إعلان

لماذا تتراجع شعبية بايدن؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس الأميركي جو بايدن - "أ ب"
الرئيس الأميركي جو بايدن - "أ ب"
A+ A-

للمرّة الأولى منذ وصوله إلى البيت الأبيض في كانون الثاني (يناير) 2021، شهد أحد استطلاعات الرأي نسبة معارضة شعبية للرئيس الأميركي جو بايدن أعلى من نسبة تأييده. في استطلاع رأي لشركة "راسموسن" أجري بين 27 و29 تموز (يوليو) وشمل 1500 ناخب مرجح، أيّد 47 في المئة من الأميركيين أداء الرئيس في مقابل معارضة 51 في المئة له ممّا يجعل فارق التأييد ناقص 4 في المئة. وفي تفصيل أكبر، بلغت نسبة من يؤيّد الرئيس بشدّة 27 في المئة ومن يعارضه بشدّة 42 في المئة.

 

إنّ استطلاع شركة "راسموسن" هو الوحيد الذي يرى أنّ فارق التأييد لمصلحة الرئيس سلبيّ. جميع الاستطلاعات الأخرى تظهر فارقاً إيجابياً وأحياناً كبيراً يصل إلى زائد 12 في المئة كما هي الحال مع استطلاع رأي لـ"رويترز/إيبسوس" أجري بين 28 و 29 تموز (يوليو).

 

مع ذلك، هنالك أمر مؤكّد تظهره الرسوم البيانية لمعدّل استطلاعات الرأي منذ أواخر كانون الثاني (يناير) وحتى أواخر الشهر الماضي، وفقاً لموقع "ريل كلير بوليتيكس". الفارق بين تأييد ومعارضة الرئيس يتقلّص بشكل سريع جداً، وشبه ثابت. بين 29 و31 كانون الثاني (يناير) وصل الفارق إلى + 20.3 في المئة وهو الرقم الأعلى الذي حصده الرئيس. أما في 30 تموز (يوليو) فقد انخفض إلى حد +6.4 في المئة.

 

8 مؤشرات سلبية

يبدو أنّ هذا التراجع الكبير مبنيّ على عوامل جوهرية بدأت تبرز خلال الأشهر القليلة الماضية، حيث سلّط موقع "إيشوز أند إنسايتس" الضوء على ثمانية مؤشرات تدلّ إليها بشكل واضح. وأظهر الموقع أنّ الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة في الربع الثاني وصل إلى 6.5 في المئة وهو رقم جيّد لكنّه أقلّ من التوقعات التي أوصلت الرقم إلى 8.5 في المئة وحتى 9 في المئة. بالكاد ارتفع هذا الرقم عن الربع الأوّل مع الإشارة إلى أنّ سياسات بايدن لم تنتج مفاعيلها سوى في الربع الثاني.

 

والمؤشرات الأساسية التي لفت الموقع النظر إليها هي: نسبة التضخّم التي ارتفعت بشكل مطّرد من 1.3 في المئة في كانون الثاني (يناير) إلى 5.2 في المئة في حزيران (يونيو) بسبب حزمة التحفيز الضخمة التي أطلقها الرئيس بعد حزمتين أقرّتها إدارة ترامب. أدّى اقتران ارتفاع نسبة البطالة بارتفاع التضخّم إلى ازدياد مؤشّر البؤس أيضاً بشكل مطّرد: 7.9 في كانون الثاني (يناير) إلى أكثر من 11 في حزيران (يونيو).

 

بالتوازي، ارتفع مؤشّر الإجهاد المالي من 56.8 في نيسان (أبريل) إلى 61.9 في حزيران (يونيو). مؤشّر التشاؤم أيضاً شهد ارتفاعاً من 36 في المئة في نيسان إلى 55 في المئة في تموز. بالمقابل، ومع قياس الأجور بالنسبة إلى التضخّم، شهد أجر العاملين في القطاع الخاص انخفاضاً ثابتاً منذ كانون الثاني (يناير): 11.41 دولاراً في الساعة إلى 11.22 في حزيران (يونيو).

 

والمؤشّر الأمنيّ الذي قد يكون الأخطر في هذا المجال، هو ارتفاع نسبة الجرائم بين كانون الثاني (يناير) – آذار (مارس) 2021 عن الفترة نفسها في 2020: 28.7 في المئة في عمليات القتل و 9.4 في المئة للاعتداءات الخطيرة.

 

وارتفع عدد الاعتقالات للمهاجرين غير الشرعيين التي تجريها دوريات الحدود الأميركية من حوالي 75 ألفاً في كانون الثاني (يناير) إلى حوالي 180 ألفاً في حزيران (يونيو). والأمر نفسه ينطبق على إصابات "كورونا" اليومية من حوالي 50 ألفاً من حزيران (يونيو) إلى حوالي 170 ألفاً أواخر الشهر الماضي.

 

الأمن والجرائم

في وقت لا يتحمّل بايدن مسؤولية ارتفاع الإصابات بـ"كورونا" بسبب متحوّر "دلتا" الجديد الأسرع انتشاراً، خصوصاً أنّ نسبة الوفيات لم ترتفع، يبقى أنّ بايدن غير قادر على إعفاء نفسه من المسؤولية ولو الجزئية عن المؤشّرات الأخرى. على الصعيد الأمنيّ مثلاً بلغت الجرائم في مدينة شيكاغو حداً أطلق فيه البعض على المدينة تسمية "شيراق" وهي دمج بين أول حرفين من اسم المدينة وآخر ثلاثة أحرف من اسم العراق. غير أنّ كتّاباً سياسيين مثل جون كاسّ الذي كان كاتب عمود في صحيفة "شيكاغو تريبيون"، قالوا إنّ هذا التوصيف إهانة للعراق. يلوم كاس في مدوّنته الديموقراطيين الذين حكموا المدينة طوال قرن من الزمن تقريباً وقد اتّبعوا السياسات نفسها سنويّاً منغمسين في الخطابات العرقية والمنظور الآيديولوجي الذي يوفّر لهم الإشادة من الحزب الديموقراطي الوطني، لكنّه "يعميهم" عن الحقائق الميدانية.

 

من جهته، يذكر النائب الجمهوري السابق بيتر كينغ كيف ارتفعت نسبة الجرائم العنيفة في نيويورك منذ التظاهرات التي اندلعت احتجاجاً على مقتل جورج فلويد بنسبة 105 في المئة والقتل بنسبة 40 في المئة. يلقي الديموقراطيون اللوم في ارتفاع نسبة الجرائم على تفشي "كورونا" والسماح باقتناء السلاح. يردّ كينغ في صحيفة "ذا هيل" بأنّه أيّد تنظيم السلاح حين كان نائباً، مشيراً إلى أنّ الأسلحة كانت دوماً بحوزة الأشرار. الفرق بحسب رأيه أنّه كان يمكن لوحدات النخبة في الشرطة مكافحة حيازة السلاح غير الشرعي عبر توقيف المشتبه به واستجوابه وتفتيشه، لكنّ الديموقراطيين أنهوا ذلك. وتوقّع كينغ أن يتمكّن الجمهوريون من استعادة مجلس النواب في الانتخابات النصفية سنة 2022 لو طرحوا هذه القضية في حملاتهم.

 

الخطر الثاني

التضخّم هو أيضاً مشكلة جوهريّة للرئيس الأميركيّ. حتى شبكة "سي أن أن" المؤيّدة إجمالاً لسياسات الديموقراطيين حذّرت في 25 أيار (مايو) من أنّ التضخّم يعود وأنّه "آن الأوان لدق جرس الإنذار في البيت الأبيض". وحذّرت أيضاً من أنّ هذه الظاهرة ستؤذي سياسة بايدن في مكافحة غياب العدالة الاجتماعية بما أنّ التضخّم يترك أثراً أكبر لدى الفقراء. وذكر التقرير بروز مخاوف من تحوّل "نفسيّ" لدى علماء الاقتصاد وحتى المستهلكين إزاء التضخم، حيث يظنّ هؤلاء أنّ تلك الظاهرة مستمرّة فيعدّلون سلوكهم بناء على هذا الاعتقاد.

 

في 19 تموز (يوليو)، أطلّ بايدن على الأميركيين قائلاً إنّ خطته "إعادة البناء بشكل أفضل" ستعيد تخفيض الأسعار وأنّ الاستثمارات في البنية التحتية ودعم الأسرة البالغة قيمتها 4.5 تريليونات دولار ستموّل عقوداً من النموّ الاقتصادي وتزيد القوة العاملة وتحافظ على أسعار منخفضة. ويقول مؤيّدو الإدارة إنّ هذا الارتفاع سيكون موقتاً وإنّ جزءاً منه يعود إلى الخلل في سلسلة التوريد المرتبطة بالجائحة، كالنقص في رقائق أشباه الموصلات الذي أجبر مصانع السيارات على التوقف عن العمل وتقلّص معروض السيارات المتاحة ورفع أسعار السيارات الموجودة.

 

في تموز (يوليو) الماضي أيضاً، سألت "كلية لندن للاقتصاد" 38 خبيراً حول ما إذا كانت سياسات بايدن الإنفاقية هي التي تتسبّب بالتضخّم. جاءت النتيجة غير حاسمة: 36 في المئة من الخبراء غير متأكدين، 33 في المئة يوافقون على أنّ سياسات بايدن هي السبب، 26 في المئة يعارضون هذا التحليل  4 في المئة يعارضونه بشدة. وبين 15 و 19 تموز (يوليو)، أجرت وكالة "أسوشييتد برس" بالتعاون مع "معهد نورك لأبحاث الشأن العام" استطلاع رأي وجد أنّ 54 في المئة من الأميركيين يقولون إنّ الاقتصاد في حال سيئة مقابل 45 في المئة يقولون إنّه في حال جيّدة. تظهر هذه الأرقام أنّ الأجواء الشعبية غير مؤاتية للرئيس، وإن كانت قابلة للتغيّر بما أنّ الهامش ليس كبيراً. مع ذلك، قد لا يتسنّى للديموقراطيين وقتٌ كاف لعكس مسار التضخّم قبل الانتخابات المقبلة.

 

الحدود

يعتقد جون ماكاي في مجلة "سبكتاتيتور" أنّ ما أظهرته استطلاعات "راسموسن" ليس مفاجئاً وليس سوى بداية انهيار بايدن، على الرغم من اعترافه بأنّه لا يزال أمامه وقت طويل كي يصمد أو يحسّن حظوظه إذا غيّر سياسته. ركّز ماكاي على رهانات الديموقراطيين بأنّ تشريع الأبواب أمام المهاجرين الهيسبانيين سيعزّز حظوظهم الانتخابية. لكنّ ذلك لا يجذب اهتمامات الأميركيين-الهيسبانيين خصوصاً من الجيل الثاني وما بعد.

 

لقد ارتفعت نسبة تأييد ترامب بين هذه الفئة الناخبة لدى سيطرته على الحدود وتقليص عصابات "أم أس-13" من الشوارع وحصول أبنائهم على المزيد من حصص اللغة الإنكليزية. وانخفض وقت انتظار هؤلاء داخل غرف الطوارئ في حال تعرّضهم لحادث صحّي، بعدما أرهق المهاجرون غير الشرعيين الذين لا يتمتعون بتغطية صحية النظام الاستشفائي. وكانت هذه الفئة الناخبة تكسب أموالاً أكثر من أي وقت مضى، قبل تفشي الجائحة. جاء بايدن إلى السلطة وقلب جميع هذه المكاسب بحسب رأي الكاتب.

 

مع ذلك، يبدو أنّ الإدارة تبذل جهداً بارزاً للتواصل مع الهيسبانيين وهو أمرٌ أعجب هؤلاء وفقاً لتقرير في صحيفة "النيويورك تايمز". تعجّب بعض هؤلاء من أنّهم تلقوّا الاهتمام بعد الانتخابات لا قبلها كما كان يحصل في السابق، بعدما لقي الهيسبانيون تجاهلاً من الديموقراطيين على اعتبار أنّ أصواتهم مضمونة. كيف سينعكس هذا الاهتمام في ظلّ سياسة اقتصادية وحدوديّة غير واضحة قد لا يجد جواباً في أي وقت قريب.

 

عن حتميّة التراجع

وفقاً لاستطلاع رأي أجرته شبكة "أي بي سي" بالتعاون مع "إيبسوس" بين 23 و 24 تموز الماضي، أيّد فقط 37 في المئة من الأميركيين سياسة بايدن في التعامل مع الهجرة والوضع على الحدود مع المكسيك، و39 في المئة سياسته في التعامل مع الجريمة. حتى الديموقراطيون أبدوا حماسة أقلّ بتأييده في هاتين القضيتين مقابل تأييد تعامله مع "كورونا": 63 في المئة نسبة تأييدهم لسياساته الحدودية، مقابل 93 في المئة لسياساته الوبائية.

 

حتى نسبة التفاؤل تجاه مسار البلاد غير إيجابية بالنسبة إلى الرئيس. 45 في المئة من الأميركيين متفائلون بالعام المقبل، بعدما كانت النسبة 64 في المئة في نيسان (أبريل). ووجد الاستطلاع أنّ ازدياد التشاؤم يحدث لدى جميع الفئات العمرية، ومستويات الداخل والتحصيل العلمي والانتماء الحزبي. فهل يتمكّن بايدن من استدراك الأوضاع سريعاً أم أنّ مسار التراجع حتميّ كما قال ماكاي؟

 

يصعب الحديث عن حتميّات في السياسة. لكنّ المؤشّرات، والأهمّ مسار هذه المؤشّرات، لا تخدم بايدن حالياً، أو حتى في الأشهر القليلة المقبلة.

 

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم