إعلان

ماذا عن حظوظ ترامب الرئاسيّة بعد إصابته بكورونا؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرتدياً قناعاً لمواجهة كورونا
الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرتدياً قناعاً لمواجهة كورونا
A+ A-
كثيرة هي الأسئلة التي طُرحت بعد إعلان الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب إصابته بفيروس "كورونا". لعلّ أهمّها كيفيّة تأثير هذه الإصابة على حملته الانتخابيّة. ينطلق هذا السؤال من افتراض أن يكون ترامب قادراً سريعاً على التعافي ومعاودة خوض حملته الانتخابيّة بعد حوالي أسبوعين. لكنّه سيصبح على الأرجح أكثر حذراً من السابق في قضيّة تنظيم التجمّعات الحزبيّة. لو صحّت هذه الفرضيّة فقد يواجه ترامب أكثر من مشكلة.

"مختبئ في القبو"
تتعلّق الأولى بأنّ مؤيّديه كانوا يشيدون بتحرّكاته بالتزامن مع انتقادهم الشديد لمنافسه جو بايدن بسبب خوض حملته، أو بالأحرى إطلالاته الإعلاميّة، من منزله في مدينة ويلمينغتون بولاية ديلاوير. وذهب خصومه إلى انتقاده لدرجة أنّهم قالوا عنه إنّه "مختبئ في القبو".

سيكون ترامب مضطرّاً إمّا إلى التشبّه ببايدن و"الاختباء" في البيت الأبيض وإمّا إلى المخاطرة مجدّداً والنزول بين الناس 
في الهواء الطلق. وكلا الخيارين مكلف بالنسبة إليه. فخلال المناظرة الرئاسيّة انتقد ترامب منافسه لأنّه يرتدي الكمّامة حتى ولو كان على بعد ستين متراً من أقرب شخص إليه. بالمقابل، جلب الرئيس الأميركيّ الكمّامة معه لكنّه قال إنّه يرتديها عندما تدعو الحاجة. وأضاف أنّه ينظّم تجمّعاته الانتخابيّة في الهواء الطلق مشيراً إلى أن لا تداعيات سلبيّة نتجت عنها.
 
بذلك، سيشكّل تراجعه المحتمل مستقبلاً عن إجراء هذه التجمّعات اعترافاً بأنّها كانت خطوة سيّئة.
وكان المرشّح الجمهوريّ إلى الرئاسة الأميركية سنة 2012 هيرمان كاين قد توفّي بسبب الفيروس في آب. علماً أنّه دخل المستشفى بعد تسعة أيّام على حضور تجمّع انتخابي لترامب في تولسا. لكنّ تأكيد التقاطه الفيروس هناك بشكل قاطع يبقى صعباً، أقلّه بحسب المقرّبين منه. إنّ إصابة ترامب بالفيروس أعطت بايدن تفوّقاً معنويّاً لأنّه كان محقّاً في الحذر. وسبق أن بدأت الانتقادات تطال الرئيس بشكل مباشر وقاسٍ.

"يخسر الأرضيّة"
في شبكة "بلومبيرغ"، هاجم الكاتب السياسيّ البارز تيموثي أوبراين الرئيس الأميركيّ بوصفه "فشِل في حماية البلاد ثمّ فشِل في حماية نفسه". وسرد مجموعة من المواقف المتناقضة وغير العلميّة لترامب خلال الأشهر الماضية حول الموضوع. وانتقد الديموقراطيّون ترامب لأنّه أخفى خطورة الفيروس عن الشعب الأميركيّ بالرغم من أنّه كان مطّلعاً عليها، بحسب ما كشفه الصحافيّ بوب وودورد.

لم يقتنع خصوم الرئيس الأميركيّ بتبريره أنّه أراد تجنيب الأميركيّين الهلع. لكن في دولة شديدة الانقسام السياسيّ كالولايات المتّحدة، ليس صعباً تخيّل أنّه حتى لو أخبر ترامب الأميركيّين بحقيقة الفيروس، لكان سيتلقّى على الأرجح انتقادات من الديموقراطيّين لأنّه "يثير البلبلة".

تفوّقُ بايدن المعنويّ أو الإدراكيّ في حماية نفسه على يقابله خسارة جمهوريّة ميدانيّة. فترامب الذي بنى رأسماله الانتخابيّ على التنقّل من ولاية إلى أخرى سيواجه فرصاً فائتة في كسب الأصوات المتردّدة داخل الولايات المتأرجحة مثل ميشيغان وغيرها في الأيّام العشرة المقبلة.
هذا ما قاله أستاذ العلوم السياسية ومدير معهد الحكومة والسياسات في جامعة "ميشيغان الغربيّة" بيتر ويلهاور في
حديث إلى صحيفة "ديترويت فري برس". وهذا ما يوافقه عليه المستشار الديموقراطيّ السياسيّ في جنوب شرق ميشيغان دِي ماكبروم: "أعتقد أنّه بعبارات عمليّة إنّ أيّ وقت لا يشارك ترامب في حملة، أيّ وقت لا يجمع فيه الحشود، أيّ وقت لا يطلق فيه عبارات طنّانة... يخسر الأرضيّة".

بين الضعف والقوّة
قد تدفع إصابة ترامب بـ"كورونا" بعض الأميركيّين المستقلّين الذين يشكّلون حوالي 40% من البلاد إلى التعاطف معه. وفي سباق ضيّق كالذي تشهده الانتخابات الحاليّة، يمكن أن يقرّبه التعاطف من كسب ولاية ثانية. لكنّ هذا التعاطف سيكون محدوداً بحسب مجلّة "إيكونوميست" البريطانيّة ولن يكون كافياً لإغلاق الفارق الذي يفصله عن بايدن.
لكنّ رئيس الاستراتيجيّة الكمّيّة في مجموعة "جاي بي مورغان" المصرفيّة ماركو كولانوفيتش قال الجمعة إنّ تمتّع ترامب بتعاطف كبير لن يكون غريباً، إذ هذا ما حصل مع رئيس الوزراء البريطانيّ بوريس جونسون بعد إصابته بالفيروس في آذار. أمّا إذا تدهورت صحّته، فقد يخلق ذلك "مصالحة وطنيّة" بإمكانها أن ترفع حتى من حظوظ الجمهوريّين في مجلس الشيوخ.

إذا شفي الرئيس ولم تتدهور حالته الصحّيّة بشكل حادّ، سيرسل صورة بأنّه الرئيس "المقاتل" الذي تحدّى جميع المستحيلات، أكانت انتخابيّة (فوزه الرئاسيّ غير المتوقّع في 2016)، أو سياسيّة (خروجه سالماً إلى حدّ بعيد من تحقيقات مولر ومحاكمة الكونغرس) وأخيراً صحّيّة، مع افتراض خروجه منتصراً على "كوفيد-19".
ومع ذلك، يتناول الديموقراطيّون تصريحاً قديماً لترامب يهزأ فيه من كلينتون حينما كانت تعاني من التهاب رئويّ وقد بدت متعبة في بعض مراحل حملتها السابقة. بالتالي، بعدما كان ترامب يسخر من ضعف القدرات الصحّيّة للآخرين، بات عليه اليوم أن يتحمّل هو نفسه تبعات ضعفه الصحّيّ على قاعدته الانتخابيّة.
من جهته، تمنّى بايدن لترامب وزوجته الشفاء العاجل وذكر في تغريدة أنّه سيصلّي من أجل صحّة وسلامة الرئيس وعائلته. وثمّة بوادر لتخفيف بايدن هجومه على خصمه. ففي سلسلة تغريدات لاحقة، شدّد بايدن على ضرورة وحدة الأميركيّين لتخطّي الفيروس، كاتباً أنّ ذلك لا يمكن أن يكون لحظة حزبيّة بل أميركيّة مضيفاً: "نستطيع، يجب أن نتّحد، وسنتّحد". تخفيف حدّة هجوم بايدن سيرفع الضغط عن ترامب لكنّه يخدم المرشّح الديموقراطيّ بإظهار إنسانيّته ووطنيّته.

متغيّرات
في ما خصّ "كورونا"، قد لا تكون جميع ادّعاءات ترامب خاطئة. يربط الأستاذ المشارك لمادّة السياسات الأميركيّة في جامعة ملبورن الأوستراليّة تيموثي لينش بين احتمال تعافيه وما سبق أن قاله ترامب نفسه عن المرض بأنّ نسبة فتكه بمن يصابون به قليلة نسبيّاً. وهذا يعني أنّ الإغلاق العام أمرٌ مبالغ به كما كان يقول الرئيس الأميركيّ. وذكر لينش فرانكلين روزفلت الذي أمضى حياته على كرسيّ متحرّك وقد ساعده مرضه (شلل الأطفال) على الاحتفاظ بالرئاسة لاثني عشر عاماً. وانتصر روزفلت على سلفه هيربرت هوفر سنة 1932 بفارق كبير. كذلك، حين توفّي الرئيس الأسبق وارن هاردينغ بنوبة قلبيّة في مكتبه، بقي الحزب الجمهوريّ في البيت الأبيض لعشر سنوات.

ثمّة الكثير من المتغيّرات التي يمكن أن تطرأ في حال شفي ترامب بعد حوالي عشرة أيّام. فقد يعلّق هجومه على بايدن والديموقراطيّين أو قد يعود إلى "عاداته القديمة" إذا خرج من محنته شاعراً بأنّه بات أقوى و"غير قابل للهزيمة" وأنّه محقّ في كون الفيروس غير فتّاك إلى هذا الحدّ ولا يستدعي الإغلاق الشامل. لكنّه قد يخرج أيضاً بشخصيّة مختلفة فيصبح أقلّ حدّة وأكثر قدرة على النقاش الهادئ. ما تمرّ به الولايات المتّحدة اليوم استثنائيّ. لهذا السبب، لا يملك المراقبون جواباً حاسماً على تأثير إصابة الرئيس بفيروس "كورونا" على حظوظه الانتخابيّة. سينتظرون نتائج الانتخابات ليقيسوا بعدها تحوّلات الرأي العام ثمّ البناء عليها من أجل تحليل حالات مشابهة قد تطرأ في المستقبل.



الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم