إعلان

هل تُحدث الطائرات المُسيرة تحولاً في الصراع بين تركيا والأكراد؟

المصدر: النهار العربي
رستم محمود
طائرات مسيّرة تركية
طائرات مسيّرة تركية
A+ A-
اعترفت وزارة الدفاع التركية بتعرض اثنتين من قواعدها العسكرية جنوب شرقي البلاد لهجوم استثنائي بالطائرات المُسيّرة، في ولايتي باتمان وشرناق. الوزارة التركية التي أصدرت بياناً رسمياً حول الحدث، لم توجه اتهامات مباشرة لأية جهة، إلا أن جهات إعلامية وسياسية عدة داخل البلاد قالت إن "حزب العُمال الكردستاني" PKK هو الجهة الوحيدة التي يُمكن أن تقف وراء مثل هذا الهجوم، حيث يتعرض مُقاتلوه لهجوم مُستمر منذ شهور، في المناطق الجبلية الحدودية بين تُركيا والعراق، ويخوض كفاحاً مُسلحاً ضد الجيش التُركي مُنذ قُرابة أربعة عقود.
 
نفى بيان وزارة الدفاع التركية وقوع إصابات أو أضرار جراء الهجوم، لكنه لم ينشر أية صور موسعة لموقع الهجوم. وأضاف أن الهجوم تم على مقر قيادة فرقة المُشاة الثالثة والعشرين في منطقة جيرناك القريبة من مدينة باتمان، إلى جانب مقر قيادة أنظمة الطيران المُسير في محافظة شرناق. بيان الوزارة التركية يأتي بعد أيام من تعرض قاعدة عسكرية تركية أخرى في ولاية دياربكر لهجوم مشابه، قالت وسائل الإعلام التركية إنها نُفذت يوم الأربعاء في 19 أيار (مايو) الجاري وتمكّنت القوات العسكرية التركية من إسقاط الطائرتين المُسيرتين قبل وصولهما إلى القاعدة العسكرية، بحسب تصريحات وزير الداخلية التركي سليمان صوليو، لكن صحيفة "جمهوريت" التركية كانت قد أعلنت أن القاعدة العسكرية الثامنة في ولاية ديار بكر قد تعرضت لعدد من التفجيرات، في فجر ذلك اليوم.
 
الصحافي التركي المعروف بقُربه من مراكز القرار العسكري التركي جيهون بوزكورت كتب على صفحاته الخاصة في وسائل التواصل الاجتماعي، قائلاً إن الهجمات الأخيرة قام بها "حزب العُمال الكردستاني" من دون شك، وأنها جاءت انتقاماً من الحزب لمقتل "نور الدين صوفي" القيادي البارز في الحزب، الذي قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن القوات التُركية التي هاجمت قواعد "حزب العُمال الكُردستاني" قد تمكنت من اغتياله الثُلثاء الفائت. وأضاف بوزكورت أن الهجمات الأخيرة ستدفع وزارة الدفاع التركية إلى تغيير جدول الهجمات والطائرات المنطلقة من القواعد العسكرية في مناطق جنوب شرقي البلاد (ذات الأغلبية الكُردية).
 
موقع "الدقيقة الأخيرة" التركي واسع الاطلاع، كان قد نشر تقريراً عن الهجمات الأخيرة التي تمت على القواعد العسكرية التركية، مُذكراً أن هذا النوع من الطائرات أصبح سلاحاً جديداً في مخزون "حزب العُمال الكردستاني" PKK، وأن السؤال الذي تبحث الأجهزة الاستخباراتية التُركية يتعلق بالجهة التي حصل منها الحزب على هذا النوع الطائرات، التي لم تتمكن أرصدة التشويش الأرضية من تلك القواعد العسكرية التركية من إسقاطها قبل وصولها، ولم تلتقطها الرادارات ولم تتمكن من كشفها إلا حين اقترابها تماماً من القواعد العسكرية.
 
التسريبات الأمنية الأولى التي تلقتها وسائل الإعلام التركية قالت إن كندا هي الدولة التي تدور حولها الشكوك، خصوصاً في ما يتعلق بالأجزاء الحساسة والحاسمة الداخلة في صناعة وتسيير هذه الطائرات. الاتهامات التُركية توزعت على بُعد سياسي، يتعلق بالعقوبات التي فرضتها كندا على مؤسسات صناعة الطائرات المُسيرة التُركية عقب الحرب الأذربيجانية - الأرمينية الأخيرة، كردة فعل على الانخراط التركي لصالح أذربيجان، متهمة اللوبي الأرمني في كندا بتسهيل العلاقة بين كندا و"حزب العُمال الكردستاني"، وبُعد تشريعي، يتعلق بفهم الآليات التي تقوم به كندا لبيع القطع الداخلة في صناعة تلك الطائرات.
 
الباحث الأمني رؤوف سانجي المُقيم في الولايات المُتحدة شرح في حديث لـ"النهار العربي" التحول الجيلي للطائرات المُسيرة التقليدية التي كان يستخدمها "حزب العُمال" في ما سبق، والنموذج الجديد الذي صار يحارب عن طريقها، والتي مكنته من الوصول إلى القواعد العسكرية داخل البلاد: "كانت القنابل والمتفجرات تُحمل إلى الطائرات في النماذج القديمة، لكن الطائرة المُسيرة كانت تحت سيطرة الرادارات الرادعة، التي كانت تُسقطها خلال دقائق. الطائرات المُحدثة تستخدم شرائح "أكثر ذكاء" في تنقلاتها وهي تحميها من ملاحقة الرادارات. كذلك فإن الطائرات المُحدثة صغيرة بما لا يُقارن بالنماذج القديمة، بحيث يستحيل رؤيتها بالعين المُجردة أو بالمناظير الليلية من بعد".
 
يخوض "حزب العُمال الكردستاني" كفاحاً مُسلحاً ضد السُلطة التُركية منذ قرابة أربعة عقود، في صراع مرير راح ضحيته أكثر من أربعين ألف شخص، أغلبهم من المدنيين الأكراد القاطنين جنوب شرقي البلاد. كان تاريخ الصراع العسكري بين الطرفين قد شهد طورين شكلا تحولين استثنائيين لصالح تركيا في الموازين العسكرية. الأول حدث في أواسط التسعينات من القرن الماضي، حينما حصلت تركيا على طائرات حديثة، ذات قُدرة هائلة على ملاحقة الأهداف المُتعددة. والتحول الآخر كان خلال السنوات الخمس الأخيرة، حينما صارت تُركيا دولة مُصنعة ومُستخدمة للطائرات المُسيرة، وتصدره للكثير من دول العالم.
 
الباحث في الشؤون السياسية التُركية فهمي بوجاق، قال لـ"النهار العربي" تعليقاً على التطورات الأخيرة: "ستأخذ المسألة شهوراً حتى يتضح المشهد تماماً، فتركيا راهناً ستتبع سياسياً واستخباراتياً كُل الخيوط التي أوصلت هذه الأسلحة الجديدة إلى "حزب العُمال الكردستاني"، سواء أكانت من طريق المنظمات أو الشركات أو الدول، وستعمل جاهدة على تجفيف منابع تلك الطرق التي وصلت بها هذه الأسلحة. وبحسب نتيجة تلك المحاولات التركية، سواء نجحت في تحقيق ذلك أو فشلت، سوف يتحدد أفق الصراع العسكري بين الطرفين، وقُدرة "حزب العُمال" على تنفيذ ضربات موجعة لتركيا من عدم إمكان فعل ذلك".
 
صحيفة "ملييت" التركية نشرت تقريراً عن الأهداف الاستراتيجية للجهة التي وقفت وراء هذه العملية: "لقد اختاروا ثلاثة أهداف رمزية مهمة في ثلاث مناطق مختلفة. يبدو أن الجنود والأنظمة الموجودة في تلك المناطق كانت كافية لحماية القواعد العسكرية الثلاث في الوقت الحالي. لكن هذه التهديدات ستستمر. فالفاعلون سيحاولون مراراً وتكراراً من خلال إجراء تغييرات على آليات عملهم. الطائرات التي يستخدمونها ستكون الأرخص، وتتراوح أسعارها بين 500-1000 دولار، لتسهيل الحصول عليها. كذلك فإنها ستُطلق من الأماكن الأقرب من الجهة المُستهدفة، حتى تتجاوز مراقبة الرادارات المتطورة. كذلك فإن نوعية المُتفجرات التي تُحمل عليها هي الأكثر بساطة وقابلة للصناعة اليدوية".
 
في حال زيادة الهجمات على المقار والقواعد العسكرية التركية داخل البلاد، فإن تحولاً جوهرياً سيطرأ على الحرب التي تخوضها تركيا ضد المُقاتلين الأكراد، حيث تتقصد راهناً القضاء على المعسكرات الجبلية للحزب في المناطق الحدودية بين تركيا والعراق. فحدوث الأمر سيعني أن الصراع بين الطرفين سينتقل إلى داخل الأراضي التركية، وتالياً حدوث تبدلات جوهرية في طريقة تعامل تركيا مع المسألة الكُردية في البلاد.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم