إعلان

هل يعمل ترامب بنصيحة نابوليون في المناظرة التالية؟

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
بايدن وترامب في مناظرتهما الأولى - "أ ب"
بايدن وترامب في مناظرتهما الأولى - "أ ب"
A+ A-
السؤال عن هويّة الفائز الذي يُطرح بعد كلّ مناظرة رئاسيّة أميركيّة في السنوات الأخيرة يصطدم بصعوبة الحصول على جواب محايد. تكفي جولة سريعة على وسائل الإعلام الأميركيّة للتأكّد من المؤكَّد: من المرجّح ألّا يجد المراقب أيّ جواب يظهر الرئيس دونالد ترامب فائزاً من مناظرة الثلاثاء في الإعلام الأميركيّ السائد (Mainstream Media). بالمقابل، سيكون نائب الرئيس السابق جو بايدن خاسراً حكماً في تحليلات الكتّاب المحافظين. حتى الاستطلاعات التي أجرتها وسائل الإعلام هذه تعبّر بنتيجتها عن توجّه جمهورها. ومع ذلك، يمكن تلمّس بعض المؤشّرات التي تساعد على رسم تصوّر أوّليّ عن اتّجاهات تلك المناظرة.

مقارنة بين المناظرتين الأوليين في 2016 و2020
وجد استطلاع رأي أجرته شبكة "سي أن أن" أنّ 60% ممّن شاهدوا المناظرة رأوا أنّ بايدن قدّم الأفضل مقابل 28% قالوا إنّ ترامب تفوّق على خصمه. لم يختلف هذا الاستطلاع كثيراً عن ذاك الذي أجري مع المستطلعين أنفسهم قبل المناظرة، إذ توقّع 56% منهم أن يكون أداء بايدن أفضل، مقابل 43% توقّعوا تقديم ترامب للأفضل. لكنّ ما يلفت النظر أكثر هو أنّ نتيجة استطلاع ما بعد المناظرة تكاد تكون متطابقة مع استطلاع مشابه للجهة نفسها، وجد أنّ كلينتون خرجت فائزة في المناظرة الأولى مع ترامب قبل أربع سنوات: 62% مقابل 27%.

وتشدّد الشبكة نفسها على أنّ الناخبين المرجّحين المستطلَعين الذين شاهدوا المناظرة لا
يمثّلون بالضبط التوزيع الحزبيّ واللاحزبيّ للأميركيّين. 36% منهم عرّفوا عن أنفسهم بأنّهم مستقلّون بينما يجسّد هؤلاء حوالي 40% من الأميركيّين بشكل عام. كما كانت غالبيّة هؤلاء ديموقراطيّة: 39% في مقابل 25% من الجمهوريّين.


استطلاع آخر أكثر دقّة؟
أعدّت شبكة "سي بي أس" الأميركيّة استطلاعاً مشابهاً وجد أيضاً أنّ مشاهدي المناظرة رأوا بايدن فائزاً في المناظرة. لكن هذه المرّة كان الهامش أكثر ضيقاً: 48 مقابل 41% لترامب. تعبّر النتيجة التي قدّمتها "سي بي أس" إلى حدّ بعيد عن التقدّم الذي يحرزه بايدن وطنيّاً على خصمه ترامب وفقاً لمعدّل استطلاعات الرأي العامّة. لكنّ هذه الأرقام تعني أنّ الأميركيّين لم يغيّروا رأيهم بعد المناظرة. وأبدى 69% من المستطلعين انزعاجهم من النقاش.

بحسب الاستطلاع نفسه، كان بايدن أكثر قدرة على إقناع مؤيّديه بأنّه خرج فائزاً من المناظرة بالمقارنة مع ترامب. 92% من الديموقراطيّين الذين شاهدوا المناظرة قالوا إنّ بايدن هو الفائز مقابل 82% من الجمهوريّين. لكنّ المستقلّين أعطوا التفوّق لترامب. شملت عيّنة "سي بي أس" 1039 ناخباً مرجّحاً مع نسبة خطأ تصل إلى حوالي 3.4% بينما شملت عيّنة "سي أن أن" 568 ناخباً مسجّلاً مع نسبة خطأ تصل إلى حوالي 6.3%.


هدفان من أصل ثلاثة
مراقب الشؤون الانتخابيّة والمحلّل السياسيّ في موقع "ريل كلير بوليتيكس" شون ترنده يلفت النظر إلى ضرورة عدم تقييم المناظرة بناء على ما أبداه كلّ مرشّح من حجج منطقيّة. فللمرّة الأولى، لم تكن هذه المناظرة موجّهة للنخب المراقِبة بل للجمهور الأميركيّ العاديّ. ويوضح أنّ ترامب نجح إلى حدّ ما في مهمّتين من أصل ثلاث: الأولى، إزاحة النقاش عن الأمور التي تزعجه مثل الانكماش التاريخيّ في الناتج القوميّ خلال الربع الثاني من 2020، ووفاة 200 ألف شخص بسبب "كورونا"، وقضاياه الضريبيّة.

الثانية، إرسال الصورة نفسها عن مناظرات 2016 حين أظهر أنّه المسيطر على النقاش عبر مقاطعة المنافس وحتى مدير الحوار. لكنّه فشل في إتعاب بايدن خصوصاً في نهاية النقاش فتركه يتحدّث بحرّيّة وبثقة. يرى ترنده أنّ الميزة الأخيرة ليست كافية لوحدها كي تُكسِبَ صاحبَها الجولة، لكن بالنسبة إلى شخص متقدّم في استطلاعات الرأي، وتتمحور حوله توقّعات منخفضة، قد يكون ذلك كافياً لبايدن بحسب تعبيره.

يمكن أن يكون ترنده محقّاً في مشاكل ترامب الضريبيّة علماً أنّ الأخير دافع عن نفسه حين قال إنّه كأيّ مستثمر، فيما خلا "الأغبياء"، سيحاول الاستفادة "عبر القوانين" كي يخفّف من دفع الضرائب المتوجّبة عليه، مضيفاً أنّ هذه القوانين وضعتها إدارة الرئيس أوباما الذي كان بايدن نائباً له. وفي مسألة "كورونا"، تمكّن ترامب من الردّ على منافسه، فقال إنّه لو كان الأخير في الرئاسة لوصل عدد الوفيات إلى مليونين بدلاً من 200 ألف، لأنّ بايدن لم يكن ليمنع الرحلات من وإلى الصين، بما أنّه وصف هذه الخطوة التي أقدم عليها ترامب بـ"العنصريّة".


نشاز
لكنّه قد يكون مخطئاً بالنسبة إلى تحليله حول مقاطعات ترامب المستمرّة لبايدن. على الأقلّ، هذه هي وجهة نظر الكاتب السياسيّ في مجلّة "أميركان غرايتنِس" كونراد بلاك. فالأخير يستشهد بنصيحة لنابوليون بونابرت تقول: "لا تقاطع عدوّك حين يكون مرتكباً للخطأ". وعلى الرغم من أنّ بلاك اعتبر ترامب منتصراً خصوصاً بالنسبة إلى من أصغى بانتباه للمناظرة أو استمع إليها في الإعادة، رأى أنّ مقاطعته "المزعجة" خلقت "نشازاً غير متماسك" مكّن بايدن من الإفلات من "الإحراج الشديد".


بالنسبة إلى بلاك، لم يُجِب بايدن على السؤال بشأن إنهائه التعطيل في مجلس الشيوخ وتوسيع المحكمة العليا، ولم يقدّم حجّة قويّة ضدّ تعيين القاضية آيمي باريت (في الواقع، وصفها بأنّها شخص جيّد). كذلك، فشل في تقديم أيّ دليل على دعم يتلقّاه من أيّ منظّمة إنفاذ القانون، كما أخفق في إيجاد حلّ وسط بين الأميركيّين-الأفارقة المتشدّدين في حزبه وبين معارضته للعنف. ويتابع بلاك أنّ بايدن خيّب اليسار عبر إعلانه أنّه بات هو "الحزب الديموقراطيّ الآن"، بينما أنكر أنّه يؤيّد "الاتّفاق الأخضر الجديد" الذي شاركت نائبته كمالا هاريس في رعايته.

ترنده محقّ على الأرجح في أنّه يجب عدم قياس النجاح في المناظرة الأخيرة بالاستناد إلى المعايير التقليديّة حول بناء ومقارعة الحجج وتقديم النقاط الأكثر تجانساً للخطط المستقبليّة التابعة لكلا المرشّحين. قد تكون القوّة الصلفة هي ما يبحث عنه الجمهوران، خصوصاً جمهور ترامب.


"هو بطلها"
كريس بوسكيرك من مجلّة "ذا كريتيك" البريطانيّة متأقلم مع هذا الواقع. ويذكر أنّ تبادل الهجمات الشخصيّة يعود حتى إلى عصر الآباء المؤسّسين للولايات المتّحدة. يضيف بوسكيرك أنّ بايدن بدا مثل التلميذ الذي يستنجد بأستاذه ضدّ زميله المتنمّر. ويُرجع روحَ المعركة الحاليّة إلى الصراع بين الطبقة العاملة والنخب السياسيّة. بالنسبة إلى الطبقة الأولى التي لم يتبقّ لديها الشيء الكثير لتخسره، ترامب هو بطلها لأنّه "يفضح إفلاس الطبقة الحاكمة غير المستأهلة" لقيادتها. وقدّم ترامب لمؤيّديه "جولة قوّة"، حيث كسر ترامب علناً القواعد التي تُكسَر في السرّ. "ذلك أكسبه الانتخابات في 2016. أكسبه المناظرة الليلة الماضية. وقد يوصله إلى إعادة الانتخاب في تشرين الثاني".


ترجيح نجاح أسلوب ترامب في إكسابه ولاية ثانية بناء على هذا الأداء قد يكون سابقاً لأوانه. فمع التكرار، يصبح الأسلوب محفوظاً، وعلى الأرجح مملّاً. كذلك، يحتاج ترامب أكثر من بايدن إلى كسب المزيد من النقاط، وهذا يفرض عليه البحث عن مؤيّدين خارج قاعدته والوصول إلى المستقلّين الذين قد لا تناسبهم شخصيّته الهجوميّة. وإذا كان بايدن يعاني من "تراجع حدّة قدرته الذهنيّة" بحسب توصيفات الجمهوريّين، فربّما يجدر بالرئيس الأميركيّ ترك بايدن يتحدّث أكثر كي يظهر صحّة ما يقوله هؤلاء. بذلك، قد يكون بلاك محقّاً في إسماع ترامب نصيحة نابوليون. لكنّ العمل بها قد يكون صعباً بالنسبة إلى شخصيّة بطباع ترامب.

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم