إعلان

لقاء أردوغان – طحنون ... هل يتوّج بتطبيع كامل للعلاقات التركية - الإماراتية؟

المصدر: النهار العربي
سركيس قصارجيان
لقاء أردوغان - طحنون في أنقرة
لقاء أردوغان - طحنون في أنقرة
A+ A-
تُوّجت الرسائل الإيجابية المتبادلة بين كل من أنقرة وأبو ظبي مؤخراً بلقاء استثنائي جمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومستشار الأمن الوطني الإماراتي طحنون بن زايد، أعقبته بيانات وتصريحات من كلا الطرفين شددت على "تاريخية الاجتماع وايجابيته" وأهميته في طي مرحلة طويلة من الصدامات التي وصلت إلى حد العداء بين الجانبين في السنوات الخمس الأخيرة.
 
ورغم أن عملية الحوار هذه ليست المحاولة الأولى الهادفة إلى نزع فتيل التوتر بين الخصمين الإقليميين، إلا أن جملة من التغيّرات الإقليمية ترفع من احتمالات نجاح الخطوة الأخيرة خلافاً لسابقاتها، مع التشديد في الوقت ذاته على كثرة الملفات الخلافية بين البلدين، والتي كتب عنها الكثير طوال السنوات العشر الماضية، إضافة إلى التذبذب الحاد في الخط السياسي التركي صعوداً وهبوطاً، والخشية من انعكاساته على العلاقات الدبلوماسية الوليدة.
 
مصالح التقارب
تركياً، لا يمكن فصل هذا اللقاء عن مساعي أردوغان الأخيرة لتطبيع العلاقات مع كل من القاهرة والرياض. ورغم تسجيل أنقرة تقدماً ملموساً في المسار المذكور، إلا أن العملية بلا شك تسير أبطأ من المأمول، وسط حماسة فاترة للعاصمتين العربيتين اللتين تأملان بخطوات أكثر جدية وصرامة من الجانب التركي.
 
وعلى الرغم من الفوائد الاقتصادية في حال نجاح مسار التطبيع مع أبوظبي، إلا أن المكاسب السياسية التي تأمل أنقرة في تحقيقها لا تقلّ أهمية عن الاستثمارات المالية وإن كانت تخلفها في ترتيب الأولويات وفق منظور الرئيس التركي.
 
ويرى الصحافي التركي المخضرم فهيم تاشتيكين في لقاء مع "النهار العربي" أن "تركيا تعثّرت في كل قضايا السياسة الخارجية وتريد الآن تسوية العلاقات المتدهورة بطريقة ما. الإمارات اتّخذت موقفاً معارضاً لتركيا في ليبيا ومصر والصومال والسودان وسوريا والملف الكردي والطاقة في شرق المتوسط. من خلال تطبيع العلاقات مع الإمارات، يريد أردوغان كسر عقدة ليبيا، ومنع حدوث العقدة ذاتها بالنسبة إلى الأكراد في سوريا، وربما تسهيل الحوار مع الرئيس السوري بشار الأسد، وإعادة العلاقات مع الإدارة الجديدة في السودان، وقطع قنوات الدعم للروس واليونان في شرق البحر الأبيض المتوسط".
 
وأضاف تاشتيكين: "لكن توقعاته الفورية هي الاستثمارات الاقتصادية. أردوغان في مأزق مالي، فهو بحاجة ماسة إلى الموارد. تأمين الاستثمارات الإماراتية ستريحه. أبعد من ذلك، لدى أردوغان أهداف أخرى مثل قطع الدعم لمنظمة غولن الإرهابية، واعتقال وتسليم المطلوبين من أعضائها، وإسكات سيدات بيكير".
 
في المقابل، إن التقارب مع أنقرة يساهم بالنسبة إلى أبوظبي في إزاحة أحد هواجسها الأمنية ويعبّد الطريق أمام استراتيجيتها الإقليمية الحديثة المدعّمة بالقوة الناعمة، وسط تنامٍ ملحوظ لنفوذها السياسي والعسكري في المنطقة وامتدادها الإقليمي ليشمل شرق المتوسط وسواحل أفريقيا الشمالية والجنوبية للمرة الأولى في تاريخها.
 
ويشرح تاشتيكين مصالح أبوظبي في التقارب بالقول إن "محمد بن زايد ليس على علاقة جيدة بالديمقراطيين (في واشنطن). اتّباع الولايات المتحدة مساراً مختلفاً في ما يتعلق بإيران أقلق الإمارات. كما أدت اتفاقات إبراهيم مع إسرائيل وخطوات التطبيع إلى تشديد وجهة نظر إيران تجاه الإمارات.  في مثل هذه البيئة السياسية، ليس من المستبعد تقرّب الإمارات من تركيا وتضييق مناطق الصراع. تركيا دولة ذات إمكانات اقتصادية كبيرة. ومن الممكن أن يتجه كل من البلدين إلى الاستثمارات المشتركة في قطاع الموانئ". وأضاف أن "العلاقات الاقتصادية بين الإمارات العربية المتحدة وتركيا لم تتأثر كثيراً بالتوترات السياسية، لكن لا يمكن القول إن البلدين استفادا من إمكانات الشراكة بينهما".
 
الرئيس مستقبلاً المستشار الأمني
عدا "استثنائية" اللقاء من حيث مضمونه وتوقيته، فإن تفاوت المستوى التمثيلي بين كل من رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان ومستشار الأمن القومي في الإمارات طحنون بن زايد كان لافتاً للانتباه أيضاً، بخاصة في ظل غياب شخصيات تركية فاعلة في السياسة والأمن كرئيس المخابرات الوطنية التركية هاكان فيدان ووزير الخارجية مولود جاووش أوغلو، وحتى وزير الدفاع خلوصي أكار.
 
وفي هذا السياق يبيّن الصحافي التركي أرك أجارار في حديث لـ"النهار العربي" أن "أردوغان وطحنون ليسا نظيرين سياسياً، وبالتالي فإن استقباله شخصياً وفي القصر الرئاسي ليس متوافقاً مع الأعراف الدبلوماسية والبيروقراطية. لكن يجب التذكير أن طحنون شخصية مهمة في الإمارات، كما أن الوزير المعني بالشؤون الخارجية أنور قرقاش أدلى بتصريح كتابي غداة الاجتماع. والأغرب في الموضوع هو تواجد مؤسستين تركيتين لا علاقة لهما أبداً بالمواضيع الأمنية في اللقاء، أولهما نائب رئيس صندوق الثروة السيادي، والثاني المسؤول عن الصندوق الاستثماري، وهذا مؤشر واضح على وجود صفقة عبر سيدات بيكير في اللقاء".
 
وأضاف: "ما يقودنا إلى هذا الرأي هو مبادرات العدالة والتنمية بما يخص المال السياسي والرشى. مثلاً ما الذي يقود تركيا لبيع معظم الأراضي في محيط قناة إسطنبول المزمع انشاؤها لوالدة الأمير القطري؟".
 
من جهته يعتقد تاشتيكين أنه "ربما كان هناك أكثر من لقاء بين طحنون وهاكان فيدان حول القضايا الأمنية استضاف بعدها أردوغان طحنون. لقاء أردوغان مع طحنون غير معتاد من حيث التناظر الدبلوماسي. لكن أعتقد أن بعض القضايا التي تقع ضمن الاختصاص المباشرلطحنون  حرجة للغاية وأردوغان ليس بوارد البقاء خارج هذه الصفقة. هذه القضايا هي سيدات بيكر، ووقف الدعم لمنظمة غولن الإرهابية، ووضع المواطنين الإماراتيين من أعضاء "الإخوان المسلمين" والمقيمين في تركيا. التعامل مع القضايا السياسية والاقتصادية مع طحنون هو بعد غير اعتيادي آخر. كان من الممكن أن يحضر وزير الخارجية أو الاقتصاد أو وزير العلاقات الخارجية والاستثمارات الدولية، لكن ذلك لم يحصل. من الصعب الانتقال إلى ملفات أخرى من دون تأمين الناحية الأمنية للمناقشات. لهذا السبب أعتقد أن طحنون جاء بسلطة كاملة".
 
ويضيف تاشتيكين: "طحنون هو الثالث في الإمارات من حيث النفوذ على حد علمي. في النهاية هو يتصرف نيابة عن محمد بن زايد، ووجوده يعني ترابط التعاون الأمني والمجالات الأخرى. كانت هناك تكهنات في وسائل الإعلام التركية مؤخراً أن وزير الدفاع خلوصي أكار وهاكان فيدان قد أطاحا بأردوغان وأن أردوغان بلقائه طحنون شخصياً رسم حدوداً لفيدان وأكار... لست واثقاً من هذه الادعاءات، لكن بتقديري، أردوغان في وضع مالي صعب للغاية ويسعى بشدة للحصول على موارد مالية، فهو يريد جذب الإمارات العربية المتحدة كمستثمر في أسرع وقت ولا يريد ترك أي شيء للصدفة".
 
سيدات بيكير
أحدثت الادعاءات التي ساقها زعيم المافيا التركي سيدات بيكير المقيم في دبي ضجة كبيرة في تركيا، حيث لاقت اتهاماته صدى واسعاً في صفوف المواطنين الأتراك، بخاصة من الكتلة الداعمة لتحالف العدالة والتنمية، والتي ينتمي إليها بيكير أيضاً.
 
بالنظر إلى التأثير السلبي بالغ الأهمية لفيديوات بيكير على شعبية أردوغان ورجالاته في الداخل، فإن من غير المعقول التفكير باستبعاد ملف بيكير عن لقاء أردوغان- طحنون، إن لم يتم الحديث عنه إعلامياً بطبيعة الحال.
 
وعن إمكان رؤية بيكير في أحد السجون التركية كأول خطوة على مسار التطبيع يرى تاشتيكين أن "موضوع سيدات بيكير تخميني للغاية. في رأيي أردوغان يفضل كتم صوت بيكير بدلاً من تسلّمه، لأنه في حال تسليمه إلى تركيا فإن أقواله في المحكمة قد تضر بأردوغان سياسياً. قد يكون من المفيد لثنائي صويلو- أغار وضع بيكير في السجن، لكني أعتقد أن أردوغان له رأي آخر. أظهر تعليق بيكير تسجيل فيديواته أن الإمارات تأخذ حساسية أنقرة بعين الاعتبار في هذا الصدد. إيقاف بيكير عن تسجيل الفيديوات (واكتفاؤه بالتغريدات فقط) قلل من المخاطر التي كانت تهدد أردوغان".
 
مستقبل التطبيع بين البلدين
يدرك المتابع للسياسة التركية في عهد أردوغان، أنها باتت تستند على براغماتية مطلقة بعيدة من المبادئ، وأقرب إلى السفينة التي تحدد وجهتها حسب اتجاه الرياح الإقليمية والمد والجزر الناتج من التناقضات في سياسات الدول الكبرى.
 
وفي حين يعتبر تاشتيكين أن "أكبر توقعات الإمارات هي أن توقف تركيا دعمها لـ"الإخوان المسلمين"، والتخلي عن النهج العثماني الجديد تجاه العالم العربي"، إلا أنه يشكك في إمكان حصول الإمارات على كل التنازلات المرجوة "كلها ملفات صعبة. إذا توافرت الموارد المالية، يمكن لأردوغان أن يضحّي بـ"الإخوان" بين عشية وضحاها. لكن لا يبدو أن سياسة تركيا الخارجية التوسعية والحماسية آيلة إلى التراجع".
 
أما أجارار فيرى أن "هناك العديد من المسائل الجدية والعميقة بين البلدين، كالاختلافات بين دول الخليج، وأزمات سوريا وليبيا، واتهامات أنقرة للإمارات بتمويل انقلاب 15 تموز (يوليو) الفاشل وزعزعة استقرار المنطقة، مقابل اتهام   أبوظبي تركيا بدعم وتمويل الجهاديين والعناصر الإرهابية، بالنظر إلى كل ذلك يمكن استنتاج أن التفاهم المطلق صعب للغاية".
 
وأضاف: "تركيا تنتهج سياسة يومية، نتذكر مثلاً أنه قبل انتخابات 2016 باتت تركيا فجأة على خلاف حاد مع أكثر من دولة أوروبية، بهدف تمكين العدالة والتنمية من كتلته الداعمة داخلياً"، مبيّناً أعتقاده أنه "يتم التباحث مع الإمارات على عدد محدد من الملفات بهدف تغيير الطراز السياسي، من دون أن تكون هذه المباحثات شاملة لكل الملفات".
 
التطبيع مع الإمارات وتأثيره
وانتهجت  كل من مصر والسعودية والإمارات مساراً متلازماً في علاقتها مع أنقرة التي افترقت دروبها معها بعد انهاء الرئيس عبدالفتاح السيسي لحكم "الإخوان" في مصر، ويمكن اعتبار الاجراءات العقابية وبخاصة الاقتصادية منها التي اتخذتها الدول العربية الثلاث بحق أنقرة بعد مقاطعة قطر عام 2017 أوضح دليل على ذلك.
 
لكن المسار المذكور بات أقل تلازماً في الآونة الأخيرة، بخاصة بعد لقاءات أنقرة مع كل من مصر والإمارات على حدة، والرسائل السعودية المتبادلة.
 
ويرى أجارار أن "تركيا في الآونة الأخيرة باتت دولة تتراجع عن الكثير من مواقفها وتصريحاتها بفضل أردوغان. لا توجد سياسة خارجية على مستوى الدولة في عهد العدالة والتنمية، بل هناك سياسة انقاذ الكرسي، لذلك لا أعتقد أن مثل هذه البرامج (التطبيع) ستكون طويلة الأمد. من الممكن رؤية صراع مع الإمارات غداً، وقد نشهد انقطاعاً للعلاقات مع قطر حتى، أو توتراً للعلاقات مع مصر".
 
وبحسب أجارار "أدركت تركيا أنه لم يعد هناك مكاسب من الإخوان المسلمين المتهاوية، لكن وصول طالبان إلى الحكم في أفغانستان كان بمثابة تزويد السلطة في تركيا بالوقود. سياسات أردوغان ليس لها أي مبادئ أو أهداف للوصول إليها، هي مبنية فقط على المحافظة على كرسيه، ورغم كل التنازلات، إلا أن تركيا لم تتنازل عن فلسفتها السياسية القائمة على الإسلام السياسي، وبالتالي أينما وجدت إسلاماً سياسياً أو حركة راديكالية ستكون حاضرة، كما في أفغانستان".
 
أما تاشتيكين، فيرى أن "الأزمة مع مصر والسعودية والإمارات هي حزمة واحدة، بمعنىً آخر، عملية التطبيع التي بدأت مع إحدى الدول لا يمكن أن تحرز تقدّماً بمواصلة الصراع مع الأخرى. لكن التزامن بين مصر والإمارات والسعودية في تراجع. على سبيل المثال، كانت الإمارات تنتظر لترى نتائج الحوار المصري - التركي. فجأة بدأت عملية حوار مباشر مع أنقرة. ربما تعتقد الإمارات أنه بعد التطبيع بين مصر وتركيا والسعودية وتركيا، فإنها ستفقد مزايا الحوار إذا تُركت وحيدة. ومع ذلك، فإن القضايا مترابطة. وظروف مصر والإمارات متشابهة، بينما السعوديون في موقع منفصل في الوقت الحالي. ما يميز العلاقة بين محمد بن سلمان وأردوغان هو العداء. أراد أردوغان حصر العلاقات مع والده (الملك سلمان) وتجاوز ابنه، لكن هذه الاستراتيجية ارتدت عكسياً".
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم