إعلان

كيف يسرّع بايدن تحوّل أميركا إلى "قوّة مارقة"؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس الأميركي جو بايدن خلال حملته الانتخابية، تشرين الأول 2020 - "أ ب"
الرئيس الأميركي جو بايدن خلال حملته الانتخابية، تشرين الأول 2020 - "أ ب"
A+ A-

  توقّع أستاذ العلوم السياسية في جامعة تافتس مايكل بَكلي أن تهيمن نظرة "أميركا أوّلاً" على السياسة الخارجيّة الأميركيّة طوال العقود المقبلة. بالنسبة إليه، تشكّل هذه النظرة القاعدة في السياسة الخارجيّة لا الاستثناء.

 

ثمّة العديد من الشواهد التاريخيّة التي تؤكّد هذا المسار. وذكر مؤشّرين يدعمان توقّعاته بالنسبة إلى ما تبقّى من القرن الحاليّ: العالم الذي يشيخ والذي أصبح للمرّة الأولى في التاريخ يضمّ عدد مسنّين فوق الرابعة والستّين من العمر أكثر ممّا يضمّ أطفالاً تحت السادسة. تمّ تسجيل ذلك في 2018. أمّا المؤشّر الثاني فهو الأتمتة التي ستسيطر على نصف الوظائف في الاقتصاد سنة 2030.

 

هذان المؤشّران يفرضان مشاكل كبيرة على غالبيّة الدول الغربيّة الحليفة للولايات المتّحدة لأنّها تشيخ سريعاً وهي غير قابلة للتعويض عن قوّتها العاملة. فهذه الفئة ستنخفض بما معدّله 12% خلال العقود الثلاثة المقبلة لدى الدول الغربيّة الحليفة لواشنطن. يضاف إلى ذلك تقلّص الوظائف المتاحة أمام الملايين، الأمر الذي سيجعلها ضعيفة اقتصاديّاً ومعرّضة لعوامل اجتماعيّة ضاغطة. أمّا الولايات المتّحدة فستبقى بمنأى نسبيّاً عن هذه التداعيات خصوصاً لجهة تجديد قوّتها العاملة التي سترتفع خلال السنوات الخمسين المقبلة.

 

يعني هذا أيضاً أنّها ستحافظ على تجدّد قوّتها العسكريّة في تلك الفترة. لهذا السبب، بالإمكان توقّع انكسار في توازن العلاقات بين واشنطن وحلفائها الغربيّين الذين سيصبحون أكثر اعتماداً عليها لتأمين الحماية والدعم الماليّ. لكن ما تأثير كلّ ذلك على المشهد الدوليّ؟

 

صورة قاتمة

بحسب بكلي، يمكن توقّع سيناريو قاتم. ستصبح الولايات المتّحدة أقوى لكنّ ذلك لا يعني أنّها ستتفرّغ لحماية النظام الدوليّ الليبيراليّ. بل ستتحوّل إلى "قوّة عظمى مارقة"، إلى "عملاق عسكريّ واقتصاديّ يفتقر إلى الالتزامات الأخلاقيّة، ليس انعزاليّاً ولا دوليّاً، بل عدوانيّاً متسلّحاً بشدّة، ويتحرّك في الخارج لتأمين مصلحته بشكل كامل". وسيستمرّ تحوّل الجيش الأميركيّ من قوّة تحمي إلى قوّة تعاقب بينما يرتدي التدخّل العسكريّ الليبيراليّ نسخة قوميّة.

 

حينها، قد توقّع واشنطن على اتفاقات تجاريّة لكن فقط مع الدول التي تعتمد القواعد التنظيميّة الأميركيّة. وقد تشارك في المؤسّسات الدوليّة لكنّها ستهدّد بالانسحاب منها إذا لم تلبِّ مصالحها. وستواصل الترويج للقيم الديموقراطيّة لكن فقط من أجل زعزعة استقرار منافسيها الجيوسياسيّين. ترسانتها الإكراهيّة الهائلة (جيش، رسوم، تجسّس...) هي مجرّد أداة لانتزاع أفضل العقود من أعدائها وأصدقائها معاً.

 

لن يبقى لواشنطن حلفاء حقيقيّون في المستقبل سوى قلّة قليلة تنقسم إلى مجموعتين: الأولى تضمّ اليابان وأوستراليا وكندا والمملكة المتّحدة حيث ستحافظ جميعها على قوّتها الاقتصاديّة (مجتمعات شابّة باستثناء اليابان) وبالتالي ستكون قادرة على دفع الأموال لواشنطن لتأمين الحماية.

 

وتتمتّع هذه الدول بعلاقات استخباريّة مندمجة في المظلّة الاستخباريّة الأميركيّة. أمّا المجموعة الثانية فتتكوّن من دول الخليج والبلطيق وتايوان لأنّها قريبة جغرافيّاً من خصوم واشنطن. وجميع التحالفات الأخرى بما فيها "الناتو" قابلة للتفاوض – إن لم يكن للزوال.

 

بايدن وإرضاء اليسار

ليست هذه النتائج حتميّة بحسب بَكلي بل يجب على الإدارات المقبلة أن تحوّل النزعات القوميّة إلى أخرى دوليّة. كتب الأستاذ الجامعيّ دراسته في مجلّة "فورين أفيرز" قبل فوز بايدن بالرئاسة. تعهّد الأخير العمل مجدّداً على توحيد الأميركيّين بعد أربع سنوات من الاستقطاب الحادّ.

 

ووعد أيضاً الحلفاء الغربيّين بالعودة إلى احترام الالتزامات الدوليّة والنظام الدوليّ الليبيراليّ. إذا نجح في مهمّته فقد يضع الولايات المتّحدة على السكّة الصحيحة، أو قد يؤخّر بالحدّ الأدنى تحوّل بلاده إلى تلك "القوّة العظمى المارقة". لكنّ نظرة سريعة إلى ما فعله بايدن خلال أسبوعين على تولّيه الرئاسة لا تفتح أبواب التفاؤل على مصراعيها.

 

يواصل بايدن العمل على استعادة الوجوه السابقة في إدارة أوباما وكأنّ همّه الأساسيّ قلب سياسات ترامب مهما كانت. ليست هذه رسالة ودّية إلى 75 مليون أميركيّ انتخبوا المرشّح الجمهوريّ. حتى طريقة اختياره للوزراء ومساعديه تقوم بشكل غالب على أسس تمثيل الهويّات العرقيّة والجنسيّة التي يشدّد اليسار على محوريّتها في السياسة الأميركيّة.

 

على سبيل المثال، تخلّى بايدن، على الأرجح بضغط من اليسار، عن ميشال فلورنوي كمرشّحة لوزارة الدفاع مفضّلاً اختيار شخص لا يملك خبرة في المجال السياسيّ وهو الجنرال السابق من أصل أميركيّ-أفريقيّ لويد أوستين. واضطرّ إلى خرق مدنيّة هذا المنصب والتي شدّد المشرّعون الأميركيّون عليها من أجل منع تضارب المصالح لدى الجيش الأميركيّ مع تولّي قادته هذه الوظيفة.

 

انتقد الكاتب السياسي البارز في صحيفة الشرق الأوسط الصادرة باللغة الإنكليزيّة أمير طاهري هذه الظاهرة مشيراً إلى أنّ اختيار المسؤولين بسبب انتمائهم الأقلّويّ ليس مدعاة إشادة. وأضاف متسائلاً عن أنّه إذا لم يلعب هذا الانتماء دوراً في العمليّة، لماذا كلّ هذا الضجيج عن "القوس-قزحيّة" والتمثيل التقدّميّ؟

 

انطلاقة متعثرة في الخارج

إن كان اختيار بايدن لمستشاريه يثير علامات استفهام كثيرة في الداخل الأميركيّ، فخطواته في السياسة الخارجيّة تزيد من ضبابيّة معاييره. لا ينطبق هذا الكلام على طريقة تعاطيه مع معارضيه في الداخل وحسب بل يشمل أيضاً أسلوب تعامله مع من يفترض أنّهم حلفاؤه. فإلغاء خطّ أنابيب "كيستون أكس أل" الذي يمدّ الولايات المتّحدة بالخام الكنديّ فاجأ الكنديّين أنفسهم بطريقة سلبيّة. كذلك، بدأ بايدن يخفّف من قوانين الهجرة مع شكل من أشكال العفو عن المهاجرين غير الشرعيّين. بالتالي، يمكن توقّع تدفّق المزيد من المهاجرين القادمين من أميركا الوسطى نحو الولايات المتّحدة عبر المكسيك.

 

ولن يكون الرئيس أندريس مانويل لوبيز أوبرادور مقدّراً لاحتمال تسبّب بايدن بحدوث هذه الموجة وفقاً لما يكتبه الباحث في مؤسّسة "ناشونال إنترست" كريستشن ويتون الذي انتقد أيضاً أوستين لعدم قدرته على ذكر اسم الصين بعد تولّيه منصبه. ولم يتحدّث إلّا عن معارضة "المحاولات الأحاديّة الجانب لتغيير الوضع الراهن في بحر الصين الجنوبي". وانتقد كثرٌ عودة بايدن إلى اتّفاقيّة باريس للمناخ من دون أن يحاول التفاوض على قيود جديدة تحدّ من انبعاثات الصين.

 

لم يضئ على هذه السياسات الكتّاب الأميركيّون المحافظون فقط. يسعى بايدن إلى تعزيز التحالفات مع الدول الأوروبّيّة من دون أيّ حوار على تأدية قسطهم في تحسين التحالف. ليس المطلوب أن يكون بايدن نسخة ثانية من ترامب في طريقة حديثه إلى الحلفاء الأوروبّيّين. لكن سيتوجّب عليه المطالبة بجهد مشترك متوازن للعلاقات العابرة للأطلسيّ.

 

"تحيّة الإصبع الأوسط"

ثمّة كلام أميركيّ كثير يمكن أن يقال للحلفاء. عنوان تقرير كبير مراسلي مجلّة "بوليتيكو" في ألمانيا مات كارنيتشينغ صادم، لكنّه يقدّم تحذيراً للإدارة الأميركيّة حول سياسات بروكسل الخارجيّة: "أوروبا تقدّم إصبعها الأوسط إلى بايدن كتحيّة".

 

يذكر كارنيتشينغ أمثلة عدّة عن تلك التحيّة: إصرار الاتّحاد الأوروبّيّ على توقيع عقد استثماريّ بارز مع الصين في كانون الأوّل (ديسمبر)على الرغم من اعتراضات فريق بايدن وطلبه الانتظار حتى تسلّم الإدارة. ولم تستغلّ برلين اعتقال المعارض الروسيّ أليكسي نافالني لإيقاف مشروع "نورد ستريم 2" مع روسيا على الرغم من اعتراضات الأميركيّين والأوروبّيّن الشرقيّين. حتى الممثّل الأعلى للسياسة الخارجيّة الأوروبّيّة جوزيب بوريل أكّد زيارته موسكو قائلاً إنّه "وقت جيّد للتواصل والحديث مع السلطات الروسيّة". فرنسا وإيطاليا والمفوّضيّة الأوروبّيّة قريبة أيضاً من الموقف الألمانيّ في تليين الموقف مع روسيا والصين.

 

كان ترامب محقّاً حين قال إنّ ألمانيا تطلب منه الحماية من روسيا ثمّ تعقد اتّفاقات مع موسكو بمليارات الدولارات. يضاف إلى كلّ ذلك أنّ ألمانيا لا تزال بحاجة إلى عقد من الزمن حتى ترفع نسبة مساهمتها في الإنفاق الدفاعيّ إلى 2%، بينما اليونان ملتزمة بهذه النسبة على الرغم من قدراتها الماليّة المحدودة.

 

تسريع الكارثة

إذا واصل بايدن نهجه الحاليّ في سياساته الداخليّة والخارجيّة فسيصعب تصوّر كيفيّة مساعدته المجتمع الأميركيّ على الاتّحاد مجدّداً. وسيتساءل دافعو الضرائب الأميركيّون عن السبب الذي يجعلهم يلتزمون بأمن حلفائهم فيما هؤلاء مقصّرون بتنفيذ التزاماتهم أو مصرّون على خرقها. سياسة بايدن الحاليّة هي وصفة مثاليّة لتعزيز الاستقطاب والشعبويّة في الداخل الأميركيّ. سينعكس ذلك حكماً على السياسة الخارجيّة الأميركيّة التي ستصبح إمّا أقلّ فاعليّة إذا تسلّم الديموقراطيّون الإدارة وإمّا أكثر تنمّراً بوجود جمهوريّين في البيت الأبيض. وفي كلتا الحالتين، سيتعرّض النظام الدوليّ الليبيراليّ الذي يدافع عنه بايدن تحديداً لخطر الانهيار.

 

في حديث إلى "فوكس نيوز" قال المستشار البارز السابق لدونالد ترامب بيتر نافارو إنّه حين يفوز مجدّداً سنة 2024 بفارق شاسع، سيعيد ترامب إلغاء الأوامر التنفيذيّة لبايدن. بصرف النظر عمّا إذا كان ترامب سيترشّح مجدّداً، لكنّ كلام نافارو ينطبق على أيّ رئيس جمهوريّ قد يصل إلى البيت الأبيض بعد أربع أو ثماني سنوات. بصرف النظر عن نواياه، تشي أفعال بايدن بأنّه يعيد صياغة الولايات المتّحدة بالشكل القاتم الذي توقّعه بَكلي.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم