إعلان

هل يفاقم بايدن خسائره في أفغانستان بسبب أردوغان؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيسان الأميركي جو بايدن والتركي رجب طيب أردوغان يسلمان على بعضهما على هامش قمة حلف شمال الأطلسي، 14 حزيران(يونيو 2021) -  أ ب
الرئيسان الأميركي جو بايدن والتركي رجب طيب أردوغان يسلمان على بعضهما على هامش قمة حلف شمال الأطلسي، 14 حزيران(يونيو 2021) - أ ب
A+ A-

اتّخذ الرئيس الأميركي جو بايدن قراره بالانسحاب من أفغانستان على الرغم من تحذيرات بسقوط كابول بعد نصف عام على مغادرة آخر جندي أميركي البلاد، وبصرف النظر عن تحذيرات أخرى من عدم قطع حركة "طالبان" علاقتها بـ"القاعدة". انزلق بايدن إلى فخّ شعارات انتخابية حول إنهاء "الحروب التي لا تنتهي"، علماً أنّ أفغانستان، وعلى العكس ممّا هو سائد، لا تشكّل أولويّة للناخب الأميركيّ خصوصاً خلال السنوات الأخيرة بعدما انخفضت الكلفة المادية والبشرية التي يتكبّدها الأميركيون هناك. والأرقام لا تنتهي عند هذا الحدّ. فخلال السنوات الأخيرة أيضاً، وصلت نسبة الجنود الأميركيين من العدد الإجمالي للقوات الغربية في أفغانستان إلى 1 مقابل 2. وهذا يعني بشكل من الأشكال أنّ الولايات المتحدة كانت تتحمل ثلث العبء الغربيّ في مواجهة حركة "طالبان". والجدير بالذكر أنّ بايدن حسم قرار الانسحاب من البلاد حتى قبل إنهاء فريقه مراجعة السياسة الأفغانية.

 

نتائج التسرّع تحت الضغط

مع تصاعد الضغوط من الكونغرس لعدم ترك الحلفاء الأفغان أمام هجوم كاسح استردّت فيه "طالبان" أكثر من ثُمْن الأقاليم خلال أقلّ من شهرين، ومع التحذيرات الأمنيّة المتنوّعة، لن يكون مستغرباً تعثّر الإدارة في بعض خطواتها بسبب التسرّع. وهذا ما يبدو أنّه يحصل مع سعي واشنطن لتسليم أمن مطار كابول إلى تركيا. في الظروف الطبيعية، أمكن أن يكون هذا التنسيق بين حليفين أطلسيّين طبيعيّاً. لكن مع تدهور العلاقات الأميركية-التركية ومع خروج تركيا تدريجياً من الفلك الأطلسي عبر سلوكها الإقليمي والدولي فسيكون قرار كهذا محفوفاً بالمخاطر.

من ناحية أولى، ستستغلّ أنقرة الاستعجال الأميركيّ لانتزاع المزيد من التنازلات. وكلّما تسارعت وتيرة تقدّم "طالبان" الميدانيّ كسبت تركيا أوراق قوّة إضافية في التفاوض. ومطالب تركيا المحتملة كثيرة. هي تمتدّ من أذربيجان إلى ليبيا ومن ملف أس-400 إلى القضايا القضائية العالقة مع الولايات المتحدة. والوقت لا يمرّ لصالح بايدن. فمع المقارنات بين تداعيات الانسحاب الأميركي من أفغانستان وتداعيات الانسحاب من العراق وفيتنام، يواجه الرئيس الأميركيّ معاناة في تقليص الخسائر. لهذا السبب، ستصوّر تركيا نفسها على أنّها "خشبة خلاص" للإدارة في الأيّام والأسابيع القليلة المقبلة. وإذا لم يكن كلّ ذلك كافياً، فهنالك على ما يبدو نوع من السباق غير المفهوم مع الوقت، إذ تسعى الإدارة إلى إنجاز سحب معظم قوّاتها بحلول الرابع من تموز (يوليو) ليتناسب مع ذكرى الاستقلال الأميركيّ. يثير هذا الأمر بدوره تساؤلات عن سبب تقديم هذا الموعد ولو بشكل غير رسميّ من 11 أيلول إلى 4 تموز. هل هو استفاقة ضمنيّة متأخّرة بأنّ الموعد الأوّل جسّد انتصاراً رمزيّاً لحركة "طالبان"؟

 

لا مفاجأة... تنازلات سابقة

بالعودة إلى التساؤلات السياسيّة عمّا ستقدّمه واشنطن إلى أنقرة مقابل تسلّمها أمن مطار كابول وربّما السفارات الأجنبيّة في العاصمة الأفغانيّة، قد يكون الجواب مبهماً في الوقت الحاليّ. مع ذلك، يمكن توقّع تقديمها تنازلات كبيرة. حتى في مسائل لا ترتبط بالمكاسب الاستراتيجيّة كما هي الحال مع قضايا حقوق الإنسان، قد لا يمثّل هدوء النبرة الأميركيّة المحتمل تجاه سلوك السلطات التركية مع المعارضة والناشطين الحقوقيّين أيّ مفاجأة. لكنّ هذا الأمر سيعدّ تراجعاً عن إيلاء الإدارة أهمّيّة لحقوق الإنسان في سياستها الخارجيّة، كما سيعدّ تراجعاً عمّا قاله بايدن لصحيفة "نيويورك تايمز" خلال حملته الانتخابية عن ضرورة دعم المعارضة لإسقاط الرئيس التركيّ. وإذا كان بايدن قد أغضب تركيا حين اعترف بالإبادة الأرمينية منذ شهرين، فإنّ قيام إدارته بعد ساعات قليلة بتذليل العقبات القانونيّة أمام تقديم المساعدات العسكرية إلى أذربيجان أثار غضب الأميركيين من أصول أرمينيّة.

في هذا الوقت، تستمرّ المشاورات بين تركيا والولايات المتحدة حول حماية الأمن في مطار كابول كما قال وزير الدفاع التركيّ خلوصي آكار يوم الخميس الماضي بعد اجتماع مع وفد أميركي، مشيراً إلى أنّ بلاده لن ترسل قوّات إضافيّة إلى أفغانستان. وفي أوائل الشهر الحالي قال آكار: "نحن ننوي البقاء في أفغانستان بالاعتماد على شروط. ما هي شروطنا؟ دعم سياسي، مالي، لوجستي. إذا تم الوفاء بهذه الشروط، فسيمكننا البقاء في مطار حامد كرزاي الدولي".

 

المفارقة في العرض التركيّ

ما تقترحه تركيا ليس عرضاً بالمعنى الكامل للكلمة: عمليّاً، لن تقدّم تركيا الكثير للولايات المتحدة في أفغانستان. فهي أساساً تملك مشاريع مربحة في البلاد يتوجّب عليها حمايتها. وهذا ما تقوله الأستاذة في معهد الدراسات التركية التابع لجامعة ستوكهولم جيني وايت. إنّ "حماية المطار هي طريقة لإبداء اللطف من دون التنازل عن الكثير" في المسائل التي تهمّ واشنطن حقاً. وأضافت أنّه ومع "سياساتها العدوانية، فقدت تركيا أصدقاء في كلّ زاوية"، لهذا السبب، هي تحتاج إلى تحفيز الأسواق المالية وتأمل في كسب ودّ الأوروبيين والأميركيين. ولتركيا أيضاً مصالح في الدفاع عن الأقليات الأفغانية الناطقة باللغة التركية مثل التركمان والأوزبيك كما سعت إلى تقريب حزب الجمعية الإسلامية من الإخوان المسلمين. بالتالي، ومن خلال تنازلات رمزيّة تركيّة يمكن لأردوغان انتزاع تنازلات جوهريّة أميركيّة. تقدّر تقارير أن يكون الهدف التركيّ الأوّل تسوية ملفّ منظومة "أس-400" الروسيّة. هل يستطيع بايدن الرضوخ لهذا المطلب وتحمّل ضغط كبير من الكونغرس، خصوصاً أنّ سلفه ترامب المهادن لأردوغان قرّر أخيراً معاقبة أنقرة بسبب هذا الملفّ؟ وإنْ رفض هذا التنازل فأين "سيعوّض" على أردوغان؟

خسر بايدن الكثير في قراره الأفغانيّ. لقد حاصر الرئيس الأميركيّ نفسه بطريقة مجّانيّة، ويبدو أنّ الوقت لن يطول كثيراً قبل دفعه ثمن ذلك: من رصيد واشنطن، لكن أيضاً من رصيده الشخصيّ.   

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم