتّفاق الشامل حول الاستثمار". أيّاً ما كانت تريد أوروبا تنوي تحقيقه عبر ذلك الاتّفاق، أكان تحقيق الاستقلاليّة السياسيّة والاقتصاديّة عن الولايات المتحدة، أو مجرّد التوقيع على شراكة فاوضت حولها سبع سنوات، يبدو أنّ هذا الهدف أصبح بعيد المنال. قد يصبّ هذا التطوّر في مصلحة الأميركيّين، خصوصاً إذا تبيّن أنّ اتّفاق الشراكة "قد مات فعليّاً".

 

أولويّات

بحسب البعض، يبقى الهدف الأوّل من الإعفاءات تحسين العلاقات مع روسيا لا مع أوروبا أو ألمانيا. يدور كلّ ذلك في فلك محاولة تفكيك الشراكة الروسيّة مع الصين. ما فعلته إدارة بايدن في ملفّ الإعفاء من العقوبات هو أنّها قدّمت "غصن زيتون" إلى روسيا من أجل حثّها على الابتعاد عن الصين، بحسب وجهة نظر نائب رئيس "آي أتش أس ماركت" للخدمات الماليّة دانيال يرغين. ووصف يرغين هذا التوجّه بأنّه "أولويّة استراتيجيّة" لهذه الإدارة.

 

لا يوافق الجميع نظرة يرغين، على الأقلّ ليس بطريقة العرض. في حديث إلى صحيفة "غلوبال تايمس" الصينية، يعتقد الخبير في "المجلس الروسيّ للشؤون الدولية" دانيل بوشكوف أنّ سلوك بايدن هو بادرة حسن نيّة تجاه ألمانيا أوّلاً لا تجاه روسيا. مع ذلك، هو يوضح أنّ واشنطن تسعى إلى علاقات مستقرّة مع موسكو بما أنّها لا تستطيع رؤية أيّ إيجابيّة عمليّة من التشدّد تجاه روسيا والصين معاً. علاوة على ذلك، يضيف بوشكوف أنّ الصين لا روسيا هي التهديد الأساسيّ لموقع الولايات المتحدة في العالم بحسب النظرة الأميركيّة. "بالتالي، من المنطقيّ أكثر والصحيح تكتيكيّاً تخصيص موارد محدودة لاحتواء الصين، بموازاة تأدية لعبة توازن مع روسيا عبر التعاون حيث أمكن، والاختلاف حيث تتباعد المصالح".

 

في الجوهر، لا يختلف بوشكوف كثيراً عن يرغين. فالسياسة الأميركيّة القاضية بتحييد روسيا عن الصراع المباشر هي نقطة مشتركة في تحليليهما. والسياسة الأميركيّة التي ترى في الصين "التهديد الأوّل" على مصلحتها تقتضي إبداء ليونة تجاه روسيا. في نهاية المطاف، يمكن القول إنّ بايدن حاول ضرب عصفورين بحجر واحد عبر إعفاء "نورد ستريم أي جي" من العقوبات: التقرّب من ألمانيا ومن روسيا معاً. لكن بالنظر إلى موازين القوى الدوليّة، يمكن التكهّن بأنّ الهدف الأميركيّ الأوّل كان طمأنة روسيا. تحسين العلاقات مع ألمانيا هدف مهمّ بلا شكّ. لكنّه أيضاً هدف فرعيّ. قدّم بايدن "غصن الزيتون" قبل أسابيع قليلة على قمّته المرتقبة مع نظيره الروسيّ فلاديمير بوتين. للمفارقة، هي قمّة أزعجت الأوروبّيّين لأنّ بايدن لم يطلعهم مسبقاً عليها قبل الإعلان عنها.

 

 

الكلمات الدالة