إعلان

"انسحاب سياسي" من اتفاقية إسطنبول... واتهامات لأردوغان بتقويض الدستور

المصدر: النهار العربي
سركيس قصارجيان
تظاهرة ضد الانسحاب من الاتفاقية
تظاهرة ضد الانسحاب من الاتفاقية
A+ A-
أشعل قرار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الانسحاب رسمياً من اتفاقية المجلس الأوروبي لمنع ومكافحة العنف ضد المرأة والعنف المنزلي والمعروفة باسم "اتفاقية إسطنبول"، الجدل في البلاد وفق التقسيم السياسي التقليدي بين الموالاة الداعمة لكل قرارات السلطة والمعارضة الرافضة لمعظمها، في مشهد يؤكد تعمّق الشرخ المجتمعي بفعل سياسة الاستقطاب الحاد التي تنتهجها السلطات التركية منذ سنوات.
 
ورغم زحمة جدول أعمال أنقرة السياسي، بين تجريد النائب الإسلامي في "حزب الشعوب الديموقراطي" عمر فاروق غيرغيرلي أوغلو من حصانته وتوقيفه لساعات قبل إطلاق سراحه، والدعوى التي رفعها ممثل الادعاء لإغلاق الحزب ذاته، وتراجع قيمة الليرة التركية مجدداً أمام العملات الأجنبية بعد مدة من الثبات، إلا أن قرار الانسحاب نجح في تغيير أولوية جدول الأعمال وخطف الأضواء عن الملفات الأخرى لدرجة تصدّر وسم "سنحيي اتفاقية إسطنبول" الرافض لقرار الانسحاب موقع "تويتر" في البلاد.
 
ما هي اتفاقية إسطنبول؟
 
تمثّل اتفاقية المجلس الأوروبي بشأن منع ومكافحة العنف ضد المرأة والعنف المنزلي، أو "اتفاقية إسطنبول"، أحد أكثر الاتفاقات شمولاً وحداثة في مكافحة العنف ضد المرأة. دخلت الاتفاقية، التي أعلن التوقيع عليها في أيار (مايو) 2011 في اسطنبول، حيز التنفيذ عام 2014، حيث كانت المضيفة تركيا أول دولة تنضم إليها، ليقوم البرلمان التركي لاحقاً بالمصادقة عليها، وباتت تركيا من بين الدول الـ 32 المعترفة رسمياً بالاتفاق الذي وقّعت عليه 46 دولة أوروبية.
 
وتشدد "اتفاقية إسطنبول"، على حقوق الإنسان لمناهضة العنف ضد المرأة، وعلى العقاب ومنع الإفلات من العقاب، إضافة إلى تعويض المرأة عن العنف الذي قد تتعرض له، حيث تتم مراقبة الالتزامات التي تعهدت بها الدول الموقعة بموجب عقد الاتفاق من قبل لجنة الخبراء المستقلة (GREVIO)، التي نشرت أول تقييم لها عام 2016.
 
اتهامات بضرب القيم الأخلاقية
 
إشارات الانسحاب الأولى من الاتفاقية جاءت قبل أكثر من عام من قبل الرئيس التركي، حينما تحدث في كانون الثاني (يناير) 2020 في "الذكرى 86 لاكتساب المرأة التركية حق الانتخاب والترشح" عن عزمه على وضع حد لـ "المناقشات التي تجري من وقت لآخر حول الممارسات الخاطئة المستمرة بدلاً من جوهر العمل، خصوصاً في ما يتعلق باتفاقية إسطنبول".
 
وجدد الرئيس التركي الحديث عن الانسحاب من الاتفاقية في كانون الثاني (يناير) الماضي خلال لقاء جمعه مع رئيس المجلس الاستشاري الأعلى لحزب "السعادة" الإسلامي أوغوزهان أسيلتورك، حتى جاء المرسوم الجمهوري القاضي بانسحاب تركيا من الاتفاقية، صباح السبت الماضي.
 
وعلى الفور، وكما جرت العادة، انبرى الإعلام والسياسيون والنشطاء المحسوبون على الحكومة التركية للدفاع عن قرار أردوغان، متهمين الاتفاقية بكونها "مؤامرة خارجية تهدف إلى الإساءة لقيم العائلة التركية وأخلاق المجتمع التركي بسبب احتوائها على بعض البنود المتعلقة بحقوق المثليين والمتحولين جنسياً".
 
وفي هذا السياق، وصف الصحافي في موقع "Haber 7" الإسلامي التركي، طه داغلي، الاتفاق بأنه "مشروع عالمي ظاهره محاربة العنف ضد المرأة، وباطنه تدمير بنية الأسرة (التركية) من خلال زرع مفهوم المثلية الجنسية في أذهان شبابنا". فيما اتهم الصحافي مولود تيزيل في صحيفة "Sabah" الموالية للحكومة، المعارضة التركية بتحويل "إنهاء اتفاقية إسطنبول إلى مادة للمعارضة، خصوصاً أن هناك من يعارض الانسحاب من دون معرفة تفاصيل الاتفاقية، وينشر على مواقع التواصل الاجتماعي بهدف زيادة عدد متابعيه فقط".
 
في المقابل، نفت الناشطة الحقوقية حرّيم سونميز في لقاء مع "النهار العربي" اتهامات الجناح الموالي، مؤكدة أن "اتفاقية إسطنبول، مكسب قانوني جاء نتيجة كفاح نساء من فئات مختلفة في المجتمع التركي". وقالت سونميز: "أعتقد أن من المهم التأكيد على كلمة "فئات مختلفة" هنا لأن النساء القريبات من حزب العدالة والتنمية كنَّ أيضاً جزءاً من هذا النضال، وهو ما يدحض الاتهامات القائلة أن الاتفاق فرضٌ أوروبيٌ مستورد من الخارج".
 
وأضافت سونميز، الناشطة في نقابة محامي إسطنبول في قضايا الدفاع عن النساء المعنّفات منذ أكثر من 22 عاماً، أن "الاتفاق له أهمية كبيرة لجهة عمل السلطة العامة وتطهير القضاء من القواعد الثقافية الأبوية الراسخة التي تغذي العنف ضد المرأة. لذا فإن اعتراضنا على الانسحاب من الاتفاقية ليس بسبب محتواها القانوني فقط، بل لخشيتنا من الابتعاد من بعض المعايير العالمية المتعلّقة بحماية المرأة".
 
الخلفية السياسية لقرار الانسحاب
 
يؤكد معارضو الانسحاب زيف اتهامات الموالاة وادعاءاتها بشأن استبدال "القوانين المستوردة بأخرى محلية، تتناسب مع قيم المجتمع التركي"، ضمن الشعار الذي رفعه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المتمثّل بـ"المحلي والوطني" لتطبيقه في كل المجالات. ويشدّد هؤلاء على الخلفية السياسية لقرار "رئيس حزب العدالة والتنمية" الحاكم بالانسحاب من الاتفاق.
 
وأرجعت الحقوقية توبا توران عضو مجلس الانضباط الأعلى في "حزب الشعب الجمهوري" المعارض قيام "حكومة العدالة والتنمية بإثارة موضوع اتفاقية اسطنبول إلى نيتها في احداث تشققات ببنية تحالف الأمة المعارض، الذي يتكوّن من حزب الشعب الجمهوري المدافع عن الاتفاقية يساراً، والحزب الجيد في الوسط، وحزب السعادة الإسلامي الرافض للاتفاقية بالمطلق، يميناً".
 
وكان رئيس المجلس الاستشاري الأعلى لحزب السعادة، أوزهان أسيلتورك، قد كشف في لقاء تلفزيوني أنه ناقش موضوع انسحاب تركيا من اتفاقية إسطنبول في لقائه مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في كانون الثاني (يناير) الماضي، قائلاً أن "بعض مسؤولي حزب العدالة والتنمية قاموا بزيارته والطلب منه نقل قضية إلغاء الاتفاقية إلى أردوغان".
 
واتهمت توران، المعروفة أيضاً بكتاباتها الصحافية في قضايا حقوق المرأة، في حديثها الى "النهار العربي" حكومة العدالة والتنمية" أنها "تتخذ منذ فترة اجراءات وخطوات مخالفة للحقوق والديموقراطية ضماناً للحفاظ على سلطتها السياسية من دون تردّد، وآخرها تحويل الحقوق المجتمعية للمعنّفين بسبب انتمائهم الجنسي، إلى مادة للمساومة السياسية".
 
وأضافت توران أن "السلطة أثبتت بانسحابها تشبثها بالذهنية الرافضة لتحرر المرأة وحبسها في المنزل لإنجاب المزيد من الأطفال وبالتالي الحصول على فئة شابة تعتمد على الكم وليس السوّية بهدف تأمين القوى العاملة والأصوات الانتخابية بغية استمرار سلطتها السياسية".
 
من جهتها، رأت سونميز أن "معارضة حزب العدالة والتنمية لاتفاقية تحمي حقوق الأطفال والنساء المعنّفين بسبب ميولهم الجنسية في بلد ترتكب فيه جريمة قتل للإناث كل يوم، لا يمكن أن يكون لها مبرر قانوني، ولكن قد يكون الانسحاب لأسباب سياسية شعبوية. أردوغان سياسي يعرف جيداً الرموز الثقافية المحافظة وميول هذا المجتمع، ويعرف كيف يحولها لصالحه، في مسعىً لكسب الفئة المحافظة من المجتمع باستغلال نقص المعلومات والدعاية السلبية لاتفاقية إسطنبول".
 
نتائج قرار الانسحاب
 
ورأت توران أن "تركيا أحد أقدم وأهم أعضاء المجلس الأوروبي، هي المرة الأولى التي تنسحب فيها من اتفاقية دولية كهذه، لكن هذه الخطوة ستُفقد تركيا اعتبارها على مستوى الاتحاد الأوروبي وفي العالم، لأن الانسحاب من اتفاقية كهذه هدفها الوحيد مناهضة العنف يعطي صورة الداعم لممارسة العنف".
 
وأبدت توران قلقها من "أن استمرار هذه الذهنية قد يؤدي إلى الانسحاب من اتفاقات دولية أخرى وحتى تقويض المادة العاشرة من الدستور التركي، والذي ينص على فصل السلطات، وهو ما لم يعد موجوداً في النظام السياسي التركي اليوم".
 
وأيدتها في الرأي سونميز التي اعتبرت أن "بيان الانسحاب يحتوي على رسالة (سلبية) تتمثّل بإعلان تركيا عدم التزامها قواعد القانون الدولي".
 
المرسوم الرئاسي مخالف للدستور
 
إلى جانب المناقشات الحادة في الشارع التركي بين داعم لقرار الانسحاب ومعارض له بشدة، تصدّر الجدل حول دستورية الانسحاب من اتفاقية تم التصديق عليها من قبل البرلمان التركي الممثل للشعب بمرسوم رئاسي.
 
وقالت أستاذة القانون الدستوري في كلية الحقوق في جامعة غالاتا سراي "شولي اوزسوي بويونسوز" الى "النهار العربي" أن "المادة 90 من الدستور التركي تنظم الاتفاقيات بين الدول من حيث الشكل والمهل القانونية، والقاعدة الدستورية تقول إن رئيس الدولة يقوم بالتصديق على الاتفاقات الدولية بعد موافقة البرلمان التركي عليها، وهذا مبدأ ثابت في دستور جمهوريتنا، تستثنى منه الاتفاقات الاقتصادية والتقنية التي لا تتجاوز مدتها السنة، شريطة عدم مساسها بحقوق الأفراد والأشخاص شريطة عرضها على البرلمان خلال مدة أقصاها شهرين من توقيع الاتفاق".
 
وتابعت بويونسوز، "بالنسبة إلى اتفاقية إسطنبول فهي اتفاقية دولية تتعلق بحقوق النساء، وتم إقرارها بموجب موافقة البرلمان التركي، وصلاحية الانسحاب منها تعود للجهة التي صدّقت عليها، أي البرلمان، وبالتالي فإن القرار الرئاسي بالانسحاب هو مخالفة واضحة وقاسية للقانون والدستور التركي ولا يستند إلى أي أساس قانوني".
 
وشرحت بويونسوز أن "تركيا لم تشهد من قبل انسحاباً من اتفاقية دولية بهذا القدر من الأهمية بالنسبة إلى الحقوق والحريات العامة، وللمرة في تاريخ تركيا يتم اتخاذ مثل هذا القرار المتطرف من قبل شخص واحد، وهو ما يعرض الضمانة القانونية للخطر".
 
وبيّنت توران أيضاً أن "المادة 104 من الدستور التركي تنص بوضوح على أن الحقوق والحريات الأساسية لا يمكن تنظيمها بمراسيم رئاسية"، كما أن "اتفاقية إسطنبول التي تتناول الحقوق والحريات الأساسية لكل من يتعرض للعنف، وبخاصة الحق في الحياة والحقوق الفطرية للمرأة من الأهمية بمكان بحيث لا يمكن تقرير مصيرها بقرار رجل واحد".
 
اللافت للانتباه أن قرار الرئيس التركي الانسحاب من الاتفاقية جاء بالتزامن مع إعلانه عن حزمة من الإجراءات الإصلاحية في الحقوق والحريات والقوانين والاقتصاد في محاولة مواءمة نفسه مع وصول جو بايدن "الحساس لقضايا حقوق الإنسان" إلى البيت الأبيض، وفي وقت شهدت فيه تركيا خلال الساعات الـ 12 التي سبقت كتابة هذه المادة 6 جرائم قتل بحق نساء، كانت أبشعها على الإطلاق إقدام زوج على قتل زوجته بـ 15 طعنة في حضور أطفاله.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم