إعلان

"أميركا أولاً"... سياسة واشنطن الخارجية للقرن الحالي؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب خلال تجمع انتخابي في حزيران 2020 - "أ ب"
الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب خلال تجمع انتخابي في حزيران 2020 - "أ ب"
A+ A-

يريد الرئيس جو بايدن إحياء التحالف الغربيّ بأيّ ثمن. ما حصل برأيه في عهد سلفه دونالد ترامب هو استثناء في التاريخ الأميركيّ. يجب على الولايات المتحدة استعادة دورها الرياديّ في قيادة العالم ونظامه الليبيراليّ الذي أسّسته سنة 1945 ورسّخته بعد سنة 1990. اليوم، يتابع مناصرو الرئيس، هنالك حاجة أميركيّة للتشاور مع الحلفاء لمواجهة القضايا الدوليّة الساخنة مثل وباء "كورونا"، صعود الصين، السلوك الروسيّ، التغيّر المناخيّ وغيرها.

 

إذاً، أفضل أداة لحسم الفوز تكمن في عودة واشنطن إلى مسارها "التاريخيّ" وإلغاء جميع سياسات ترامب القائمة على "أميركا أوّلاً". هذا ما يظنّه كثر أكان في الداخل الأميركيّ أم خارجه. لكن هذا ما لا يوافق عليه الأستاذ المشارك في العلوم السياسيّة في جامعة تافتس والأكاديميّ الزائر في "معهد المشروع الأميركيّ" مايكل بَكلي.

 

التاريخ لم يبدأ سنة 1945

رؤية ترامب التقايضيّة في السياسة الخارجيّة هي القاعدة في معظم حقبات التاريخ الأميركيّ كما كتب بكلي في دراسة نشرتها مجلّة "فورين أفيرز". فقبل سنة 1945، حدّدت الولايات المتّحدة مصالحها بشكل ضيّق رابطة إيّاها بالقوّتين المادّيّة والماليّة. وطبّقت واشنطن القيم الليبيراليّة في الداخل والخارج بانتقائيّة كما كانت رسومها من بين الأعلى عالميّاً. بالرغم من كلّ ذلك، لم تكن واشنطن انعزاليّة بل توسّعيّة الى درجة أنّها "ألهمت حسد" أدولف هتلر. وتمكنت واشنطن من السعي الى أهدافها بسبب اكتفائها الذاتيّ إذ بحلول 1880 أصبحت أغنى دولة وأكبر سوق استهلاكية مع موارد طبيعيّة واسعة ومن دون تهديدات تطالها.

 

تابع بكلي أن الأمر تغيّر بحلول 1950 حين احتلّ الاتّحاد السوفياتيّ مساحات واسعة من أوراسيا وجذبت الشيوعيّة مئات الملاييين من الأتباع حول العالم. في ذلك الوقت أيضاً، أصبحت قوّة الاتّحاد السوفياتيّ العسكريّة توازن ضعفي القوة العسكريّة للغرب الأوروبّيّ. وإضافة إلى كل ذلك استطاع السوفيات وضع يدهم على 35% من موارد الصناعية العالميّة. احتاجت الولايات المتحدة إلى حلفاء أقوياء لاحتواء هذه التهديدات فعمدت إلى تأسيس تحالف غربيّ واسع النطاق دافعت فيه عن عشرات الدول من خلال ضمانات أمنية ومنحتها إمكانيّة وصول سهلة إلى الأسواق الأميركية.

 

أمثلة تاريخيّة صارخة

برزت محطات عدّة في التاريخ الأميركيّ تؤكّد أنّ الولايات المتحدة فضّلت الانطوائيّة والحمائيّة على قيادة عالم حرّ تسوده القواعد الليبيراليّة. على الرغم من الانتصار الأميركيّ الذي تحقق في الحرب العالمية الأولى، ومساهمة الرئيس الأسبق وودرو ويلسون في تأسيس عصبة الأمم، لم تنضمّ واشنطن إلى العصبة خلال عهد خلفه وورن هاردينغ وانعزلت تدريجياً عن العالم حتى الحرب العالميّة الثانية. صبّ هاردينغ تركيزه خلال حملته الانتخابيّة على ضرورة التطلّع إلى مصالح الولايات المتّحدة الاقتصاديّة أوّلاً ممّا أدّى إلى فوزه بشكل ساحق. وفي ولايته فرضت بلاده رسوماً عالية على السلع الخارجيّة وقيّدت بشكل كبير استقبال المهاجرين.

 

حتى ويلسون نفسه خاض حملته الانتخابيّة للولاية الرئاسيّة الثانية بناء على إبقاء الولايات المتحدة خارج الحرب محذّراً من أن تصبح البلاد متورطة في النزاع لأسباب عاطفية وعقيديّة. وأصبح شعار "لقد أبقانا خارج الحرب" شعاراً شعبيّاً روّج له مناصروه بشدّة. لم يتبدّل موقف ويلسون إلّا بعد إغراق ألمانيا سفينة لوزيتانيا وعلى متنها عشرات الأميركيّين إضافة إلى الرسالة التي بعثها الألمان إلى المكسيكيّين والتي يحثّونها فيها على الانضمام إلى الألمان مقابل إعطائهم مناطق أميركيّة.

 

وفي الحرب العالميّة الثانية نشأت أبرز مجموعة ضغط في التاريخ الأميركيّ تدعو إلى مناهضة الحروب الخارجيّة، عُرِفت – للمفارقة – باسم "لجنة أميركا أوّلاً". وقبل الخمسينات، لم تكن الولايات المتّحدة في وارد مواجهة السوفيات، بل حاولت تقاسم العالم معهم بحسب ما تبيّن في مؤتمري يالطا وبوتسدام.

 

هذه الوقائع وغيرها تظهر أنّ النزعات الانعزاليّة في الولايات المتحدة ليست جديدة، ولا هي من ابتكار ترامب. صحيح أنّ الأخير عمل على تعزيزها خلال ولايته، لكنّ أساسها مرتبط بشعور أميركيّ غير مؤيّد للانخراط في حروب بعيدة غالباً ما تنعكس سلباً على اقتصاد البلاد ورفاهية شعبها.

 

لهذا السبب، قد تشكّل ولاية ترامب "أميركا الطبيعيّة" التي على العالم الاعتياد عليها حتى ولو من دون "فظاظة" شخصيّته. وإن صحّ هذا التقدير فستكون ولاية بايدن هي الاستثناء في العقود المقبلة. في هذا الإطار، ثمّة على الأقلّ مؤشّران يذكرهما بركلي وهما يرجّحان ميل الولايات المتّحدة إلى المزيد من الانعزال في المديين المتوسط والبعيد وربّما خلال ما تبقى من القرن الحادي والعشرين.

 

عالَم يشيخ واقتصاد يتأتمت

من بين أكبر عشرين اقتصاداً في العالم، ستكون أوستراليا وكندا والولايات المتحدة الدول الوحيدة التي ستشهد زيادة في سكّانها الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و 49 عاماً خلال السنوات الخمسين المقبلة. بينما ستتقلّص نسبة هذه الفئة العمريّة بـ42% في اليابان، 23% في روسيا و17% في ألمانيا، و 36% في الصين. في هذا الوقت ستشهد الولايات المتحدة ارتفاعاً في هذه الفئة العمرية بنسبة 10%.

 

وسيفقد العالم الغربي، باستثناء الولايات المتحدة إلى حدّ كبير، الكثير من الوظائف بسبب الأتمتة. يمكن أن تولّد هذه الأخيرة الازدهار على المدى البعيد. لكن في المدى القصير والذي قد يدوم لأجيال، ستسود الفوضى. يستشهد الأستاذ الجامعيّ بما حدث في بريطانيا بعد الثورة الصناعيّة حين شهدت الأجور ركوداً لسبعين عاماً وانخفض مستوى المعيشة. واليوم، تزيل الأتمتة الوظائف بنسبة أسرع ممّا يمكن للاقتصاد أن يعيد تدريب العاطلين عن العمل على الوظائف الجديدة. وتشهد أجور العمّال ذوي المهارات المتدنّية والمتوسطة ركوداً كبيراً بينما يخرج الملايين من سوق العمل وتحديداً أولئك غير الحائزين على شهادات جامعيّة.

 

مساوئ التركيز على ترامب

إذا كان مستقبل الولايات المتحدة مضموناً لناحية التفوّق الديموغرافيّ وعمق السوق الماليّ وانخفاض كلفة الرعاية الاجتماعيّة، فالعكس هو صحيح في غالبيّة الدول الغربيّة الحليفة. سيفرض ذلك اختلالاً في التوازن بين الحلفاء، حيث سيكون على واشنطن تحمّل أعباء كبيرة للحفاظ على تلك التحالفات، أكان لناحية الحماية العسكريّة أو لناحية إفساح المجال مجدّداً أمامهم لدخول الأسواق الأميركيّة. سيعيد ذلك تغذية الشعور القوميّ الأميركيّ، بما يعيد إيصال ترامب أو آخرين يشبهونه في التفكير إلى الرئاسة الأميركيّة. لكن في المرّة المقبلة، قد يكون الرئيس "القوميّ" أكثر انضباطاً على مستوى احترام الدستور والسلوك الديبلوماسيّ بما يجعل حظوظه بولايتين مرتفعة.

 

هل يدرك بايدن والديموقراطيّون هذا المسار؟ أم يظنّون أنّ مجرّد القضاء على ترامب يعني القضاء على الأسباب التي أدخلته البيت الأبيض؟ وما هي الكلفة التي ستتكبّدها الولايات المتّحدة والعالم إذا فشل بايدن في دفع بلاده للاهتمام بالقضايا العالميّة إلى جانب التركيز على القضايا الداخليّة؟ هذه الأسئلة وغيرها سيتناولها "النهار العربي" في التقرير المقبل.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم