إعلان

تركيا تغلق ولايات وأحياء أمام اللاجئين السّوريين... قبل إعادة توزيعهم قسراً

المصدر: النهار العربي
سركيس قصارجيان
لاجئون سوريون
لاجئون سوريون
A+ A-
عاد ملف اللاجئين السوريين في تركيا إلى الواجهة مجدداً، بعد تحذير رئيس "حزب الشعب الجمهوري" التركي المعارض كمال كيليتشدار أوغلو من "الغيتويات والعالم السفلي"، ما دفع وزارة الداخلية إلى الإعلان عن خطة "تمييع" بنى اللاجئين السوريين، عبر منع تسجيلهم في ولايات ومناطق وأحياء بعينها، بالتزامن مع فرض إجراءات لنقلهم وإعادة توزيعهم إلزامياً.
 
تشير "الولادة المبكّرة" لخطة وزارة الداخلية بفعل حملات المعارضة، إلى خشية واضحة لدى السلطة من تأثير ملف اللاجئين السوريين على حظوظها في انتخابات العام المقبل البرلمانية والرئاسية، وسط مخاوف من نجاح المعارضة في استخدام هذه الورقة مجدداً على غرار ما قامت به خلال انتخابات 2019 المحلية، والتي انتهت باستحواذ التحالف المعارض على أكبر خمس بلديات في البلاد، بما فيها العاصمتان السياسية والاقتصادية: أنقرة واسطنبول.

المعارضة تحذّر من الغيتويات والجريمة المنظّمة
وكان كمال كيليشدار أوغلو قد أدلى بتصريحات لافتة الى وكالة "رويترز"، تحدث فيها عن عناوين تشكّل صلب السياستين الخارجية والداخلية لتركيا، وأثار الشق المتعلّق باللاجئين السوريين والعلاقة مع دمشق اهتمام الإعلام، بشقيه التقليدي ومنصات التواصل الاجتماعي.
 
وذكّر أوغلو بوجود أكثر من 3.6 ملايين لاجئ سوري في تركيا وفق الأرقام الرسمية، مبيّناً أن السوريين باتوا ينشئون غيتوات خاصة بهم يعيشون فيها منعزلين عن المجتمع التركي، بالإضافة إلى تأسيس بنية لـ"العالم السفلي"، في إشارة إلى انخراط بعضهم في نشاطات الجريمة المنظّمة.
 
أوغلو، المرشّح الرئاسي المحتمل للمعارضة، شدد على ضرورة حل مشكلة اللاجئين، مشيراً إلى "ضرورة التوصّل إلى اتفاق مع الأسد وإعادة العلاقات الدبلوماسية مع دمشق، لضمان أمن العائدين إلى سوريا" في خطاب يعكس الموقف القديم الجديد للمعارضة التركية.

الحسابات الانتخابيّة تدفع الحكومة لتغيير سياستها تجاه اللاجئين
سرّع الاهتمام الذي لاقته تصريحات أوغلو من مخاض الإجراءات الخاصة باللاجئين، بحسب تأكيد مصادر مطّلعة على الملف شرحت لـ"النهار العربي" أن الحكومة التركية تعمل منذ مدة على قانون جديد، ظاهره متعلّق باللاجئين عموماً، لكن جوهره وبنوده يخصان السوريين بشكل مركّز، تمهيداً للإعلان عنه مع بدء الحملة الانتخابية لائتلاف السلطة المكوّن من "العدالة والتنمية" وشريكه "الحركة القومية"، لاستغلال الملف ورقة رابحة في الانتخابات المصيرية التي تشهدها البلاد العام المقبل.
 
وبيّنت تلك المصادر أن الصدى الإيجابي الذي لاقته تصريحات زعيم المعارضة لدى الأتراك، دفع وزارة الداخلية إلى الإعلان عن خطة "مكافحة التركيز المكاني" قبل وقتها، واعتباطياً، خشية تأثّر قاعدته الشعبية، الأكثر رفضاً للاجئين السوريين، مدفوعة بالدرجة الأولى بسوء الأحوال الاقتصادية، والمزاج العام المتشكّل في السنتين الأخيرتين، خاصة لدى هذه الطبقة، باعتبار السوريين سبباً للبطالة وهدر موارد الدولة، وبالتالي تراجع دخلها من جهة، والخدمات التي تحصل عليها من جهة أخرى.

تفاصيل خطة "مكافحة التّركيز المكاني"
تفيد بيانات وزارة الداخلية التركية بأنه يعيش اليوم في تركيا 3.7 ملايين لاجئ سوري تحت مسمّى "الحماية الموقتة"، من أصل 5.4 ملايين لاجئ أجنبي، فيما يشكّل العراقيون والأفغان وحاملو جنسيات آسيوية وأفريقية أخرى ما يقرب من 1.7 مليون لاجئ.
 
 
 
تهدف خطة وزارة الداخلية الجديدة الى عدم السماح بأن يتجاوز عدد اللاجئين في أي حي سكني نسبة 25% من مجموع سكّان الحي، باللجوء إلى إجراءات قسرية ومقيّدة للحريات. 
 
وبناءً على ذلك، فقد منعت الحكومة التركية تسجيل الأجانب في 16 ولاية رئيسية تعتبر الأكثر استقطاباً للاجئين السوريين وهي: أنقرة، واسطنبول، وأزمير، وهاتاي (اسكندورن)، وأنطاليا، وبورصا، وأيدن، وتشاناكالي، ودوزجي، وأدرنة، وكيركلاريلي، وكوجالي، وموغلا، وسكاريا، وتكيرداغ، ويالوفا، إضافة إلى 800 حي في 52 منطقة في اسطنبول، كما تم إغلاق منطقتي الفاتح وإسنيورت في اسطنبول أمام كل أنواع طلبات الإقامة من جميع الأجانب. بمعنى آخر، القرار يمنع أي لاجئ جديد من الحصول على بطاقة الحماية الموقتة (الكيملك) في الولايات الـ16 المذكورة، إضافة إلى منع تجديد عقود الإيجار للمنازل وحتى المحال التجارية في الأحياء المحددة، للحاصلين على بطاقات حماية سابقاً.
 
لاجئون سوريون في تركيا
 
إجراءات "التمييع" بدأت قبل الإعلان عن الخطة
تبرر الحكومة التركية الإجراءات التي ستتخذها حيال اللاجئين، بكونها وسيلة لتسهيل تكيّف السوريين مع الحياة الاجتماعية التركية، وتفادي وقوع مشكلات أمنية، وتنسيق الخدمات العامة لتصل إليهم أفضل، ومنع التفرقة الاجتماعية بحقّهم.
 
وشبّهت المصادر التي تحدثت إلى "النهار العربي" خطة "مكافحة التركيز المكاني" بعملية التخفيف من تركيز أي مادة كيميائية عبر تمييعها، بإضافة كميات كبيرة من السوائل والمواد المذيبة التي تؤدي إلى تمددها، وبالتالي خسارة تركيزها، في إشارة إلى محاربة الغيتويات (التجمّعات السكانية المنغلقة) التي باتت تظهر في أحياء شعبية ضمن الكثير من المدن التركية، بحيث بات الكثير من الأتراك متخوفين من الدخول إليها، على غرار أحياء المهاجرين الأفارقة في بعض المدن الأوروبية، بحسب وصف المصادر.
 
وتفيد المصادر ذاتها بأن المرحلة الثانية من الخطة المعلنة تتضمن ترحيل السوريين من المناطق التي يشكّلون فيها كثافة سكانية أكثر إلى ولايات ومدن أخرى، أقل احتواءً للاجئين، حيث سيحق لهم بداية اختيار المنطقة التي يودون الانتقال إليها، ليتم لاحقاً حصر عملية الانتقال في الولايات التي لم تلق اهتماماً من اللاجئين.
 
وعلى رغم إعلان وزارة الداخلية التركية خطة "التمييع"، إلا أنها باشرت في وقت سابق بتطبيق العديد من إجراءاتها، وذلك رداً على كل مشكلة أمنية واجهتها البلاد بعد خسارة "العدالة والتنمية" الانتخابات المحلية الأخيرة. فقد أجبرت الحكومة سابقاً نحو 400 لاجئ على الرحيل عن حي "التينداغ" الموالي للحكومة التركية في العاصمة أنقرة، التي شهدت اعتداءات من الأتراك على سكان الحي من السوريين، على خلفية مقتل شاب تركي جراء شجار بين شبان أتراك وآخرين من اللاجئين. تم هدم العديد من الأبنية في مناطق سكن عشوائي في الحي المذكور، كانت تعتبر ملاذاً للاجئين السوريين لرخص بدلات إيجارها، فيما قامت السلطات الأمنية بترحيل اعتباطي لشبان سوريين آخرين، على الرغم من امتلاكهم بطاقات الحماية الموقتة.
 
بالإضافة إلى ذلك، فإن السلطات التركية، في محاولة لإرضاء قاعدتها الشعبية، باتت تلجأ إلى الترحيل القسري رداً على كل حادثة تلقى رواجاً على منصات التواصل الاجتماعي، إذ قامت بترحيل مجموعة من الشبّان لنشرهم "فيديوات الموز"، مع أن بعضهم هم من النشطاء والمروّجين لحكومة "العدالة والتنمية" في العالم العربي، بالإضافة إلى ترحيل 7 شبّان أخيراً بسبب ظهورهم في أحد شوارع أضنة حاملين أدوات حادة، ما أثار ردود أفعال واسعة من الأتراك على مواقع التواصل الاجتماعي.
 
مع تحوّل قضية اللاجئين إلى موضوع للسياسة اليومية في تركيا، يبدو أن حسابات الانتخابات باتت تجبر الحكومة التركية على الابتعاد عن الخطابات الشعبوية التي انتهجتها طوال السنوات الماضية، والتي أدت إلى انتشار خطاب كراهية تبدو السيطرة عليها صعبة في السنوات القليلة المقبلة.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم