إعلان

متى تُنهي أوروبا سياستها "النباتيّة" تجاه أردوغان؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان
A+ A-
 
يساهم السلوك التركيّ في خلق نفور أوروبّيّ متزايد من أنقرة يتجلّى في مواقف رسميّة أو في تحليلات مراقبين أوروبّيّين. يستند الرئيس التركيّ رجب طيّب أردوغان إلى غياب قيادة أوروبّيّة قادرة على صياغة موقف موحّد في مواجهته. لكنّ هذا الرهان قد لا يدوم طويلاً. برز الرئيس الفرنسيّ إيمّانويل ماكرون كقائد لتكتّل من الدول الأوروبّيّة التي تدعو إلى الدفاع بحزم عن مصالح اليونان وقبرص في وجه تعدّيات تركيا على مياههما الإقليميّة. مدى نجاحه في المهمّة الجديدة يرتكز إلى قدرته على إقناع ألمانيا بانتهاج سياسة أكثر حزماً. 
 
لوم واشنطن
تحت عنوان "تركيا هي أكبر تهديد لأوروبا اليوم، واليونانيّون يحتاجون إلى مساعدتنا"، كتب الوزير البريطانيّ السابق للشؤون الأوروبّيّة دنيس ماكشاين مقالاً في صحيفة "ذي اندبندنت" منذ أيّام وجد فيه أنّ أنقرة تشكّل تهديداً أكبر لأوروبّا من التهديد الذي يفرضه "بريكست" وموسكو. وذكر أنّ المشكلة الأساسيّة لليونان هي رفض ألمانيا اتّخاذ موقف واضح من الصراع بين الطرفين. يرى وزير الخارجيّة الألمانيّ السابق زيغمار غابريال أنّه لو عوقبت تركيا بسبب شرائها منظومة "أس-400" أو دُفعت كي تغادر "حلف شمال الأطلسيّ" فهي ستصبح سريعاً قوّة نوويّة، وسترسل ملايين اللاجئين إلى أوروبّا. وتابع ماكشاين أنّ المشكلة الأساسيّة لغابريال هي عدم استعداد الولايات المتّحدة لمعاقبة تركيا.
 
صحيحٌ أنّ الإدارة الأميركيّة بقيادة الرئيس الحاليّ دونالد ترامب أبدت تساهلاً كبيراً إزاء أردوغان. لكنّ ربط السياسة الأوروبّيّة بالسياسة الأميركيّة للتعامل مع تركيا يثير علامات استفهام كثيرة، بالنظر إلى أنّ أوروبّا استطاعت أن تقود سياسة مستقلّة عن الولايات المتّحدة في الملفّ الإيرانيّ. علماً أنّ مشاكل الأوروبّيّين مع تركيا أكثر تداخلاً من مشاكلهم مع إيران.
 
تكرار الأخطاء
قال غابريال إنّ الردّ على تركيا يجب أن يتجسّد بواسطة "الصبر الاستراتيجيّ". لعلّ الملفّ الأبرز الذي ظهر فيه هذا المصطلح هو الملفّ الكوريّ الشماليّ وقد اقترحت إدارة الرئيس السابق باراك أوباما هذا المصطلح والذي أوصل بيونغ يانغ إلى تطوير صواريخ قادرة على تغطية كامل البرّ الأميركيّ تقريباً. بالتالي، لا دليل على أنّ عدم فرض عقوبات على تركيا سيجعلها أكثر مسالمة في التعاطي مع الأوروبّيّين. إنّ السلوك التركيّ الحاليّ أقرب إلى أن يقدّم الدليل على ما يناقض هذه النظريّة. 
 
الخلاصة التي ينتهي إليها غابريال هي أنّ السياسة الألمانيّة تجاه تركيا هي أكثر "نباتيّة" من السياسة الأوروبّيّة حتى. هذا التوجّه سيعيد تكرار أخطاء الماضي مع روسيا، وفقاً لتحليل مدير "المجلس الأوروبّيّ للعلاقات الخارجيّة" مارك ليونارد. كتب الأخير في موقع "بروجكت سنديكايت" أنّ أوروبّا نظرت إلى أنّ روسيا ستنضمّ إلى مشروع بروكسل في نهاية المطاف وقد أخفقت في توقّعها. من جهته، يعتمد أردوغان خططاً مشابهة لتلك التي اعتمدها بوتين، أكان من حيث سياسة "فرّق تسد" في أوروبّا (استخدام اللاجئين كسلاح في مقابل استخدام مشروع "نورد ستريم 2" لتقسيم أوروبا) أو من حيث تدخّل أردوغان في ليبيا. وذكر ليونارد أنّ غالبيّة الدول الأوروبّيّة ترى في تركيا "شريكاً معقّداً" عوضاً عن "المنافس المنهجيّ". لكنّه حضّها على استخدام "سياسة العصا والجزرة" معها كي لا تكرّر خطأها مع روسيا.  

"قوّة تنقيحيّة خطيرة مشبعة بالوهم"
إلى الآن، لا يبدو أنّ أوروبّا ستحزم أمرها وترسم سياسة واضحة ذات خطوط حمراء بوجود التلكّؤ الألمانيّ. وهذا ما يقيّد تحرّك الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون لمساعدة اليونان وقبرص، علماً أنّه سيقوم بتحديث الأسطول الجوّيّ العسكريّ لأثينا كما أرسل قطعاً من بحريّته إلى شرق المتوسّط. وترأّس أيضاً قمّة لنادي الدول المتوسّطيّة السبع في العاشر من أيلول في كورسيكا لبحث الملفّ والتمهيد لقمّة رؤساء دول الاتّحاد الأوروبّيّ في 24 و 25 أيلول. لكنّ الاجتماع الأخير تأجّل إلى الأسبوع المقبل بسبب فرض رئيس الاتّحاد شارل ميشال حَجراً صحّيّاً على نفسه بعد إصابة عنصر أمنيّ على تواصل وثيق معه بفيروس "كورونا". 
الباحث البارز المشارك في "مجلس العلاقات الخارجيّة" هنري باركَي يشير إلى أنّ الخلاف بين ماكرون وأردوغان أعمق من الخلافات الحاليّة. فهو يجد جذوره في كون الرئيس الفرنسيّ ينظر إلى نظيره التركيّ على أنّه "قوّة تنقيحيّة خطيرة مشبعة بنوع من ‘الوهم‘ حول تاريخها السابق". 
 
من المرجّح أن يكون هذا التصوّر الفكريّ عاملاً مهمّاً في عدم إبداء ماكرون تساهلاً مستقبليّاً أمام أردوغان. لهذا السبب، قال ماكرون أيضاً إنّ أردوغان والأتراك "يحترمون فقط الأفعال لا الكلمات"، وفقاً لباركي. ورأى الأخير أنّ رسائل الرئيس التركيّ إلى العالم الخارجيّ قد لانت قبل انعقاد قمّة بروكسل، فاقترح أنّه منفتح على المفاوضات مع جميع الأفرقاء باستثناء قبرص التي لا تعترف بها بلاده. كما سحب سفينة التنقيب "أوروتش رئيس" من المنطقة المتنازع عليها أواسط أيلول. وهذه المؤشّرات تدلّ إلى أنّ الضغط الذي مارسه ماكرون أثمر بعض النتائج. 
 
"يستحقّ التقدير"
في اتّصالهما الأخير الثلاثاء الماضي، رحّب ماكرون بالمحادثات الاستكشافيّة بين اليونان وتركيا داعياً إلى إجراء حوار بحسن نيّة من أجل خفض التصعيد والتوتّرات بشكل دائم. وبعدما دعا ماكرون أردوغان إلى إجرء حوار مماثل بين تركيا وقبرص، شدّد على ضرورة احترام تركيا الكامل لسيادة الدول الأعضاء في الاتّحاد الأوروبّيّ والامتثال للقانون الدوليّ والامتناع عن تحرّكات أحاديّة جديدة يمكن أن تثير الاستفزازات. وبحسب بيان الإليزيه، أكّد ماكرون ضرورة احترام تركيا حظر تصدير السلاح الأمميّ إلى ليبيا واحترام المصالح الأمنيّة لحلفائها في سوريا. 
 
قد يعتمد التقدّم في المحادثات الاستكشافيّة على القمّة الأوروبّيّة في 1 و 2 تشرين الأوّل، والأهمّ ربّما، على انتخابات تشرين الثاني الأميركيّة. اليوم، تتحجّج ألمانيا التي يصف بعض الإعلام الموالي لأنقرة موقفها ب "البنّاء"، بأنّ ترامب لا يأخذ المبادرة للضغط على تركيا كي تغيّر سلوكها. فهل تتّخذ ألمانيا موقفاً أكثر تشدّداً لو فاز بايدن بالرئاسة؟ أمن شرق المتوسّط ومصالح أوروبّا يمكن أن تتوقّف على تغيير برلين "سياستها النباتيّة" تجاه أردوغان. ماكرون سهّل المبادرة على ألمانيا. إذا فشل، فهو "على الأقلّ يستحقّ التقدير على المحاولة" وفقاً لباركي.ِ
 
 
 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم