إعلان

هل يفجّر الثلثاء تعقيدات نظام الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة؟

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
صورة مُدمجة للمرشحين إلى الرئاسة الأميركي دونالد ترامب وجو بايدن خلال المناظرة الأولى في 29 أيلول - "أ ب"
صورة مُدمجة للمرشحين إلى الرئاسة الأميركي دونالد ترامب وجو بايدن خلال المناظرة الأولى في 29 أيلول - "أ ب"
A+ A-
تعود "التعقيدات" في نظام الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة إلى المسار التأسيسيّ الطويل الذي مرّت فيه الولايات المتّحدة والتي نشأت أوّلاً كتحالف بين ثلاث عشرة مستعمرة شماليّة لمواجهة الاستعمار البريطانيّ، قبل أن يصل عدد الولايات اليوم إلى خمسين إضافة إلى مقاطعة كولومبيا التي تضمّ العاصمة واشنطن. من أجل الحفاظ على خصوصيّة الولايات التي اتّحدت في إطار كونفيديراليّ ثمّ فيديراليّ، وجد الآباء المؤسّسون في طريقة الانتخاب غير المباشرة تسوية بين آراء وهواجس عدّة.

عبر طرح الاقتراع المباشر، خافت الولايات ذات الحجم السكّانيّ الضئيل من سيطرة الولايات ذات الكثافة السكّانيّة الأكبر. كما خافت الولايات الجنوبيّة من سيطرة الشمال. ردّاً على هذه الهواجس، اقترح المشرّعون أن يتمّ انتخاب الرئيس عبر الكونغرس. لكنّ النقّاد قالوا إنّ هذا الأمر يضرّ بفصل السلطات ويجعل الرئيس أسيراً للسلطة التشريعيّة. من هنا، جاء الاتّفاق على المجمع الانتخابيّ كسلطة منفصلة عن الكونغرس، وكهيئة لا تملك نفوذاً على الرئيس. كذلك، انطلقت فكرة الناخبين الكبار في هذا المجمع من مخاوف مرتبطة بعدم أهليّة الشعب لاختيار الرئيس بالنظر إلى عدم تمتّعه بالمعلومات الكافية لإصدار حكم صالح في هذا المجال، بعكس الناخبين الكبار.


طريقة الانتخاب
 
يجسّد المجمع الانتخابيّ العدد نفسه لممثّلي الولايات في الكونغرس (شرط عدم شغل الناخب الكبير منصباً فيه). على الصعيد النيابيّ، هنالك 435 ممثّلاً للولايات. يتأسّس هذا التمثيل بناء على الحجم السكّانيّ للولايات. فكاليفورنيا التي تُعدّ الولاية السكّانيّة الكبرى تتمتّع بـ 52 نائباً. بينما ألاسكا التي تعدّ من أصغر الولايات على الصعيد السكّانيّ تتمتّع بنائب واحد. يختلف الأمر نسبيّاً على مستوى مجلس الشيوخ،
إذ تصبح جميع الولايات متساوية لجهة التمثيل مع سيناتورين عن كلّ ولاية بغضّ النظر عن حجم سكّانها.
 
من هنا، تتمتّع كلّ من كاليفورنيا وألاسكا بعضوين في مجلس الشيوخ. بذلك، يضاف عدد النوّاب إلى عدد أعضاء مجلس الشيوخ مع ثلاثة ناخبين كبار عن كولومبيا كي يصبح العدد الإجماليّ للناخبين الكبار في المجمع الانتخابي 538. ويفوز المرشّح الرئاسيّ الذي يحظى بالغالبيّة المطلقة من عدد أعضائه أي 270 ناخباً كبيراً. بالتالي، يمثّل هذا المجمع الهيئة الوسيطة بين الشعب والرئيس والتي تمثّل رأي المقترعين عند انعقادها لانتخاب الرئيس في كانون الأوّل. تُعرف النتيجة سلفاً في انتخابات تشرين الثاني.
 
فهؤلاء الناخبون الكبار يتمّ اختيارهم من قبل اللجان الحزبيّة ويتعهّدون التصويت أمامها لمصلحة الحزب في حال فوزه.
على صعيد الولاية، تصدر النتائج على قاعدة أنّ الفائز يحصد جميع أصوات الولاية “the winner takes it all” بمعنى أنّ من سيمثّل الولاية هم ناخبون كبار من الحزب نفسه، بمجرّد أن يحصل هذا الحزب على تصويت شعبيّ أكبر من حصّة الحزب المنافس مهما كان الفارق ضئيلاً. هذا ما حصل على سبيل المثال مع الرئيس  دونالد ترامب حين فاز على منافسته هيلاري كلينتون في ويسكونسن سنة 2016 بأقلّ من 1% فسيطر على جميع الناخبين العشرة الكبار للولاية. تختلف ولايتا ماين ونيبراسكا قليلاً لجهة تحديد ناخبيها الكبار إذ إنّهما تتمتّعان بناخب كبير على مستوى كلّ ولاية وناخبين وثلاث لتمثيل الدوائر الانتخابيّة الداخليّة. 

أوّل اثنين بعد أوّل ثلثاء
 
يتوجّه الأميركيّون إلى صناديق الاقتراع كلّ أوّل ثلثاء بعد أوّل اثنين في تشرين الثاني كلّ أربع سنوات (كبيس). أمّا سبب اختيار شهر تشرين الثاني فيعود إلى الاقتصاد الزراعيّ الذي كان سائداً في الولايات المتّحدة. تمّ تحاشي اختيار فصل الشتاء لأنّ الطرقات تكون مقطوعة بالثلوج في الولايات الشماليّة ويصعب على العربات التي تجرّها الأحصنة اختراقها. وبما أنّ الربيع يكون موسم الزراعة وفصلي الصيف وأوائل الخريف يشكّلان فترة الحصاد، اختير تشرين الثاني بسبب انتهاء فترة الحصاد ولأنّ الشتاء لا يكون قد حلّ بعد.

ينطلق اختيار الثلثاء من الأسباب نفسها تقريباً. في عطلة نهاية الأسبوع، يرتاد الأميركيّون الكنائس يوم الأحد لذلك بات المشرّعون أمام خيار تنظيمها وسط الأسبوع. في زمن المواصلات الصعبة، كان المواطنون بحاجة إلى يوم تقريباً للانتقال من الريف إلى مراكز الاقتراع. ولم يكن بالإمكان اختيار يوم الأربعاء لأنّه كان مخصّصاً للسوق وبيع المنتجات الزراعيّة، لهذا السبب اختير الثلثاء كحلّ وسط. لكن لماذا أوّل ثلثاء بعد أوّل
اثنين؟
 
أعطى المشرّعون الولايات حقّ اختيار التوقيت المناسب لإجراء الانتخابات الرئاسيّة، شرط أن تقع ضمن فترة 34 يوماً قبل اجتماع الناخبين الكبار في أوّل أربعاء من كانون الأوّل. وسرى هذا القانون منذ سنة 1792. ثمّ برز تطوّر مهمّ في أواسط القرن التاسع عشر. مع اختراع التيليغراف سنة 1837 وانتشاره بعد بضع سنوات، تخوّف المشرّعون من أن تؤثّر نتيجة الانتخابات في الولايات التي تنظّم الاستحقاق الرئاسيّ باكراً على طريقة تصويت الناخبين في الولايات التي تنظّم عمليّتها الانتخابيّة لاحقاً، خصوصاً إن كانت الأخيرة ستحدّد الوجهة النهائيّة للمسار الانتخابيّ. من ضمن مشروع التعديل الذي تقدّم به المشرّعون سنة 1845، جعلُ اليوم الموحّد للانتخابات يوم الثلاثاء. لكنّهم لاحظوا أنّ الاكتفاء بهذا التاريخ قد يجعل الثلاثاء يقع خارج فترة الأيّام الأربعة والثلاثين. لذلك، يمكن أن يقع يوم الثلثاء الكبير بين 2 و 8 تشرين الثاني فقط. لكن سنة 1887 نُقل انعقاد الجمع الانتخابي إلى الاثنين الثاني في كانون الثاني، قبل أن يصبح سنة 1936 يوم الاثنين بعد الأربعاء الثاني في كانون الأوّل. وهذا ما هو معمول به حاليّاً.

انتقادات وسؤال بارز
 
رأى البعض أنّ الأسباب التي اقتضت إجراء الانتخابات يوم الثلثاء في العصر الزراعيّ انتفت حاليّاً خصوصاً أنّ عدم إجرائها في عطلة نهاية الأسبوع يساهم في تخفيض نسبة الاقتراع بما أنّ يوم الثلثاء الكبير ليس يوم عطلة في جميع الولايات. لكنّ هذه الأصوات تبقى محدودة نسبيّاً. ما يثير التحفّظ أكثر هو المجمع الانتخابيّ.

بداية، قد يكسر الناخبون الكبار تعهّدهم ويصوّتون لصالح مرشّح آخر غير مرشّح حزبهم. هنالك ولايات تفرض غرامات أو إقالات للناخبين "المارقين" في حال أقدموا على هذا الخيار. لكن هنالك ولايات لا تفرض هذه الإجراءات. في السابق، كان خروج الناخبين الكبار عن تعهّدهم غير مؤثّر. حصل ذلك في سنة 2016 مع سبعة خروقات. لكن إذا كان التنافس أكثر احتداماً يمكن أن يحوّل ذلك مسار الانتخابات. يظلّ هذا الاحتمال غير مرجّح. لكن في 2020، قد لا يكون منطقيّاً إسقاط هذا الاحتمال نهائيّاً.

في الغالبيّة الساحقة من الحالات، ترافق فوز الرئيس بأصوات المجمع الانتخابي مع فوزه بأصوات مجمل الناخبين الأميركيّين. لم يعرف التاريخ الأميركيّ سوى خمسة رؤساء خسروا التصويت الشعبيّ لكنّهم فازوا بأصوات الناخبين الكبار في المجمع الانتخابيّ، ثلاثة في القرن التاسع عشر واثنين في القرن الواحد والعشرين: جورج بوش الابن (2000) ودونالد ترامب (2016).

اليوم، يُظهر معدّل استطلاعات الرأي تقدّماً كبيراً للمرشّح الديموقراطيّ جو بايدن على المستوى الوطنيّ يصل إلى أكثر من 7%. يصعب أن تخطئ استطلاعات الرأي إلى درجة تحقيق ترامب انتصاراً على المستوى الشعبيّ. لكنّ المفاجأة حاضرة على مستوى الولايات المتأرجحة التي قد تعطيه الفوز على الرغم من أنّ المعدّلات تظهر بايدن متقدّماً بفارق أدنى. لو فاز ترامب بأصوات المجمع الانتخابيّ وخسر التصويت الشعبيّ فهل سيقبل الديموقراطيّون باستمرار هذا المجمع الذي حرمهم من الرئاسة ثلاث مرّات في عقدين فقط؟ قد يكون هذا أبرز سؤال ينتظر المراقبين بعد الانتخابات في حال تحقّق هذا السيناريو. 


الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم