إعلان

أردوغان متخوّف من عقوبات "ماغنتسكي"... هل يتخلى عن "الإخوان المسلمين"؟

المصدر: النهار العربي
مهى سمارة
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان
A+ A-
إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن خطة عمل تتعلق بحقوق الإنسان كجزء من نهج الحكومة للتغيير والاصلاح جاء كمفاجأة ويقظة ضمير متأخرة ونداء استغاثة لفك عزلة تركيا الدولية وتجاوز أزماتها الداخلية.
 
مآزق أردوغان العديدة والمتنوعة، القريبة والبعيدة، كلها من صنع يديه وبنات أفكاره وطموحاته وأحلامه غير الواقعية وصعبة التحقيق.
 
إن التلويح بالتغيير والإصلاح يهدف بالدرجة الأولى إلى لفت نظر إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن وتحريك العلاقات التركية الأميركية الباردة وإبعاد العقوبات. فبعد شهرين من تسلّم الرئيس بايدن مهماته لم يجرِ أي اتصال هاتفي بين الرئيسين الأميركي والتركي. تركيا تواجه عزلة دولية وواشنطن لا تبدو مستعدة لتقديم يد العون قبل أن يدخل أردوغان تغييراً على سياساته التوسعية داخل المنطقة وخارجها. واشنطن تتعمد المماطلة وتأخير التواصل لأنها غير مستعدة لتقديم غصن الزيتون لأردوغان.
 
أردوغان يعرض تقديم تنازلات وإغراءات بالابتعاد من "الإخوان المسلمين" مقابل التقارب مع مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. استعمل ووظف "الإخوان المسلمين" على مدى عشر سنوات في همروجة الربيع العربي وفتح ابواب إسطنبول لاستقبالهم وأمن لهم الملاذ والمصرف والمذياع والقنوات لشن حملاتهم على الدول التي هربوا منها ويعادونها. أردوغان يبدي استعداداً للتخلي عنهم ومقاضاتهم بعد أن فشلوا في الوصول الى السلطة في أكثر من بلد وتحولوا عبئاً سياسياً واقتصادياً على تركيا رغم رئاسته لتنظيم "الإخوان المسلمين" الدولي.
 
أردوغان مستعد لتغيير جلده والتخلي عن حلفائه بغية التقرب من بايدن. هو يعي صعوبة اختراق الإدارة الجديدة في واشنطن. الكيمياء الشخصية بين الرئيسين مفقودة وهذا معروف منذ عهد أوباما عندما كان بايدن نائباً للرئيس. في تاريخه لم يعر بايدن أردوغان ولا تركيا انتباهاً بل يعطيه كتفاً بارداً وتلكؤاً مقصوداً حتى تبادر تركيا وتقدم تنازلات في أكثر من ملف وموقع. باختصار تركيا ليست من الأولويات المهمة راهناً.
 
بالطبع أردوغان سيفتقد العلاقات الشخصية التي كانت تربطه بالرئيس السابق دونالد ترامب والذي كان معجباً بأردوغان. شعوبيتهما قربتهما من بعضهما. وخلال عهد ترامب سادت العلاقات الأميركية - التركية، رغم الخلافات في وجهات النظر احياناً، أجواءً من التقارب والتفاهم والتعاون.
 
مع بايدن الأمور تختلف وستأخذ العلاقات مساراً مختلفاً وأقل سلاسة. صورة أردوغان عند بايدن غير زاهية. يصفه "بالمستبد" ويشجع المعارضة التركية على مواجهته في صناديق الاقتراع في 2022 في الانتخابات النيابية وفي 2023 في الانتخابات الرئاسية. هذه المواقف طبيعياً تغضب وتزعج الأتراك وتثير قلقهم.
 
واشنطن تتريث وتماطل وتتجاهل أنقرة قصداً لوجود ملفات ومشاكل عالقة لا يمكن التهاون بها. أميركا لا تزال عاتبة وحاقدة وغاضبة لشراء تركيا منظومة الصواريخ الروسية "أس-400". هذه الصفقة أثارت حساسية وانزعاجاً لدى البنتاغون والكونغرس حيث طالبا بتطبيق القانون الأميركي "لمواجهة اعداء اميركا بواسطة العقوبات" الذي أقره الكونغرس في 2017 قبل مجيء بايدن. أميركا لن تنسى رفض أردوغان الغاء الصفقة الروسية ما ادى الى عدم رفع عقوبات "كاتسا" والغاء واشنطن بيع تركيا طائرات "أف-35". وحرمان الشركات التركية من المشاركة في صناعة أجزاء وقطع غيار لانتاج تلك الطائرات...
 
ولا تزال قضية الصواريخ تثير فضولاً وتتفاعل مع الإدارة الجديدة، اذ يتساءل وزير الخارجية أنتوني بلينكن عن نوعية وقيمة الشراكة الاستراتيجية بين واشنطن وأنقره في الوقت الذي يقيم الأتراك شراكة مع روسيا في مسائل عسكرية بالغة الحساسية.
 
وتتهم واشنطن تركيا بمساعدة إيران في الالتفاف على العقوبات التي فرضتها الامم المتحدة ضد طهران ومساعدة الأخيرة في بيع النفط الإيراني وتهريبه عبر "بنك خلق" المملوك من الحكومة التركية. ويواجه هذا البنك دعاوى ضده في نيويورك هذا الشهر بتهم انتهاكات قانون العقوبات ومرجح أن تصدر احكام بإدانته وفرض دفع تعويضات قد تصل الى عشرين مليار دولار أميركي ما سيكون له تداعيات سلبية على الاقتصاد التركي المتعثر.
 
يوجد عدد من الملفات الخلافية بين الولايات المتحدة الأميركية وتركيا منها قضايا فساد وانتهاكات حقوق الإنسان. حاول أردوغان في خطوات استباقية تطويق تهم الفساد والمحسوبية في إدارته بتغيير محافظ البنك المركزي التركي مراد أوصال ووزير المالية والخزانة صهره بيراث البيرق حيث توجه لهما واشنطن تهم فساد وسوء ادارة.
 
أردوغان قلق من فتح ملفات الفساد وحقوق الإنسان حيث سجل تركيا قاتم وموضع شكوى وتساؤلات بعد أن ضربت أنقره الرقم القياسي في عدد سجناء الرأي واعتقال الصحافيين والنشطاء السياسيين. يوجد أكثر من 67 صحافياً تركياً وراء القضبان. ومنذ انقلاب 2016 والسلطة التركية تزج بألوف من الضباط والاكاديميين والمعلمين والموظفين والمثقفين بالسجون ما اضطر العديد أيضاً للهروب الى الخارج...
 
صدقية أردوغان في وضع خطة جديدة تتعلق بحقوق الإنسان وإدخال تغيير وإصلاح على نهج حكمه مشكوك بأمرها ولا تؤخذ جدياً. قد تكون إصلاحات تجميلية وظرفية فقط للخروج من مآزقه. معهد الدفاع عن الديموقراطية في واشنطن حذر إدارة بايدن من عدم الانخداع "بمسرحية أردوغان" حول إصلاحات حقوق الإنسان، مذكراً بتجريد 33 نائباً من حصانتهم البرلمانية، 11 نائباً منهم ينتمون الى "حزب الشعوب الديموقراطي" الكردي الذي يقبع رئيسه النائب صلاح الدين ديمرطاش في السجن منذ ثلاث سنوات. هذا فضلاً عن بقاء الزعيم الكردي عبدالله اوجلان سجيناً منذ أكثر من ثلاثة عقود في جزيرة نائية. واشنطن طالبت مؤخراً بإطلاق سراح الناشط السياسي عثمان كفالا الموجود في السجن والذي صادر أردوغان أملاكه وأمواله.
 
إدارة بايدن ترفع سيف حقوق الإنسان ضد الأنظمة الشمولية ورؤساء الدول المستبدين الذين ينتهكون حق مواطنيهم في التعبير والتظاهر والاجتماع وتفرض عقوبات بحقهم بموجب قانون ماغنتسكي. وهذا بالضبط ما يخيف ويقلق أردوغان ويحاول تفاديه. سجل تركيا وتدخلاتها العسكرية بل احتلالاتها لأراض سورية وعراقية ومعاملتها للأكراد داخل تركيا وخارجها في شمال سوريا ينطبق عليها قانون ماغنتسكي.
 
ويوجد خلاف أميركي تركي بشأن "قسد" اي "قوات سوريا الديموقراطية" الكردية في شمال وشرق سوريا. تعتبر أنقره الاكراد "تهديداً وجودياً" لها بينما واشنطن تعتبرهم مناضلين من أجل الحرية. وبفضل الوجود العسكري الرمزي الأميركي في شمال سوريا المحدود والذي لا يتجاوز عدد عناصره أكثر من ألف عنصر تأمنت حماية "قسد" وعائلاتهم وضمنت أميركا سيطرتها على آبار النفط التي يقوم المتقاتلون الأكراد بحراستها. ويتردد أن إدارة بايدن أكدت بقاء قواتها في سوريا وتنوي بناء قاعدة جوية قرب دير الزور تستطيع استقبال طائرات 52.
 
سياسة أردوغان التوسعية والاستفزازية في سوريا والعراق وفي شرق البحر الأبيض المتوسط ضد قبرص واليونان ومصر والتدخل العسكري في ليبيا وجنوب القوقاز وإقامة قواعد عسكرية في السودان وقطر والصومال وليبيا وإصراره على ترسيم الحدود البحرية مع حكومة الوفاق الماضية في ليبيا وتزويدها بالسلاح والمرتزقة والقوات العسكرية التركية، عرضة للعقوبات وتسبب مشاكل هي مدار خلاف جوهري مع واشنطن.
 
حاول أردوغان تغيير لهجته تجاه اليونان عندما تحرك الاتحاد الأوروبي وتصدى لشحنات السلاح والمرتزقة الى ليبيا والتحرشات في المياه الإقليمية لليونان وقبرص ومصر. الموقف الأوروبي عموماً والموقف الفرنسي خصوصاً أجبرا أردوغان على مراجعة موقفه والعزوف عن تحديه لليونان والدخول في مفاوضات جديدة معها.
 
حاول أردوغان تلطيف الأجواء وفك عزلته الدولية بسلسلة من التراجعات: سهّل الحل السياسي في ليبيا، أبدى استعداداً لإعادة التفاوض مع اليونان، دخل في مفاوضات مع واشنطن بشأن سوريا. عرض التخلي عن "الاخوان المسلمين" وبادر الى طلب الانفتاح على مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإعادة العلاقات معها. كل هذه المحاولات لم تلقَ اذاناً صاغية من بايدن.
 
والانفتاح التركي على محور الاعتدال العربي ومن البوابة المصرية بالذات يحمل معاني واهمية كبرى ولأردوغان شخصياً الذي تحامل على مصر وهاجم قواتها المسلحة التي انتفضت وخلعت محمد مرسي أول رئيس "إخواني" لمصر في 2013.
 
بعد تأييد أردوغان الأعمى لـ"الإخوان" وفي دعم انتخاب محمد مرسي والانقلاب عليه، شعرت أنقره بعد عقد من الزمن بأن عودة "الإخوان" الى حكم مصر انتهت وحان الوقت للتخلص من إرث الجماعة التي تحالف معها لأسباب إيديولوجية انتفت مع الوقت. في الأصل، مصر وتركيا حليفان تقليديان. انما بعد وصول "الإخوان" الى السلطة في القاهرة ولو لسنة واحدة، والذي كان يدعمه اردوغان بشدة، توترت العلاقات وانقطعت العلاقات الدبلوماسية.
 
الآن أدركت تركيا خطأ دعم "الإخوان" بعد وصول الإسلام السياسي الى حائط مسدود وانهزامه في أكثر من بلد وموقع مثل مصر، السودان، تونس، وليبيا، يقابله نجاح وازدهار محور المعتدلين العرب المؤلف من مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن، الذي يسعى أردوغان الى مصالحته وربما للانضمام اليه.
 
أردوغان في عزلة جعلته توّاقاً الى منافذ جديدة تنقذه من الورطات العديدة التي وضع نفسه فيها. أوروبا لا تريده. إدارة بايدن تتوعده. بوتين يشغله في صراعاته ولا يعرف كيف يتخلص من نفوذه في سوريا. يحاول أردوغان التخلص من أزمات داخلية طاحنة ربما ستفقده منصب الرئاسة في انتخابات 2023. لهذا يحاول استرداد شعبيته المتدهورة والضائعة في أكثر من بلد. ولهذا تبدو مغازلة مصر مهمة لحل أزمة النزاع البحري في شرق المتوسط. أردوغان شعر بالخطر عندما عقد الرئيس عبد الفتاح السيسي اتفاق ترسيم الحدود مع اليونان منافسة لتركيا. كما يتحسب لإجراء السعودية مناورات عسكرية مع اليونان. وكذلك التقارب اليوناني القبرصي الجنوبي مع القاهرة والرياض وابو ظبي.
 
إن التوقيع على اتفاقات التنقيب عن الغاز والنفط في المتوسط وترسيم الحدود بين اليونان وقبرص ومصر حاصرت تركيا وعكست نوايا أردوغان عندما ذهب بعيداً في نصرة "الإخوان المسلمين" أملاً في حصار مصر، فوجد نفسه الآن محاصراً.
 
أردوغان الذي رفع سابقاً شعار صفر مشاكل أضحى اليوم صفر حلفاء من صنع يديه. أخطاء مميتة ارتكبتها تركيا بحق العرب أكان مع مصر أو المملكة العربية السعودية من خلال التوظيف والتشهير بمقتل الصحافي جمال خاشقجي، أو دور تركيا في إذكاء الحرب السورية واحتلال جزء مهم من أراضيها والسيطرة على أجزاء من العراق عدا التدخل في ليبيا وقبلها في السودان... أدوار لعبتها تركيا لزعزعة العالم العربي وضرب الاستقرار في كياناته.
 
وتصادف مراجعة أردوغان الاستراتيجية مع حملات داخلية تشنها المعارضة التركية والعديد من الباحثين والمحللين الأتراك، المدنيين والعسكريين، الذين يطالبون بالابتعاد من تأييد إيديولوجية الإسلام السياسي وتحميله شخصياً مسؤولية سياسته غير الواقعية وطموحاته وأحلامه الصعبة التحقيق. استجابة الرأي العام التركي الذي يضيق ذرعاً بوجود قادة جماعات "الإخوان المسلمين" في تركيا أدت الى إقفال الحكومة التركية المنصات الإعلامية وشاشات التلفزة التي كان يستعملها "الإخوان" في حملاتهم ضد الدول التي فروا منها، خصوصاً ضد مصر والسعودية التي تحاول أنقره التفاوض معهما لإعادة المياه الى مجاريها.
 
والمبادرة جاءت من تركيا للانفتاح على مصر حيث قوبل الطلب بتحفظ وتمهل. صحيح أن المفاوضات جارية بين الدولتين إنما على مستوى الأجهزة الأمنية والمخابراتية، ولم تصل الى القنوات الديبلوماسية. بعد الإطاحة بحكم محمد مرسي انقطعت العلاقات المصرية - التركية وسُحب السفراء. وشن قادة "الإخوان" الذين أخذوا من إسطنبول مربط خيلهم حملات مغرضة ضد القوات المسلحة المصرية والرئيس السيسي بالذات... لذلك لا يبدو حماساً مصرياً ولا عربياً لعودة العلاقات مع تركيا سريعاً كما يرغب أردوغان. تركيا في حساباتها الخاطئة خرّبت استثمارات وسياحة عندما تبرّم الخليجيون من قضاء عطلهم في ربوعها والاستثمار في عقاراتها.
 
إصلاح العلاقات والعودة الى الزمن الجميل يتطلبان الاعتراف بالخطأ والاعتذار عن الإساءة التي طاولت كرامات أجهزة وأشخاصاً تناولتها الابواق التركية او سمحت باستعمالها من دون وجه حق.
 
التحولات الجارية في ليبيا والسودان وتونس ومصر تؤكد فشل سياسة تركيا وأن السفن لا تجري كما يشتهي الرئيس أردوغان. ليبيا بعد التسوية السياسية التي انطلقت والحكومة الجديدة التي بدأت تمارس مسؤولياتها هي الامتحان والمحك على نوايا تركيا وإدراكها بأن التحولات ليست في صالحها.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم