إعلان

قصة ماتيلد مانوكيان "ملكة بيوت الدعارة"... كرمتها الحكومات التركية والمنظمات الأهلية

المصدر: النهار العربي
سركيس قصارجيان
ماتيلد مانوكيان
ماتيلد مانوكيان
A+ A-
أعلنت بلدية بي أوغلو  في اسطنبول عن نيتها ترميم 42 بيتاً للدعارة مهجوراً منذ 21 عاماً في شارعي "زرافة" و"كاديم" المجاورين لساحة تكسيم الشهيرة في مركز المدينة، وتحويلها إلى مراكز ثقافية.
 
ما يجعل من هذا الخبر اللافت للانتباه لجهة الفارق الكبير بين طبيعة عمل الدور المشار إليها حتى نهاية القرن الماضي، وما تصبو إليه البلدية اليوم، حدثاً استثنائياً، هو عائدية هذه البيوت، والدور الذي أدته في الحياة السياسية والاقتصادية للبلاد طوال سنوات فاعليتها.
 
إعلان بلدية "بي أوغلو" دفع الجيل التركي الناشئ للبحث في سيرة "ملكة قوّادات" تركيا، التي نالت من الشهرة والتكريم ما لم ينله العديد من الشخصيات السياسية بل وحتى الفكرية، لإسهاماتها الكبيرة في الاقتصاد والأعمال الإنسانية في البلاد.
 
يأخذنا هذا المقال إلى رحلة عبر شوارع تكسيم الفرعية، ويدخلنا في دهاليز أبنية أثرية تعود نشأتها إلى فترة حرب القرم لتقديم الخدمات الجنسية للجنود الإنكليز في عهد الامبراطورية العثمانية، للإجابة على أسئلة من قبيل من هي الملكة المقصودة؟ وما هي حكاية تلك البيوت؟ وماذا كانت تحوي خلف أبوابها المفتوحة في وجه فاتحي جيوبهم فقط؟
 
قصة الحي الذي حوّل قاطنيه إلى أرقام
في إحدى الزيارات إلى تركيا، تلقّيت عرضاً مغرياً من "حكمت دايي (الخال)"، الذي كان يحب أن يكنّى بهذا اللقب، لزيارة شارع "زرافة" الفرعي، لأكتشف أن الغرض من الرحلة لم يكن تعريفي بثقافة حي إسطنبولي شهير، بل لاستعراض أمجاده وتقديم إجابات عن سؤالي المتكرر له: "لماذا أحجمت عن الزواج؟".
 
كنا سالكين الأزقة الضيقة والأدراج الحجرية نقف أمام بناء تاريخي، جميل بأحجاره، موحش بسبب هجران سكّانه له. "هذا البناء والأبنية المجاورة تعود ملكيتها لوريث السيدة ماتيلد مانوكيان الوحيد... إن بحثت عنه ربما تصلك حصة أيضاً، بعد وفاته، من يدري؟" قالها الخال حكمت بابتسامة عريضة مشيراً إلى مشاركتي السيدة التي لم أسمع باسمها في حياتي للأصول الأرمنية.
 
 
 
يُخرج من جيبه التبغ المحلي، ويُشعل اللفافة التي ثبتها على شفته العلوية، بنية اللون، المغطاة بشاربين كثيفين، ليروي بالكثير من الحسرة قائلاً: "معظم رجال إسطنبول والكثير من سائر المدن التركية تواجدوا في هذه المنازل مرة على الأقل. هذا الشارع كان ينبض بالحياة ليلاً ونهاراً، شبّان ومسنّون يقفون أمام النوافذ باحثين عن فتاة تطابق أذواقهم على أمل أن يجدوا المتعة المنشودة. كان حيّاً منفصلاً عن العالم الخارجي، له قوانينه الخاصة بالنسبة إلى مرتاديه والعاملين فيه على حد سواء".
 
يلتفت إلى الرصيف يميناً ليكمل حكايته بالقول: "هنا كانت بسطة العم مصطفى، لوح من الخشب تجد عليه كل ما يخطر على بالك لإسعاد فتاة أحلامك الموقتة. أدوات الماكياج، الكحل، العطور، علب السجائر، حتى الواقيات الذكرية. كان العم مصطفى متقناً لعمله الذي يبدو بسيطاً للوهلة الأولى، لكن نصائحه لزبائنه المعتادين كانت تنمّ عن بائع خبير ومحترف. كان ينصح بالهدية المناسبة لكل رقم ينوي الزبون اختياره".
 
لم يكن في الحي وجود للأسماء، الأرقام فقط كانت تحدد وجهة الزبون، وشكل الحب والرغبة ومدة الإقامة، والمبلغ المتوجب عليه دفعه، عدا اسم واحد فقط "الباترونة ماتيلدا" ملكة القوّادات، ومالكة الحي.
 
"لم أرها في عمري، على الرغم من كوني زبوناً دائماً"، يضيف الخال حكمت، "كنّا نعتقد بأنها أجمل الفتيات على وجه الأرض، ننسج عنها الأحلام، بل ونراهق عبر تخيّلاتنا، إلى أن صدمت يوماً برؤية صورتها بعد أن بلغت من عمر هذه الأبنية. لقد كان شرفاً كبيراً بالنسبة إلى أية مومس العمل هنا، عند الباترونة ماتيلدا، شهادة قيّمة يرفع من مكانتها وقيمتها".
 
ويتابع "دليلي" راوياً أن "البعض كان يكتفي بالمرور والمشاهدة من خلف النوافذ، فالدخول كان يتطلب مبلغاً لا يقلّ عن 100 ألف ليرة (بالعملة القديمة)، وقد يصل إلى المليون حسب الطلب".
 
أرمنية صاحبة الرقم القياسي
أن تحصل سيدة أرمنية على لقب "الرقم القياسي للضرائب" عبر تجارة البغاء في دولة مسلمة، لا يمكن اعتباره حدثاً عابراً. دفعني هذا التناقض آنذاك للبحث أكثر في شخصية "الملكة" وأسرارها القليلة، لأصل إلى شهادات ثلاث شخصيات قابلوها خلال حياتها. الصحافية بيمان أكجان، التي دوّنت حياة ماتيلد مانوكيان، الصحافي فهيم ينير، والشرطي هـ.ك، الذي أدّى خدمته في الحي المذكور في تسعينات القرن الماضي.
 
تروي أكجان عن ابنة العائلة الأرمنية الغنية، التي تلقّت تعليمها في اوائل القرن الماضي في المدرسة الفرنسية، وتعلّمت عزف البيانو ورقص الكومباسيتا وفنون الخياطة في صغرها، لتتزوج من السيد آرام، "أجمل شباب الحي وأغناهم"، أن حياتها سرعان ما تغيّرت عندما ترمّلت في سن مبكّرة من زواجها مع أبنها الوحيد، لتضطر إلى ممارسة الخياطة طلباً للقمة العيش.
 
 
 
 
ذاع صيتها في أنحاء إسطنبول، لاتقانها "فن الخياطة الذي اكتسبته منذ طفولتها"، إلى أن حدث التحوّل الكبير في حياتها، عندما عرضت عليها إحدى الزبونات بيعها حصة النصف من بيوت الدعارة المرخّصة، التي كانت تديرها مقابل دينها الذي لم يعد في إمكانها سداده.
 
بعد 4 أيام من التفكير ملياً، قبلت الخيّاطة "ابنة العائلة المحافظة" العرض المغري "طالما أنها ستذهب نهاية اليوم لتحصيل أرباحها فقط"، وهكذا خطت ماتيلد أولى خطواتها على طريق بناء امبراطوريتها المالية والعقارية في تركيا"كمرتادي الدور، المومسات كنّ أيضاً أشكالاً وألواناً" يقول الشرطي هـ.ك. في شهادته لصحيفة "صباح" التركية بتاريخ 5 شباط (فبراير) 2016، "محاميات يرغبن بالتعرّف إلى قضاة ومسؤولين وأصحاب نفوذ من زبائن الباترونة ماتيلدا، معلّمات مدارس، وموظفات مصارف، بنات قرويات يرغبن بإكمال حياتهن في إسطنبول، وأخريات هاربات من قسوة آبائهن أو أزواجهن. بعضهن يبحثن عن المأوى والخبز، والأخريات طامعات في المناصب والشهرة". الكل كان يلتقي خلف أبواب بيوت ماتيلدا المشرّعة أمام الباحثين عن السعادة.
 
 
كان هـ.ك، مكلّفاً بمراقبة الحي والتدخّل لضبط المتسكّعين ومثيري المشاكل، يذهب إلى عمله الليلي ويعود منه بسيارة أجرة على حساب ماتيلدا، من دون أن يخبر أحداً بطبيعة مهمته. كثيراً ما تعرّف إلى مسؤوليه الأعلى رتبة، "فيما كانت خدمات التوصيل متوفّرة لأصحاب المناصب العليا، التي تحرص ماتيلدا على تلبية رغباتهم، هم وضيوفهم من الوفود الرسمية الأجنبية، بعناية فائقة".
 
مغادرة الدار كانت متاحة لكل فتاة ترغب في إكمال حياتها في العالم الخارجي، لكن كلفتها لم تكن رخيصة، "فالسندات التي تقوم بالتوقيع عليها مع بدئها العمل"، كفيلة لجعلها مدينة لماتيلدا طوال العمر، كما أن الهروب أشبه "بالمهمة المستحيلة، فأذرع ماتيلدا كانت طويلة في القضاء وخارجه".
بحلول ساعات الفجر، ووسط سكون الأزقة "كان الدار رقم 22 فقط، يشهد ازدحاماً لعدد كبير من الرجال". لقد كان ذلك بيت ماتيلدا التي تأتي لتحصيل الأرباح اليومية من المحاسبين الواقفين في دور طويل، قبل أن تقوم بترتيب النقود في خزنتها البالغة مساحتها 1.5 متر مربع".
 
أرقام رسمية وفلسفة حياة
كانت ماتيلدا تحصل على ثلثي أجر الزبون، في حين تحتفظ الفتاة بالثلث، وتقدّر يومية المومس بـ 6 ملايين (6000 آلاف بالعملة الجديدة) وسطياً. مع وسطي 15-20 مومس في كل بيت، ليتجاوز دخل كل دار مئات الملايين، فيما بلغت قيمة الضرائب التي دفعتها مانوكيان للدولة سنوياً بحدود 4 مليارات ليرة تركية (قبل حذف الأصفار).
 
 
تصدّرت مانوكيان اللائحة السنوية "للأرقام القياسية للضرائب" 6 مرات، وكان أسمها دائم التواجد في اللائحة، التي لا تزال الدولة التركية تعلن عنها، كنوع من تشجيع رجال الأعمال والمستثمرين على الابتعاد من التهرّب الضريبي. هذا الحرج دفع بالحكومة التركية بتاريخ 30/12/1993 إلى تعديل قانون الضرائب الرقم 3946 بهدف إقصاء "الباترونة ماتيلد" عن "لائحة الشرف".
 
نجح القانون الجديد في إبعادها عن السجلات الرسمية، لكنها ظلت تتصدر سجلات الأملاك المنقولة وغير المنقولة، بفضل امبراطوريتها العقارية، التي بلغت 500 شقة و50 متجراً و4 فنادق و4 مصايف و220 سيارة أجرة و37 بيتاً للدعارة و40 بناية، ومصنعين، إضافة الى يخت سياحي، وسيارة رولز رايس مزودة ببراد وتلفزيون وعدة حمام، استخدمتها آخر مرة لحضور حفلة بافاروتي، و4 سيارات بي إم دبليو، و4 سيارات مرسيدس. بعض هذه العقارات قامت بتأجيرها لمؤسسات عامة كبلدية شيشلي ومحكمة شيشلي وغيرهما.
 
تعرّضت للاستجواب مرتين بتهم تشغيل قاصرات، من دون أن يتم توقيفها، ولم تفلح جهود "الإسلاميين والقوميين" ومنظمات حماية حقوق المرأة وضغوطاتها على الحكومات التركية في إغلاق الدور المرخّصة، حتى أن ادعاءً متداولاً ينسب إلى الرئيس التركي الراحل سليمان ديميرال الذي ردّ في أحد الاجتماعات أثناء ترؤسه الحكومة التركية عام 1970 على هذه المطالب بالقول: "هل تريدون أن نغلق دور الدعارة، فيمارس الناس الجنس معنا؟".
 
توفّيت ماتيلد مانوكيان عام 2001، عن عمر ناهز 87 عاماً، بعد 6 أعوام من نجاتها من محاولة اغتيال، تاركة "فلسفة من 3 جمل قالتها للصحافي فهيم ينير: لا تؤمن بسرك لأنثى، لا تقترض المال من نذل، لا تصاحب رجل دولة"، فيما توفّي ابنها الوحيد العام الماضي في الولايات المتحدة عن عمر 80 عاماً، مخلّفاً 16 وريثاً حذوا حذو جدّتهم، التي عرفت بسخاء تبرّعاتها للجمعيات والمنظمات الطبية والإنسانية، متبرّعين بالبيوت الـ37 في شارعي زرافة وكاديم لبلدية "باي أوغلو"، التي ردّت بدورها على هذه "المبادرة القيّمة جداً" بشكر عائلة مانوكيان والإشادة بكبيرتهم.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم