إعلان

هل بدأ أردوغان يفشل في تقسيم المعارضة؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان - "أ ب"
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان - "أ ب"
A+ A-
بعد خسارة الرئيس التركيّ رجب طيب أردوغان الانتخابات البلديّة في السنة الماضية على نطاق مدينيّ واسع خصوصاً في أنقرة وإسطنبول، وبعد صدور استطلاعات رأي تفيد بأنّ شعبيّته آخذة بالتراجع بسبب سوء إدارة مواجهة فيروس "كورونا" كما بسبب سوء إدارة الاقتصاد، أثيرت تساؤلات عمّا إذا كانت المسيرة السياسيّة للأخير قد بدأت بالأفول.

تكتيكات أردوغان
 
جسّدت الانقسامات العقيدية العميقة بين المعارضة عقبة كأداء أمام توحدها في مواجهة الرئيس التركيّ. على سبيل المثال، عارض حزب "الخير" القوميّ التحالف مع "حزب الشعوب الديموقراطيّ" اليساريّ ذي الغالبيّة الكرديّة، أقلّه علناً. ومع الانشقاقات التي ضربت حزبه بقيادة رئيس الحكومة الأسبق ومهندس السياسات الخارجيّة أحمد داود أغلو، كما وزير الاقتصاد الأسبق ومهندس الطفرة الاقتصاديّة التركيّة السابقة علي باباجان، يمكن أن يصبح توحّد المعارضة عائقاً أصعب. ومن أهمّ التكتيكات التي يستخدمها الرئيس التركيّ لمواجهة تقلّص شعبيّته بحسب المراقبين، تقسيم المعارضة بين أحزاب علمانيّة وقوميّة من جهة، و"حزب الشعوب الديموقراطيّ" من جهة ثانية.

يؤكّد المدير البارز لبرنامج تركيا في "مؤسّسة الدفاع عن الديموقراطيّات" الدكتور أيكان إردمير استخدام أردوغان لهذا الأسلوب. والسبب هو التراجع الكبير في شعبيّة الرئيس التركيّ. ويوضح لـ"النهار العربي" أنّ آخر استطلاعات الرأي أظهرت تراجع الدعم الشعبيّ لـ"حزب العدالة والتنمية" إلى ما دون 30 في المئة. وأضاف: "بالنظر إلى أنّ شركاءه في تحالفه القوميّ المتطرّف يحظون بأقلّ من 7 في المئة من الدعم، تتقلّص حظوظ أردوغان (بالفوز مجدّداً) في الانتخابات الرئاسيّة عام 2023".

بحسب إردمير، وهو نائب سابق في البرلمان التركيّ، عمل أردوغان "جاهداً على تجريم حزب الشعوب الديموقراطيّ وقد سجن أعداداً كبيرة من مشرّعيه، رؤساء البلديّات التابعين له، والمسؤولين الحزبيّين. ويأمل الرئيس التركيّ أن تُجبِر حملة التجريم أحزاباً معارضة أخرى على فصل أنفسها عن الحزب المقرّب من الأكراد، بالتالي عن الناخبين الأكراد".

مخطئ في القيم والانتخابات
 
حتى الأشهر الأخيرة، نجحت سياسة الحكومة التركيّة في زيادة الانقسامات بين المعارضة. هذا ما توصّلت إليه مديرة برنامج تركيا في "معهد الشرق الأوسط" غونول تول من خلال مقال لها نشره الموقع في حزيران (يونيو) الماضي.

تعتقد تول أنّ ربط أردوغان "حزب الشعب الجمهوريّ" بـ"حزب الشعوب الديموقراطيّ" هو محاولة للإيحاء بأنّ الأوّل على علاقة غير مباشرة بـ"حزب العمّال الكردستانيّ" المصنّف على لائحة الإرهاب. في أيّار (مايو)، رُفعت الحصانة عن نائبين من "الشعوب الديموقراطيّ" ونائب عن "الشعب الجمهوريّ" بعد اتّهامهم بالتورّط في أعمال إرهابيّة وتجسّسيّة.
انتقد الحزب الكماليّ القرار الصادر بحقّ نائبه وامتنع عن ذكر النائبين من "الشعوب الديموقراطيّ". وتبنّى حزب "الخير" القوميّ السياسة نفسها. ومع اعترافها بنجاح تكتيك أردوغان، استنكرت تول تطبيق "الشعب الجمهوريّ" قيم الديموقراطيّة "بانتقائيّة" مشيرة كذلك إلى الشقّ الانتخابيّ والأصوات الكرديّة التي يحتاج الحزبان إليها في الانتخابات المقبلة.


هل يصبح "الجمهوري" جزءاً من المشكلة؟
 
لم يكن هذا رأي تول وحسب، كما لم يكن هذا الحادث هو المفترق الوحيد بين سياسات الحزبين. في الشهر نفسه، نقل مراسل صحيفة "ذا غارديان" في الشرق الأوسط وتركيا بيثان ماكيرنان عن حالات امتعاض داخل الحزب ذي الغالبية الكرديّة من طريقة تعامل "الشعب الجمهوريّ" معه. فبعد عزل 45 رئيس بلدية من أصل 65 بلديّة فاز بها "الشعوب الديموقراطيّ" في الانتخابات البلديّة بناء على تهمٍ بالإرهاب، لم يُبدِ أكبر حزب معارض في البلاد تضامنه مع الحملة التي تطاوله.

وقال المواطن مظلوم، وهو ناخب من دياربكر يبلغ من العمر 30 سنة: "كان لدينا أمل في الانتخابات البلدية السنة الماضية، اجتمعنا لدعم (إمام أوغلو في إسطنبول) ضدّ الحكومة. لقد حذّرنا حزب الشعب الجمهوريّ من أنّه حين ينتهون من قمعنا (حزب الشعوب)، فسيكونون اللاحقين. إذا لم يتكلّموا من أجلنا فحينئذ هم يشكّلون جزءاً من المشكلة".

ومع ذلك، استشهد ماكيرنان بالمحلّل سليم كورو الذي قال إنّ الفئات الشابّة في "حزب الشعب الجمهوريّ" أكثر وعياً بقضايا الصراع الطبقيّ وأقلّ شغفاً بالقوميّة من أسلافهم ممّا يعطيهم المزيد من الأرضيّة المشتركة مع الحزب اليساريّ.

هذا الواقع، لو صحّ تحليل كورو، كافٍ وحده لإعادة "الشعب الجمهوريّ" حساباته الانتخابيّة حتى مع وضع القضايا الديموقراطيّة جانباً. فالوضع الاقتصاديّ المتدهور وجائحة "كورونا" قد يجبران الرئيس التركيّ على الدعوة إلى انتخابات مبكرة خوفاً من تآكل إضافيّ متوقّع في القاعدة الشعبيّة للحزب الحاكم خلال السنوات القليلة المقبلة. ربّما لهذا السبب، برزت مؤشّرات إلى وجود تحوّل نوعيّ أوّليّ في العلاقات السياسيّة بين الأحزاب التركيّة المعارضة. فبعدما كان الحديث عن أنّ الحكومة التركيّة نجحت في تقسيم المعارضة، أصبح الاتّحاد أكثر بروزاً في العناوين خصوصاً خلال الأيّام القليلة الماضية. 

"وحدة وحزم غير مسبوقين"
 
أعدّ هلال قويلو تقريراً في شبكة "دويتشه فيله" الألمانيّة نشرته منذ خمسة أيّام، كتب فيه أنّ أحزاب المعارضة على مختلف توجّهاتها الفكريّة تظهر "وحدة وحزماً غير مسبوقين". حتى أنّ "الشعب الجمهوريّ" الذي دعا إلى إجراء انتخابات مبكرة رفعَ شعار "ممارسة الحكم مع الأصدقاء". ودعا الحزب رئيس "الحركة القوميّة" دولت بهتشلي إلى وضع البلاد على سكّة الانتخابات "إذا كان يحبّ بلده". حزب "الخير" أيّد الدعوة وكذلك حزبا باباجان "الديموقراطيّة والتقدّم" وداود أوغلو "المستقبل"، وقد جرت لقاءات جمعتهما إلى "الشعب الجمهوريّ". ومع أنّ الحزبين لا يتمتّعان بشعبيّة تفوق 5 في المئة فإنّهما قادران على سحب أصوات غاضبة من الحزب الحاكم.

وهذا ما يذهب إليه إردمير أيضاً: "السياسيّون المعارضون في تركيا، الأتراك والأكراد على حدّ سواء، على دراية تامة بمناورت أردوغان وسيستمرّون في صدّها، مدركين أنّ فرصتهم الوحيدة لإعادة الديموقراطيّة في تركيا هي توحيد القوى ضدّ تكتّل أردوغان الإسلامويّ-القوميّ المتطرّف".

ودان إردمير تجريم الرئيس التركيّ لـ"حزب الشعوب الديموقراطيّ" واصفاً إيّاه بكونه "تكتيكاً متهوّراً يزيد من تهميش الشباب الكرديّ المحروم، ويدفعه من استخدام الأساليب الديموقراطية إلى العنف السياسيّ. إنّ سياسة أردوغان اللامسؤولة ستؤدّي إلى تعميق الانقسامات الحاليّة في تركيا، الأمر الذي يتطلّب عقوداً من الشفاء بعد سقوطه من السلطة".
 

خياران صعبان
 
الحسابات معقّدة بالنسبة إلى الائتلاف الحاكم. تطلق دعوة "الشعب الجمهوريّ" ردّة فعل عكسيّة لدى "العدالة والتنمية" و"الحركة القوميّة" يمكن أن تمنعهما من الدعوة إلى إجراء انتخابات مبكرة مخافة من أن تستفيد المعارضة من الزخم الحاليّ. رفض أردوغان وبهتشلي الفكرة منذ أيّام قليلة. وقد يراهن الائتلاف على كسب الوقت المتاح أمامه لتعديل الجو الانتخابيّ خصوصاً إذا قُدّر للجائحة أن تنتهي قريباً.

لكنّ استمرار التدهور الاقتصاديّ، حتى في حال تبدّد "كورونا"، سيضرب شعبيّة الحزب الحاكم أكثر ويقدّم للمعارضة وقتاً أطول للمفاوضات وإمكانيّة الاتّفاق على خوض انتخابات مشتركة. الخياران صعبان بالنسبة إلى الحزب الحاكم، خصوصاً إذا استطاع "حزب الشعب الجمهوريّ" تحويل "ممارسة الحكم مع الأصدقاء" من مجرّد شعار إلى تحالف سياسيّ وانتخابيّ عريض ومنسّق. 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم