إعلان

بايدن يريد إعادة أميركا إلى الصدارة... العصر الذهبي لبوتين ونتنياهو ذهب مع ترامب

المصدر: النهار العربي
مهى سمارة
من حفل تنصيب الرئيس الأميركي جو بايدن
من حفل تنصيب الرئيس الأميركي جو بايدن
A+ A-
عملاً بأخلاقية العمل السائدة في المجتمع الانغلوساكسوني، توجه الرئيس الأميركي جو بايدن مباشرة بعد حفل التنصيب إلى مكتبه البيضاوي. وفي البيت الأبيض أصدر 16 قراراً تنفيذياً يعيد أميركا إلى اتفاق باريس للمناخ وإلى منظمة الصحة العالمية ورفع القيود على تأشيرات القادمين من دول إسلامية... قرارات نسفت القرارات التي اتخذها سلفه دونالد ترامب.
 
سرعة الانتقال من الاحتفال إلى ممارسة المسؤوليات تشي بتصميم الإدارة الجديدة عى العمل فوراً، اختصاراً للوقت وإدراكاً للأخطار والأزمات التي تتطلب معالجة فورية. تخطى بايدن الشكليات وتمرد على التقاليد بعدم إعلان يوم التنصيب يوم عطلة وعدم التوجه إلى الغداء في فندق بلايموث التاريخي، تقديراً للظروف الأمنية التي حوّلت العاصمة إلى حصن عسكري. ورغم التحذيرات أصرّ على إجراء الاحتفال في الهواء الطلق وأمام الكابيتول وليس في القاعات.
 
تصرف الرئيس في الساعات الأولى من إدارته بأنه Cherrif وبسرعة مذهلة انتقل إلى مواجهة التحديات الثلاثة: توحيد الأمة ورأب الانقسام، تأمين اللقاح للحد من وباء الجائحة، وتحسين الاقتصاد وتقديم مساعدات اجتماعية. رصد للقاح ميزانية بقيمة 1.9 تريليون دولار وللاقتصاد 2.1 تريليوني دولار شرط موافقة الكونغرس عليها.
 
خبرة بايدن السياسية الطويلة في مجلس الشيوخ ونائباً للرئيس باراك أوباما ومعرفته الشخصية للنواب وأعضاء مجلس الشيوخ وبمطبخ واشنطن السياسي ودهاليزها ولوبياتها وشخصياتها اختصرت فترة التأهيل والتعارف التي يخضع لها عادة الرؤساء الجدد ووفرت له الانخراط السريع لتحريك عجلة الإدارة.
 
أميركا بل العالم تنفّس الصعداء بعد رحيل ترامب وتنتظر الفارس المغوار للعودة إلى المألوف والطبيعي وما يجب أن يكون في مسار الدول. فكيف بالدولة الأولى. التغيير والاختلاف في النهج ظهرت ملامحه في حفلة التنصيب البسيطة والأنيقة. قراءة الشاعرة السمراء أماندا غورمان قصيدة "تسلق التلة" المفعمة بالمعاني والكلمات الجميلة إشارة لافتة لانخراط الأميركيين الإفريقيين في الثقافة، بل الحياة الأميركية المعاصرة بوصولها للفوز بجائزة الشاعر الإيرلندي الراحل شاموس هيني في جامعة هارفرد.
 
خطاب بايدن الذي استغرق عشرين دقيقة شكل نزوعاً صادقاً للمّ الشمل وصناعة الاجماع وصياغة التوافق وتجاوز الاستقطابات... وقفته، رصانته، أعادا الرونق والاتزان والاحترام لليبرالية المحافظة. بايدن الرئيس الكاثوليكي الثاني بعد جون كينيدي والإيرلندي الأصل مثله قدم نفسه رئيساً يحمل رسالة بأقانيم ثلاثة: الوحدة والمحبة والمساواة. شعارات لشفاء الأمة من الأمراض العنصرية المقيتة والتفوق العنصري البغيض والإنغلاق العقلي المميت. إنما بايدن تعمد إعطاء الأمل والرجاء إلى الفئات التي تشعر بالخوف والتهميش. المهمة غير سلهة. إنها بتعاون الحزبين الجمهوري والديموقراطي ووجود عقلاء وحكماء بينهما في الإمكان إعطاء الطمأنينة للخائفين الذين يشعرون بتراجع دورهم وعددهم. وفي الوقت ذاته منحَ فرصاً للمسحوقين الذين يحاولون الخروج من مستنقع الفقر والتخلف والجهل.
 
تسلّم بايدن تركة ثقيلة جداً من السلف الصالح. ملفات ساخنة وتحديات كثيرة. بعد أربع سنوات من الضجيج والصخب والشخصنة المتناهية يحاول معالجة الجروح المفتوحة في الجسم الأميركي العليل. وبسبب سنّه المتقدمة واحتمال اختصار ولايته لدورة واحدة سيحاول إصلاح ما أفسده السلف والعمل ليلاً ونهاراً لتقويم الإعوجاج والابتعاد من التطرف والعودة بأميركا إلى "الوسطية" تلك القاعدة الذهبية التي تنتمي إليها الأغلبية وما يعرف بـMainstream.
 
أميركا في عهد بايدن ستنصرف إلى الإدارة الملونة التي تعكس قوس القزح الأميركي الجديد. "النيولوك" بدا واضحاً في حفلة التنصيب وفي اختيار الوزراء وكبار المساعدين. نائبة الرئيس كمالا هاريس أول سيدة تتبوأ المنصب الثاني الأعلى في البلاد تتحدر من جذور هندية إفريقية. وزير الدفاع لويد اوستن أول أميركي إفريقي يتسلم موقع البنتاغون. والأهم تكليف السيدة جانيت بلين وزيرة الخزانة وصاحبة الخبرة المالية والاقتصادية التي أخرجت أميركا من الأزمة المالية في 2008.
 
20 كانون الثاني (يناير) 2021 لم يكن يوم بايدن وحده بل يوم أميركا بامتياز. ويوم انتصار الديموقراطية على الغوغائية والشعبوية. دعوة الرئيس إلى الوحدة والعمل المشترك لإنهاء الحرب غير المدنية مع رجائه ألا يؤدي الاختلاف إلى العنف مؤكداً أن التنوع والاختلاف مصدر غنى من دون اللجوء إلى الخندقة الضيقة.
 
أميركا 2021 رفعت شعار التغيير. أنها ليست بيضاء صافية ولا سوداء داكنة بل خليط من الاثنين، حيث اقتبس بايدن عبارة ابرهيم لنكولن في حفلة تنصيبه "أميركا في قلبي" مردداً أنه رئيس لكل الأميركيين الذين معه أو ضده، ومشيراً إلى أن ما يجمع الأميركيين هو سلم القيم والتوافق على القضايا الكبرى. رسالة قوية لتمتين أواصر الوحدة حيث لا مكان للأخبار الزائفة والمزيفة والكاذبة...
 
بكثير من المسؤولية والشجاعة والصراحة اعترف بايدن بأن البلاد في مأزق، داعياً إلى المبادرة الفورية لمعالجة ظاهرة العنف والتطرف والإرهاب الداخلي وملوّحاً بحلم العدالة الذي لا يمكن تأجيله.
 
إدارة بايدن لن تكون مشخصنة ومزاجية. ستكون براغماتية لأبعد الحدود بعيدة من الايديولوجيات والمواقف المتطرفة. خبرته الطويلة في الشأن العام ومعرفته بمصالح الولايات المتحدة الأميركية تجعل إدارته متجانسة سلسة غير خاضعة للتجربة والخطأ، معيداً الاعتبار إلى المؤسسات بدلاً من الثروات.
 
سيعتمد بايدن على تقييم وتحليل فريق العمل من المساعدين الذين يؤلفون الجهاز الإداري لحكومته والاختصاصيين من أهل المعرفة والعلم والخبرة. جُلهم تولوا مسؤوليات خلال إدارة أوباما وأصحاب باع طويل في حل النزاعات الدولية أمثال جيك ساليفان مدير الأمن القومي وأنطوني بلينكن وزير الخارجية ووليم بيرنز رئيس وكالة الاستخبارات...
 
بايدن كرجل تقليدي سيحافظ على الثوابت الأميركية حتى تلك التي صيغت خلال حقبة ترامب، خصوصاً ممارسة الضغوط المالية والاقتصادية "العقوبات" ضد الدول المارقة التي تنصب العداء لأميركا.
 
المنحى الإيديولوجي البارز في الإدارة الجديدة سينحصر في موضوع حقوق الإنسان واحترام حرية الرأي والقضاء المستقل التي تنبع من أسس المدرسة الليبرالية والتي ستكون معياراً لمساءلة الدول، حتى العدوّة والصديقة والحليفة والالتزام بها.
 
الأفضلية ستكون للقضايا الداخلية في المئة يوم الأولى من إدارته أكثر من الخارجية والتركيز على الأمور الأمنية التي تتطلب رعاية وحذر شديدين بعد اقتحام الكابيتول. بايدن يتمتع بمعرفة واحترام زملائه السابقين في مجلس الشيوخ ويعرف كيفية التعامل معهم بعد عمر من العمل المشترك، والأهم كيفية التوصل إلى تسويات لمصلحة الجميع. ويقصد شخصية زعيم الأغلبية الجمهورية السابقة ميتش ماكونيل وزعيم الأغلبية الديموقراطية الحالية تشك شومر بعد سيطرة الحزب الديموقراطي على مجلس النواب والشيوخ مؤخراً ما يسهل عمل الإدارة.
 
في موضوع طلب رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي عزل ترامب ومنعه من القيام بأي نشاط سياسي للحؤول دون ترشحه للرئاسة في 2024. من المستبعد أن ينضم الجمهوريون إلى طلب الديموقراطيين رغم تنديدهم بما جرى في 6 كانون الثاني (يناير) الماضي، حفاظاً على وحدة الصف في الوقت الذي يتعرض الحزب الجمهوري إلى انشقاق وتفكيك. والأرجح أن تُترك الأمور معلقة حتى انتخابات 2022 حين يتوجه الناخبون لاختيار نصف عدد مجلس الشيوخ وعندها الشعب يقرر. ربما لن تنتظر بيلوسي وتتقدم كرئيسة مجلس للنواب بتهم ضد ترامب في المحاكم وهذا شيء آخر.
 
بايدن في سياسته الخارجية يريد إعادة أميركا إلى الصدارة وإحياء دورها القيادي في العالم وتعزيز مصالح وقيم أميركا. إحياء التحالفات التقليدية مع الدول الأوروبية وأعضاء وحلف الناتو وإسرائيل من الأولويات.
 
ستمارس في الخطوط العريضة سياسة الاحتواء مع كل من روسيا والصين وإيران. العلاقات بين واشنطن وموسكو وبكين متشنجة والخلافات عميقة وواضحة.
 
ورغم تجديد اتفاق ستارت مع روسيا لخمس سنوات جديدة، سيفتقد بوتين صديقه وحليفه ترامب. ولن تكون العلاقات شخصية ودافئة مع بايدن. العصر الذهبي لروسيا في أميركا ذهب مع ترامب الذي كانت له ارتباطات مالية وعقارية مع النظام الروسي. يوجد خلافات عميقة وعالقة مع موسكو بشأن أوكرانيا وأنابيب الغاز إلى أوروبا وليبيا وسوريا. عدم الانسجام والثقة بشخص بوتين واضحة.
 
مع الصين أميركا في حرب تجارية وتكنولوجية. والبلدان يعتبران عدوّين، في قضايا عالقة كثيرة مثل هونغ كونغ ودور الصين في آسيا وأفريقيا وحماية البلدان الصديقة لأميركا في جنوب آسيا مثل كوريا الجنوبية، فيتنام وتايبه.
 
وحدة المصالح والقيّم ستعيد الحرارة بين شطري الاتلانتيك وستحظى أوروبا وبخاصة فرنسا وألمانيا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي عموماً بتنسيق المواقف والمفاوضات الدائمة لتوحيد وجهات النظر والسياسات بشأن النزاعات الدولية، بشأن إيران وفلسطين ولبنان والعراق وليبيا.
 
الواضح أن إدارة بايدن سيكون تعاطيها مع إيران مختلفاً نهجاً وأسلوباً عن أيام ترامب. إنما على إيران أن تلتزم الشروط المطلوبة التي تحاول طهران التهرب منها. تعتبر واشنطن أن إيران مصدر تهديد للمصالح الأميركية ويجب احتواؤها ومنعها من بناء صواريخها الباليستية وتمددها وتدخلها في شؤون الدول المجاورة والتحول إلى دولة نووية.
 
إيران تريد رفع العقوبات والعودة إلى الاتفاق النووي في 2015. أميركا ربما تبحث الاتفاق النووي مع الأخذ في الاعتبار المتغيرات التي حدثت لا سيما عودة إيران لتخصيب الأورانيوم وبناء ترسانة صواريخ باليستية. أميركا تقف ضد صنع إيران قنبلة نووية. لا تسمح بذلك، لذلك لا عودة إلى الاتفاق الذي خرج منه الرئيس ترامب في الإمكان للبحث في اتفاق جديد على ضوء تطويل سنوات الانتظار إلى 20 سنة بدلاً من 15 والتشاور مع الأصدقاء الأوروبيين لكيفية المفاوضات مع إيران وتوحيد المواقف. إيران تضرّرت كثيراً اقتصادياً من العقوبات وتريد رفعها قبل الشروع في بحث المواضيع الأخرى خصوصاً عدم خلط الأمور ببعضها والإصرار على موضوع الاتفاق النووي وحده من دون ربطه بالصواريخ الباليستية والتمديد الإقليمي.
 
أميركا ليست في عجلة من أمرها لبحث الموضوع الإيراني على عكس طهران. إنما هذا لا يعني عدم وجود قنوات ديبوماسية، علنية وسرية بين البلدين. الأكيد أن واشنطن ستعالج الموضوع الإيراني بمقاربة مختلفة وأسلوب أقل خشونة مما جرى في عهد الرئيس ترامب وربما أقل عداوة. إنما لن تكون هناك عودة تلقائية لاتفاق 2015 ما لم تغير إيران مسلكها. عينت الإدارة الجديدة روبرت مالي. شخصية معروفة سبق وعمل على صفقة الاتفاق النووي أيام عهد أوباما ممثلاً للإدارة في طهران.
 
إسرائيل صديق مقرب وحليف استراتيجي لأميركا والحفاظ على العلاقات التقليدية بين أميركا وإسرائيل ستعزّز في عهد بايدن. لن يكون بنيامين نتنياهو الرجل المدلل في البيت الأبيض كما كان في عهد ترامب، والذي يطلب ويعطى ما يريد. ربما انتهى الوقت بعدم توجيه انتقادات لإسرائيل ولنتنياهو شخصياً. سيشعر رئيس الوزراء الإسرائيلي بعدم الأمان، ولن يوافق بايدن، على تنفيذ رغبات نتنياهو من دون قيد أو شرط. بايدن لن يتخلى عن القدس الموحدة ولا نقل السفارة الأميركية إنما سيكون له موقف بشأن الضفة الغربية وحصار غزة والمستوطنات وحل الدولتين.
 
صفقة العصر انتهت بانتهاء ترامب من رئاسة أميركا. بايدن وإدارته يؤيدان حل الدولتين ويشجعان عودة المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية. ترامب همّش الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي وتجاوزه بالتركيز على تطبيع إسرائيل علاقاتها مع دول الخليج والمغرب والسودان. بايدن أبدى رغبة في عودة القنصلية الأميركية إلى القدس الشرقية. وإعادة فتح مكتب السلطة الفلسطينية في واشنطن ومنح مساعدات مالية إلى "الأونروا". ربما لن يكون هناك تنصّل كامل من كل بنود صفقة العصر، وعلى الأرجح إدارة بايدن تؤيد توسيع نطاق اتفاقات ابرهيم للسلام لتشمل دولاً عربية أخرى.
 
ترامب دمّر حل الدولتين وتصرف بحسب رغبات نتنياهو الذي هندس وفصل صفقة العصر على قياسه ورؤيته وتبناها ترامب وروّج لها صهره كوشنر والسفير الأميركي في إسرائيل.
 
تلويح بايدن ووزير الخارجية بلينكن بالعودة إلى حل الدولتين خبر جيد ويعيد الأمور إلى أصولها وبيّن أن القيادة الأميركية الجديدة مبادرة وغير متراجعة ومنسحبة من الشرق الأوسط. إنما لا تزال في أول الطريق والأقوال والمواقف لا تكفي الفلسطينيين والعرب يريدون أفعال. سمعوا مواقف سابقة مشجعة أيام أوباما وخُذلوا أمام تراجع المبادرات. الأمل أن بايدن سيكون متحرّراً من عقدة الولاية الثانية فيستطيع أن يبادر ويتقدم في حلّ الدولتين والاستعانة بالرباعية الدولية وتوسيعها لتشمل المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة والأردن وروسيا وبريطانيا كما يروج. وما قد يساعد هو أن فريق إدارة بايدن يعرف الملف الفلسطيني - الإسرائيلي جيداً ولا يمارس أعضاؤه هواية ليلعب بهم نتنياهو. لنأمل خيراً والطريق طويلة.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم