إعلان

ماذا لو لم يستدرك بايدن سريعاً خطأه في أفغانستان؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس الأميركي جو بايدن - "أ ب"
الرئيس الأميركي جو بايدن - "أ ب"
A+ A-

كان آب (أغسطس) 2021 الشهر الأسوأ بالنسبة إلى الرئاسة اليانعة لجو بايدن. أفغانستان وحدها كفيلة بجعل ذاك الشهر بالغ السوء. إذا أضيفت إلى الملف الأفغاني القضايا الداخلية الملحّة الأخرى فسيكون من الطبيعيّ توقّع ارتدادات سياسيّة أكثر سلبيّة على شعبيّة بايدن – هذه الشعبية التي تشبه في انهيارها الدراميّ انهيار الحكومة الأفغانيّة.

 

عند الحديث عن أفغانستان، وبصرف النظر عن صحّة دوافع قرار الانسحاب من عدمها، بدت الإدارة مضطربة وأحياناً شبه منفصلة عن الواقع في التعامل مع عمليات الإجلاء. على سبيل المثال، حين سئل وزير الدفاع لويد أوستين عمّا إذا كانت تلك العمليّات تعتمد على الديبلوماسية مع "طالبان"، تلعثم وهو يحاول تقديم جواب، قبل أن يتدخّل رئيس هيئة الأركان المشتركة مارك ميلي. في الوقت نفسه، طلبت الناطقة باسم البيت الأبيض جين بساكي من "طالبان" أن تقوم "بتقييمٍ حول ما إذا كانت تريد دوراً لها في المجتمع الدوليّ". تناست بساكي أنّ الحركة بسطت سيطرتها على البلاد بين 1996 و 2001 من دون أن تقيم وزناً لدور كهذا. ولم يكن وزير الخارجية أنتوني بلينكن أفضل في تقديم أجوبة مقنعة خصوصاً حين قال إنّ أحداث كابول ليست شبيهة بأحداث سايغون في وقت نقضت الصور وحدها ادّعاءه.

 

ماذا يقول التاريخ؟

إذا كانت جميع هذه التصريحات غير كافية لإظهار الارتباك الأميركيّ وفقدان الاتّصال بالواقع، يكفي كلام بايدن الأخير عن أنّ مهمّة الإجلاء كانت "ناجحة بشكل استثنائيّ" لمعرفة كم سيصعب استخلاص الإدارة للعبر من أفغانستان لعدم تكرار الخطأ نفسه في ملفات أخرى. فالولايات المتحدة قد لا تتحمّل عثرات دولية أخرى حتى ولو كانت أقلّ كارثية ممّا حصل في أفغانستان. فالانسحاب الأميركيّ – إن كان للتاريخ أن يقدّم أيّ دليل في هذا الإطار – قد يطلق سلسلة من التداعيات السلبية على الولايات المتحدة.

 

لقد تسنّى لبايدن مراقبة تداعيات الانسحاب الأميركيّ من فيتنام في نيسان (أبريل) 1975 على المصالح الأميركية الدولية. فعقب تلك الخطوة، صعّد الاتّحاد السوفياتيّ تدخّلاته حول العالم مستغلاً فقدان هيبة واشنطن ليدعم حلفاءه في آسيا وأفريقيا وحتى في القارة الأميركية. بعد مغادرة فيتنام، سيطر الشيوعيون على لاوس وكمبوديا ونيكاراغوا وغيرها. وأرسلت كوبا مستشارين وجنوداً إلى أنغولا ودخلت موسكو أفغانستان. كذلك، احتجزت إيران أكثر من خمسين ديبلوماسياً أميركياً.

 

حدثت كلّ هذه التطورات خلال السنوات الخمس التي تلت الانسحاب. وهذا يعني أنّ على بايدن الاستعداد للكثير من المفاجآت في ولايته الأولى. بدلاً من أن يكون بايدن مجرّد متلقّ لتلك المفاجآت المحتملة، بإمكانه تحويلها إلى فرصة لترميم هيبة بلاده وصورته كرئيس قويّ للبلاد، سائراً بذلك – نوعاً ما – على خطى سلفه جيرالد فورد. فحين احتجز "الخمير الحمر" طاقماً من 38 أميركياً على متن سفينة تجارية أميركية، ردّ فورد بتوجيه قوّة عسكرية ناجحة لتحرير الرهائن. ويرى مؤرّخون أنّ هدف فورد لم يكن تحرير الرهائن وحسب بل التعامل بقسوة مع "الخمير الحمر". للتذكير، احتجز هؤلاء الطاقم بعد أقلّ من أسبوعين على الانسحاب من فيتنام. هل يتصرّف بايدن مثل فورد ويحاول ترميم صورته كرئيس للدولة العظمى؟

 

نقاط تشابه واختلاف

مثل بايدن في أفغانستان، لم يكن بإمكان فورد أن يتحمّل كامل المسؤوليّة عمّا آلت إليه حرب فيتنام. بالمقابل، تمثّلت المسؤولية الكبرى للرجلين في تنفيذ عمليّة الإجلاء التي واجهت مشاكل جمّة مع كلا الإدارتين، وإن كان نصيب إدارة بايدن أكبر بما أنّها فقدت 13 جندياً أميركياً. كذلك، لم يوقّع فورد على اتّفاقيّة باريس للسلام لإنهاء الحرب في فيتنام (1973) ولم يوقّع بايدن على اتّفاق الدوحة مع طالبان (2020) لتأمين الانسحاب الأميركيّ. عند هذا الحدّ، ينتهي التشابه الهشّ بين طريقتي تعامل بايدن وفورد مع انسحاب أميركيّ بهذا الحجم من حربين مكلفتين.

 

ورثَ فورد الرئاسة عن ريتشارد نيكسون بسبب تنحيه عقب فضيحة "ووترغيت" (1974). بما أنّ فورد كان نائباً لنيكسون الذي وقّع الاتّفاق، لم يتمتّع بهامش كبير في التراجع عن توقيع رئيسه السابق. على العكس من ذلك، أمكن بايدن أن يتراجع عن اتّفاق الدوحة أو يعدّله بالنظر إلى الاختلاف الحزبيّ والسياسيّ والشخصيّ مع ترامب. وفي حين عمد بايدن إلى إنهاء عدد من سياسات سلفه بما فيها تلك المناخيّة والحدوديّة، فضّل الالتزام بالاتّفاق مع "طالبان" لأنّه بكلّ بساطة يناسب نظرته الأساسيّة إلى الحرب في أفغانستان. وعلى عكس فورد، ينتمي بايدن إلى حزب ديموقراطيّ منقسم بين الوسط وأقصى اليسار، حيث يسعى الأخير بكامل قواه إلى تقليص البصمة العسكرية الأميركية حول العالم. وثمّة مشكلة أخرى في نظرة بايدن السياسية الخارجية.

 

تناقضات

جادل بايدن بأنّه يريد إنهاء "الحرب التي لا تنتهي" من أجل التفرّغ للصين. بصرف النظر عن عدم صمود هذه الحجّة أمام التفنيد، تتحدّث تقارير عن مؤشّرات إلى بداية سياسة أميركيّة انفتاحيّة على الصين. وفي حين رشّح بايدن نفسه كرجل متشدّد تجاه روسيا على عكس منافسه دونالد ترامب كما كان يقول، أهدى الرئيس موسكو إعفاء شركتها المشغّلة لمشروع "نورد ستريم 2" من العقوبات. في هذا الإطار، وعلى الرغم من أنّ فورد ضرب الخمير الحمر لاحتجازهم مواطنين أميركيّين، قوبلت سياسته الانفتاحية على الاتحاد السوفياتي بانتقادات داخليّة حتى من الجمهوريين. تبيّن هذه المقارنات السريعة سبب ارتفاع احتمال مواجهة بايدن للعديد من المطبّات في السنوات المقبلة. وما يفاقم صعوبة تخطّي تلك المطبّات عدم تمتّع بايدن بنظرة دولية متجانسة، أقلّه لغاية اليوم، إلى الملفّات الملتهبة.

 

لدى بايدن ما يكفي من الوقت لاستدراك الأخطاء التي ارتكبها، على افتراض إدراكه أنّه أخطأ حقاً. لكنّ المشاكل التي يواجهها حتى في الداخل يمكن أن تجعل من شهر آب (أغسطس) بداية لإخفاق طويل في إدراته شؤون البلاد. من التضخّم وارتفاع الجرائم والفوضى على الحدود مروراً بسقوط أكبر عدد يوميّ من القتلى الأميركيين في أفغانستان منذ عقد، وصولاً إلى الارتفاع الكبير في إصابات "كورونا" وليس انتهاء بأكبر إعصار يضرب البلاد منذ إعصار كاترينا الكارثيّ سنة 2005، يتحتّم على بايدن مواجهة أسوأ لحظات رئاسته. لحظات قد تزداد سوءاً مع استغلال خصوم واشنطن الدوليين للفوضى الأميركية الداخلية والخارجية معاً.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم