إعلان

أردوغان يصعّد مع الخصوم والحلفاء... هل بدأ يتلقّى الردود؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان - "أ ب"
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان - "أ ب"
A+ A-
يرى بعض الكتّاب الموالين للحكومة التركيّة أنّ سياسة أنقرة الخارجيّة متوازنة وقادرة على التعاون مع الشركاء حين يكون هنالك مصالح مشتركة، أو على الاختلاف معهم عند تباين المصالح من دون أن يؤدّي ذلك إلى توتّر العلاقات. هذا ما عبّر عنه برهان الدين دوران في صحيفة "دايلي صباح" منذ ثلاثة أيّام حين كتب أنّ الرئيس التركيّ رجب طيب إردوغان يتلقّى "إشادة" من نظيره الروسيّ فلاديمير بوتين. ويذكر أنّ تركيا تتعاون مع روسيا حول خطّ أنابيب "توركيش ستريم" ومنظومة "أس-400"، كما أنّهما تنافسان في أوكرانيا وناغورنو كراباخ وليبيا وإدلب.

ذهب دوران أبعد من ذلك ناصحاً الغربيّين بضرورة "تعلّم تقدير" بوتين لأردوغان: فكما أنّ رفض تركيا الاعتراف بضمّ القرم ومواصلة منافستها لروسيا في ليبيا وناغورنو كراباخ ومناطق أخرى لا يعكس وجود شعور مناهض لروسيا، كذلك، إنّ قرارها شراء "أس-400" ليس مؤشّراً لوجود معارضة تركيّة للغرب أو حلف شمال الأطلسي (ناتو).
 

 قفزٌ فوق الواقع التاريخي
قد يكون استقلال السياسة الخارجيّة في ظلّ نظام دوليّ غير واضح المعالم قراراً مفهوماً في عالم اليوم. لكنّ شراء منظومة صواريخ روسيّة يمكن أن تخرق النظام الإلكترونيّ للمقاتلات الأطلسيّة خصوصاً "أف-35"، لا يعدّ جزءاً من هذه الاستقلاليّة. ويبلغ هذا التطوّر درجة أعلى من السلبيّة لدى الغربيّين مع التصعيد التركيّ في شرق المتوسّط وخصوصاً اليونان. على هذا الصعيد، وفي 27 آب الماضي، ذكرت تقارير أنّ أنقرة شغّلت رادارات "أس-400" لتعقّب مقاتلات أف-16 اليونانيّة. كان هذا الأمر خطوة أخرى تبرز استعداد تركيا تشغيل المنظومة الروسيّة ضدّ حلفائها الأطلسيّين.

بالنسبة إلى دوران، يحقّ لتركيا أن تكون موجودة في جنوب القوقاز إذا أرادت روسيا الحضور هناك من أجل العمل على حلّ سياسيّ. غير أنّ هذه الحجّة تقفز فوق الواقع التاريخيّ الذي يعطي موسكو أولويّة النفوذ في القوقاز. فالمنطقة تنتمي إلى الفضاء الجيوسياسيّ التقليديّ لموسكو منذ عشرينات القرن الماضي على الأقلّ، كما أنّ روسيا أدّت أدواراً عدّة في حلّ النزاعات حول الإقليم أكان في أوائل التسعينات أم في مراحل لاحقة، ضمن مسار مينسك. وعلى ما يبدو، قد يكون إقليم ناغورنو كراباخ الملفّ الذي يجعل موسكو تعيد حساباتها في العلاقات مع أنقرة.

"انتقام"
قال إردوغان أمس أمام مشرّعين في البرلمان إنّه أجرى الثلاثاء محادثة هاتفيّة مع بوتين قال له فيها: "إذا أردت، نستطيع حلّ هذه (المسألة) بشكل شامل، بإمكان إجراء محادثات مع (رئيس الوزراء الأرمينيّ نيكول) باشينيان، وبإمكاني التحدّث مع شقيقي، (الرئيس الأذري إلهام) علييف".

لكنّ الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف نفى أن يكون الرئيسان قد تحدّثا عن مشاركة تركيا في المفاوضات لتسوية النزاع، قائلاً إنّ هذا الأمر لم يكن وارداً على جدول الأعمال. وذكر تقرير في شبكة "بلومبيرغ" أنّه من غير المرجّح قبول بوتين عرض أردوغان بما أنّ روسيا وأرمينيا يعارضان دوراً تركيّاً أكبر في "الحديقة الخلفية" لموسكو. ومن جهته، أعرب بوتين خلال الاتّصال مع إردوغان عن "قلقه العميق من التحرك العسكري المستمرّ والتورّط المتعاظم للإرهابيّين من الشرق الأوسط" في النزاع حول الإقليم.

يقدّم دايفد غاردنر في صحيفة "فايننشال تايمس" البريطانيّة زاوية ثانية لنظرة بوتينيّة أكثر تشدّداً تجاه السياسات التركيّة في المنطقة. فقصفُ الطيران الروسيّ لمقاتلين من "فيلق الشام" شمال سوريا والذي أوقع حوالي 78 قتيلاً من عناصره، بالرغم من انسحاب الجيش التركيّ من ثمانية مراكز للمراقبة في إدلب، لم يكن مرتبطاً بالملفّ السوريّ فقط. كان الأمر عبارة عن "انتقام" روسيّ على التدخّل التركيّ الداعم لأذربيجان في النزاع مع أرمينيا حول الإقليم. وأضاف غاردنر: "يبدو بوتين أنّه سحب موافقته على الوجود العسكريّ التركيّ شمال سوريا". بالنسبة إلى الصحافيّ نفسه، "لقد كانت بالتأكيد مسألة وقت قبل أن يختبر شخص ما مزيج أردوغان من التوسّع المفرِط وقابليّته للعطب".

قوى أخرى على الدرب نفسه؟
إذا كان بوتين أوّل شخص يختبر الوضع السياسيّ غير المستقرّ لدى أردوغان، وفقاً لتعبير غاردنر، فقد لا يكون الأخير بحسب ما تظهره التطوّرات. لا يسلك التمدّد التركيّ مساراً شرقيّاً وحسب بل مساراً غربيّاً أيضاً، خصوصاً مع اليونان وفرنسا. وإذا برز تردّد سابق في الموقف الأوروبّيّ لجهة اتّخاذ خطوات أكثر حسماً مع أنقرة، وتحديداً بسبب ضبابيّة الرؤية الألمانيّة، فإنّ البيانات الصادرة من ألمانيا مؤخّراً يمكن أن تظهر ملامح تحوّلات.

قال النائب الألمانيّ في البرلمان الأوروبيّ ورئيس لجنة الشؤون الخارجيّة دايفد ماكاليستر إنّ الاتّحاد الأوروبي سيتحرّك إذا لم توقف أنقرة تصرفاتها وتصريحاتها الاستفزازيّة. ماكاليستر الذي ينتمي إلى حزب المستشارة أنجيلا ميركل تأسّف لأنّ "الحكومة التركيّة لا تتّخذ خطوات ملموسة لتخفيف تصعيد الوضع الحالي". وأكّد أنّ الاتّحاد الأوروبّيّ يقف متّحداً مع دوله الأعضاء كما أنّ البرلمان الأوروبي "طلب من المجلس الاستعداد لتقديم لائحة بالمزيد من الإجراءات التقييديّة إذا لم يتمّ تحقيق تقدّم جوهريّ في التعاون مع تركيا".

كذلك، أعرب وزير الخارجيّة الألمانيّ هايكو ماس عن تضامن ألمانيا "مع الأصدقاء الفرنسيّين، خصوصاً في الصراع ضدّ المتطرّفين الإسلاميّين" واصفاً انتقادات الرئيس التركيّ لنظيره الفرنسيّ إيمانويل ماكرون بأنّها وصلت إلى "درك متدنّ إضافيّ وهي غير مقبولة بالكامل".

هل تصبح بروكسل القوّة الثانية بعد موسكو من حيث توجيه رسالة ميدانيّة إلى تركيا ردّاً على تصعيدها الخارجيّ؟ لا جواب واضحاً قبل القمّة الأوروبّيّة المقبلة في كانون الأوّل. لكنّ الواضح أنّ أردوغان يقدّم للأوروبّيّيين، كما للروس، كلّ المبرّرات للتحرّك بجدّية أكبر. وقبول إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب المتساهل عادة مع أنقرة ببيع مقاتلات أف-35 إلى أثينا، يظهر أنّ سياسات أنقرة بدأت ترتدّ سلباً عليها من كلّ حدب وصوب.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم