إعلان

كيف يتحوّل الجيش التركي من حارس للعلمانية إلى "جند الله"؟

المصدر: النهار العربي
سركيس قصارجيان
أردوغان والجنرالات
أردوغان والجنرالات
A+ A-
أشعلت صورة مسربة لأميرال في البحرية التركية أثناء أدائه الصلاة مرتدياً عمامة وعباءة بيضاء فوق بدلته العسكرية، بالتزامن مع تعديل شروط الدخول إلى الأكاديميات والكليات العسكرية، النقاشات مجدداً حول خطط الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المتعلقة بإعادة تشكيل الجيش أو كما وصفه أحد العسكريين المتقاعدين الأتراك بـ "تغيير جيناته".
 
وتداولت وسائل الإعلام التركية المعارضة الصور المسربة للأميرال محمد ساري، الذي نال ترفيعاً استثنائياً من قبل قيادة الجيش بعد محاولة انقلاب 15 تموز (يوليو) الفاشلة، مبينة مواظبته على تأدية المناسك الدينية وفق منهج "الطريقة" التي يتبعها مستعملاً سيارته العسكرية ومرتدياً بدلته ورتبه من "دون احراج"، في سابقة ضمن المؤسسة العسكرية التركية المعروفة سابقاً بمغالاتها في العلمانية وتطرفها في مواجهة المظاهر الدينية.
 
تعديل شروط التطوّع
في تعديل وصف بالدراماتيكي، قامت الحكومة التركية في أواخر آذار (مارس) الماضي بإلغاء بند "عدم الانخراط في النشاطات الرجعية" من شروط الدخول إلى الكليات والأكاديميات العسكرية لتأهيل الضباط وصفّ الضباط في الجيش التركي، وهو البند الذي شكّل لعقود من الزمن العقبة أو الأساس الذي استندت عليه قرارات إقصاء الأفراد ذوي الميول الدينية من صفوف المؤسسة العسكرية.
 
ويرى الصحافي التركي تيمور سويكان في حديث لـ"النهار العربي" أن "الإسلام السياسي منذ وصوله إلى الحكم في تركيا اعتبر الوصاية العسكرية العائق الأكبر أمامه، واتخذ خطوات مختلفة لتصفية قوة المؤسسة العسكرية التي تعتبر نفسها حامية العلمانية. سلطة "العدالة والتنمية" أقامت في البداية تحالفاً مع جماعة فتح الله غولن، وقامت بتسليم القضاء والشرطة وحتى بعض الأقسام الحساسة في الجيش لهذه الجماعة بهدف نسف الحساسية العلمانية للجيش. وحالياً تحاول إزالة العوائق أمام دخول أتباع الطرق الدينية إلى المؤسسة العسكرية. والخطوة الأخيرة (إلغاء الشرط) هدفها تشكيل جيش جديد واستبدال جماعة غولن بطرق "دينية" أخرى".
 
ويضيف أن "حزب العدالة والتنمية عمل بالتحالف مع تنظيم غولن الذي يعيش زعيمه في الولايات المتحدة، على إضعاف سلطة العسكر على الدولة والحكومة في شكل ممنهج، وذلك ضمن نطاق مشروع الإسلام المعتدل والشرق الأوسط الكبير الأميركي، وبخاصة بعد رفض البرلمان التركي لاقتراح 1 آذار (مارس)، حيث قاما بعملية تصفية للجيش عبر عمليات ارغينيكون وباليوز ووضع المئات من الضباط في السجون لسنوات، ومن ثم انفجرت الحرب الداخلية بينهما".
 
 
 
والمقصود بـ 1 آذار (مارس)، الاقتراح الذي تقدمت به حكومة "العدالة والتنمية" في حينه لفتح الأراضي والأجواء التركية أمام القوات الأميركية والمتحالفة معها لاحتلال العراق وتم رفضه بفارق صوت واحد من قبل البرلمان التركي في اصطفاف مثير للجدل، بين مؤيد للخطوة بزعامة رجب طيب أردوغان، ومعارض لها وأولهم رئيس الوزراء آنذاك عبد الله غول والجناح الموالي له اضافة للمؤسسة العسكرية. فردت واشنطن على هذا الرفض باعتقال جنود من الجيش التركي في السليمانية بشمال العراق بطريقة مهينة حيث تم تكبيلهم وتغطية رؤوسهم بالأكياس في الفضيحة التي عرفت في تركيا باسم "حادثة الأكياس".
 
وحسب سويكان أنه "بعد محاولة انقلاب 15 تموز (يوليو) من قبل جماعة غولن وبخاصة بعد التحول إلى النظام الرئاسي حدث فراغ في التسلسل الهرمي للدولة وفراغ في مستوياتها العليا. ونظراً للهيكلية المتماسكة للطرق والجماعات الدينية وتلقيها دعماً ووعوداً من السياسيين في أوقات الانتخابات، ولأنها ترى في التنظيم ضمن صفوف الدولة قوة كبيرة وتعتبره هدفاً أساسياً لها، انقضّت على هذه الفراغات".
 
تشهد المؤسسة العسكرية التركية اليوم تنافساً كبيراً بين مختلف الطرق الدينية بتفرعاتها وأهمها "النوريون والسليمانيون وأتباع جماعة اسكندر باشا" للتنظيم في صفوفها في شكل سري، وحسب سويكان فإنه "يتم أحياناً إقصاء أحد الجنرالات الكبار رغم عدم وجود علاقة له مع تنظيم غولن ليتضح لاحقاً أنه ضحية لهذا التنافس".
 
أما الجماعة الدينية الأكثر تغلغلاً في مفاصل الدولة اليوم، بما فيها المؤسسة العسكرية، فهي "جماعة المنزل" التابعة للطريقة النقشبندية، والتي تحظى بأكبر عدد من المريدين، وتملك شركات واستثمارات ومنشآت تعليمية وخدماتية تنتشر على كامل الجغرافيا التركية اضافة إلى قنوات تلفزيونية وإذاعية، ومعظم هذه المؤسسات تحمل اسم سمرقند. وكشف الكاتب التركي سايغي اوزتورك صاحب كتاب "المنزل طريقة دينية بوجهين" أن كلاً من وزيري الطاقة والصحة السابقين اضافة لـ 8 وزراء أتراك آخرين من مريدي الطريقة المذكورة.
 
ترحيب "إسلامي" بالقرار
أول المرحّبين بالتغيير الجذري المذكور كان "الشركة الدولية للاستشارات الدفاعية والصناعية والبناء والتجارة" والمعروفة اختصاراً بـ "سادات"، وهي النسخة التركية من "بلاك ووتر" الأميركية و"فاغنر" الروسية لكن بأيديولوجيا إسلامية، تديرها مجموعة من الضباط الأتراك المستبعدين من المؤسسة العسكرية استناداً إلى بند "الأنشطة الرجعية"، وأولهم رئيس الشركة العميد السابق في الجيش التركي عدنان تانري فيردي.
 
نشرت الشركة تغريدة عقب الإعلان عن التعديل المذكور وصفت فيها "الحفنة التي عادت ضباطاً احترفوا العسكرة بسبب معتقداتهم الدينية" بـ"العصب الخائن والشرير (في إشارة إلى انقلاب 28 شباط (فبراير) غير المباشر على نجم الدين اربكان)". وبرأي سويكان فإن "أصحاب الطرق الدينية مارسوا نشاطاتهم لأعوام في ظل الخوف من الجيش، واعتبار هذا البند تهديداً لحلمهم في تأسيس الجيش الإسلامي. ومنهم شركة "سادات" التي لها تأثيرها الضمني على وزارة الدفاع بحسب الإدعاءات".
 
لا تخفي "سادات" أهدافها في تأسيس "جيش الخلافة"، من خلال اللوغو الخاص بها والمتضمن خريطة للدول الإسلامية ملوّنة بالأخضر وفي قلبها تركيا المتزعمة لهذه الجغرافيا ملوّنة بالأحمر، وتصريحات مديرها عدنان تانري فيردي، المستشار العسكري السابق للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في المؤتمر الدولي الثالث للاتحاد الإسلامي، الذي دعا إلى وضع "دستور" لاتحاد الدول الإسلامية وعاصمتها إسطنبول. وفي كلمة له خلال المؤتمر أعلن خلالها تانري فيردي "ضرورة الاستعداد لظهور المهدي"، ما أثار ردود فعل عنيفة من قبل المعارضة التركية ودفعه إلى الاستقالة من منصبه الإستشاري.
 
وتشير تقارير إعلامية تركية وأجنبية إلى ضلوع "سادات" في أنشطة عسكرية خارجية في كل من سوريا وليبيا، اضافة إلى برنامج معلن لتدريب المرتزقة السوريين والقوات التابعة لحكومة طرابلس.
 
هواجس مستقبلية
يؤكد سويكان عدم "وجود قيادات في الجيش اليوم يمكنها معارضة الاسلام السياسي في البلاد، وبعد 15 تموز (يوليو) والتغييرات الجذرية التي حصلت في المؤسسة العسكرية من حيث تدريبها وتعليمها لم يعد هناك الكثير من العلمانية في صفوف الجيش".
 
ويصف سويكان أن حزب "العدالة والتنمية" بأنه "في الأصل تحالف طرق دينية، حيث يقوم أتباعه قبل وبعد كل انتخابات بزيارة تلك الطرق ونشر صور هذه الزيارات لضمان استمرار دعمها له وتثبيت قاعدته الشعبية. لكن المشكلة في هذه الطرق أن المريد يكون عبداً لمرشده أو شيخ الطريقة وينفذ كل ما يأمره به من دون اعتراض وهذا يؤدي إلى خلل في الهيكلية الهرمية للدولة وبخاصة الجيش بحيث يكون مصدر أوامره ليس المستوى الأعلى وإنما شيخ الطريقة التي ينتمي إليها. وقد ظهر ذلك في شكل واضح في الأبحاث التي قمت بها عن هذه الطرق الدينية واكتشفت أن معظم شيوخها هم محتالون ومدّعون في شكل غير مباشر للنبوة بحيث يعتقد هؤلاء الأتباع أن المرشد سيسحبهم من يدهم ويأخذهم إلى الجنة وأنهم اذا ابتعدوا عنه فإن مصيرهم النار".
 
الفرضية السابقة تؤكد ما ذهبت إليه التحقيقات التي تلت أحداث ليلة الانقلاب الفاشل من قيام أحد طياري مقاتلات "أف-16" التي تعتبر أعلى تقنية عسكرية، بقصف مبنى البرلمان التركي منادياً "من أجل المهدي"، أي الزعيم فتح الله غولن، ما يدل بحسب سويكان إلى أن "تركيا كلما ابتعدت عن العلمانية تقترب من خطر التحول إلى دولة قبيلة أو دمية في يد الطرق الدينية".
 
الإسلام السياسي ليس مقتصراً على الجيش
كشف الانخراط التركي المباشر في الحرب السورية عن مؤشرات ملموسة للتحول العسكري والسياسي التركي. فلم يقتصر هذا التحول في بنية الجيش نفسه، بل في الاعتماد على مقاولي "سادات" الإسلاميين كوسيلة لتفادي الضغوط الناجمة عن الخسائر في أرواح المجندين الإلزاميين. كذلك لم تفلح جهود تسويق مواجهة الإسلام الراديكالي المتمثل بـ"داعش" في التغطية على هذا التحول، فكانت فضائح الشعارات التي قام عناصر قوات الدرك المشاركين في العمليات الخاصة في شمال سورية برسمها على الجدران من قبيل "جند الله" و"أسد الله" وتعاون الجيش في شكل علني مع المسلحين المتطرفين المنتمين سابقاً إلى "القاعدة" و"داعش" وتفرعاتها خلال عمليات "درع الفرات" و"غصن الزيتون"، والشعارات الدينية التي دأب ضباط وعناصر الجيش على إطلاقها في المقاطع المصورة برفقة هؤلاء المسلحين بمثابة دلائل قطعية للتحول المذكور.
 
تعتبر سياسة العثمانية الجديدة المبنية على حلم الخلافة وسيكولوجيا إدّعاء المطالبة بالأراضي القديمة للإمبراطورية العثمانية الأساس الدبلوماسي الذي يقوم عليه الإسلام السياسي التركي اليوم في شكل مناقض تماماً لقيم الجمهورية التركية، التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك.
 
ويرى سويكان أنه "في ظل حكومة العدالة والتنمية تم هدم السياسة الخارجية التركية في عصر الجمهورية، والتي تم تطويرها على مبدأ السلام داخل الحدود وإدارة الظهر للشرق الأوسط في شكل نسبي وعدم إقامة علاقات وثيقة معها إلا في النطاق المطلوب للحفاظ على أمن البلاد وسلامتها. وهذا الهدم كلف أثماناً كبيرة للغاية، وتحولت تركيا إلى بيدق إمبريالي لإسقاط الجارة السورية، من خلال حلم الصلاة في المسجد الأموي بسياسة مرعبة لن يغفرها التاريخ أبداً كلّفت الآلاف من الأرواح وتدمير البلد الجار".
 
ويرى سويكان أنه "إذا أشعلت حريقاً في منزل جارك، فنيرانه سوف تطاولك أيضاً. يوجد في تركيا حالياً ما يقرب من 4 ملايين لاجئ سوري ما يحدث خللاً في التوازن في البلاد، ولسوء الحظ، فإن العنصرية تجاه اللاجئين آخذ في الارتفاع".
 
وينهي سويكان حديثه بالقول: "في تركيا اليوم هناك نظام استبدادي قائم على سجن الناس بسبب تعبيرهم عن آرائهم، وسط انتهاكات في العديد من القضايا مثل حرية الصحافة وحرية التعبير والحقوق الدستورية في شكل متزايد كل يوم. وتجبر الأزمة الاقتصادية في البلاد الإسلام السياسي الحاكم، على إدارة الأزمة بقبضة من حديد، لكن تركيا تغرق في الظلام، يبدو أننا سنخوض مساراً يجر البلاد إلى الظلام أيديولوجياً وسياسياً واقتصادياً".
 
الجدير بالذكر أنه بحسب تقرير سري لوزارة الشؤون الدينية التركية كشفت عنه وسائل إعلام تابعة للمعارضة، تعمل في تركيا 30 طريقة دينية تتفرع عنها 400 جماعة يرتبط بها ما يقارب الـ 2.6 مليوني مواطن تركي في شكل عضوي.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم