إعلان

هجوم مسلّح على مبنى "الشّعوب الدّيموقراطي" يحيي مخاوف الأتراك من عودة الجرائم السياسيّة

المصدر: النهار العربي
سركيس قصارجيان
مواطنون متجمعون أمام المقر
مواطنون متجمعون أمام المقر
A+ A-
أحيا الاعتداء المسلح الذي وقع، قبل ظهر اليوم، على مقر "حزب الشعوب الديموقراطي" التركي الموالي للكرد في مدينة إزمير، المخاوف من عودة الجرائم السياسية إلى اليوميات التركية، بالتزامن مع المطالبات المتكررة للمعارضة بضرورة الذهاب إلى انتخابات مبكّرة، وسط الأزمة الاقتصادية والعزلة السياسية ووصول الاستقطابات الحزبية إلى مستوى العداء في البلاد.
 
 
وفيما تسهم الحوادث التي شهدتها تركيا في فترات الانتخابات السابقة، من تفجيرات الريحانية وأنقرة وسروج، وغيرها من الاعتداءات على نواب ومسؤولين في أحزاب المعارضة، فرضية ربط هذا الاعتداء والتوقعات بتصاعد أعمال العنف في الأيام المقبلة بالظروف والعوامل الداخلية، فإن خلفية منفذ الهجوم وتزامنه مع تحذيرات زعيم المافيا التركي سيدات بيكير تعزز من هذه المخاوف وتدعم التحليلات والفرضيات المذكورة أعلاه.

حوادث الهجوم
ووفق المعلومات التي حصل عليها "النهار العربي" من مصدر أمني تركي، فقد أقدم الشاب أونور غينجير البالغ من العمر 27 عاماً في الساعة 10:35 من صباح اليوم، على اقتحام مقر "حزب الشعوب الديموقراطي" في المركز التجاري وسط المدينة، والذي يضم 32 محلاً تجارياً، إضافة إلى البناء المستهدف والمؤلف من طبقين، وفتح النار عشوائياً من مسدسه الأوتوماتيكي على 3 مراحل، ما أدى بداية إلى تهشم زجاج المبنى ليدخل بعد ذلك إلى مكتب الحزب، متخذاً من الشابة دينيز بويراز، 38 عاماً، الموجودة وحدها في المكتب لحظة وقوع الهجوم، رهينة في البداية، ثم قتلها بعد ذلك.
 
 
 
وأكد المصدر أن "المشتبه به حاول بعد إفراغ الرصاصات التي كانت في حوزته إحراق المبنى عبر إشعال النيران في أحد خزانات الوقود، إلا أن وصول الشرطة وفرق الإنقاذ حال دون ذلك، فتم توقيفه، فيما تم إرسال جثة الفتاة إلى الطبابة الشرعية وضرب طوق أمني حول المبنى وفي المنطقة".
 
ووفقاً للمصدر نفسه، فإن المشتبه به، الذي ألقي القبض عليه بالجرم المشهود، صرخ في مكان الجريمة قائلاً: "لا ارتباطات لي مع أي جهة، دخلت إلى المبنى لكرهي حزب العمال الكردستاني وأطلقتُ النار عشوائياً".
 
وكشف مصدر من كوادر الحزب في أزمير، فضل عدم الكشف عن اسمه، أن "بويراز، المنتمية الى حزب الشعوب الديموقراطي متدرّجة عبر تشكيلاته الشبابية، ليست من موظفي الحزب، بل كانت تسيّر الأعمال نيابة عن والدتها الموظفة، التي اضطرت الى الغياب عن العمل بسبب وعكة صحية تعرضت لها منذ أيام عدة".

الهدف مجزرة 
وشهد شارع المقر والأحياء المجاورة له تجمهراً لحشود مؤيدي "الشعوب الديموقراطي"، الذين نددوا بشعارات "حزب العدالة المجرم"، "السلطة القاتلة" بالجريمة، كما توافد قادة الحزب وبرلمانيوه إلى موقع الجريمة، الذي شهد مشادات كلامية بينهم وبين قادة القوى الأمنية، المتّهمين بالتقصير في حماية المقر وأمن أعضائه.
 
 
 
وأكد المصدر الحزبي أن "المقر يشهد عادة في أيام الخميس تجمعاً لمناصري الحزب، الذين يتراوح عددهم ما بين 35 و40 شخصاً في الطبقة العلوية، حيث تُعقد جلسات حوار ومناقشات في المواضيع المتعلقة بسياسة الحزب أو السياسة التركية عامة"، مضيفاً: "جلسة اليوم تأجّلت بسبب تعرض عدد من المشاركين لوعكة صحية طارئة في ظل مخاوف كورونا، ولو عُقدت فإن عدد الضحايا كان من المحتمل أن يصل الى العشرات، وبالتالي من يقف وراء الفاعل تقصّد إرساله لارتكاب مجزرة مروعة، لا اعتداء إرهابي كالذي شهدناه".
 
وأوضح المصدر الحزبي: "قدّمت قيادة الحزب واللجان القيادية عشرات الطلبات إلى البرلمان والسلطات الأمنية والإدارية المسؤولة في البلاد، لحماية مقار ومكاتب الحزب على كامل أراضي الجمهورية، على خلفية تصاعد خطاب الكراهية والعداء والتهديدات التي بات سياسيو السلطة وإعلاميوها يطلقونها علانية من على المنابر، لكن السلطات لم تستجب لهذه الطلبات"، مضيفاً: "علينا اتخاذ تدابير أكثر صرامة في الفترة المقبلة، حرصاً على سلامة أعضائنا ومناصرينا، ولن نوفر جهداً في ذلك بكل الطرق والأساليب المتاحة".

  شارك في القتال في سوريا
بعد أقل من ساعة على وقوع الهجوم المسلّح، بدأ النشطاء الأتراك بتداول صور نشرها المتّهم سابقاً على حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي لمشاركته في القتال في شمال سوريا. ويظهر المجرم في إحدى الصور التي شاركها على منصة "إنستغرام" رافعاً شعار "الذئاب الرمادية" داخل غرفة تحتوي على أسرة عسكرية وخلفه العلم التركي، مشيراً عبر خاصية "التشيك ان" الى كونه في حلب، فيما تظهر صورة أخرى للمجرم بالقرب من منبج حاملاً سلاحاً حربياً، وصورة ثالثة التقطها المجرم مع أحد أصدقائه في محطة عنتاب في تركيا مزيلة بجملة "بعد العودة من المهمة".
 
وخلافاً لادعاءات المجرم بعدم ارتباطه بأي جهة، كشفت النائبة عن حزب الشعوب الديموقراطي هدى كايا "ارتباط "غينجير" بشركة "سادات" الدفاعية، التي تلقّى فيها بعض التدريبات العسكرية ليتم إرساله بعد ذلك إلى سوريا ضمن مجموعات المرتزقة التي تقوم الشركة بنقلها إلى سوريا وليبيا وأذربيجان وغيرها من الدول.
 
وأعربت كايا لـ"النهار العربي" عن استغرابها "أقدام مسلح على اقتحام مبنى الحزب بهذه السهولة والأريحية، مقابل عمليات الترقّب والتصوير التي يتعرض لها كل من يدخل أو يخرج من مقار الحزب في كل أنحاء البلاد"، مضيفة أنهم "سيحاولون إظهار المجرم على أنه شخص مجنون أو تحت تأثير الكحول، لكن معلوماتنا تؤكد حصوله على تدريبات في شركة سادات".
وتضمنت منشورات "غينجير" على مواقع التواصل الاجتماعي جملاً تحثّ على الكراهية والعنف اتجاه الأقليات غير التركية من كرد وعلويين وحتى الأتراك المعارضين، وتدعو إلى الاقتصاص منها.

مخاوف من تصاعد الجرائم السياسيّة في البلاد
وحمّل العضو في "حزب الشعوب الديموقراطي" عن أزمير، الكاتب أحمد فرهاد، "رئيس حزب العدالة والتنمية رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان مسؤولية الاعتداء الذي وقع اليوم"، متّهماً إياه بـ"نشر الكراهية والعداء في خطاباته في الآونة الأخيرة".
وقال فرهاد لـ"النهار العربي": "عندما يصف رئيس الجمهورية الحزب الحاصل على 6 ملايين صوت في الانتخابات بالإرهابي، فإن ذلك لا يعني إظهار الحزب فقط كهدف للعنصريين والمتطرفين العرقيين في تركيا، بل هو استهداف للديموقراطية والسلم الأهلي في البلاد".
 
وأضاف فرهاد: "كرر شريك أردوغان في السلطة، زعيم حزب الحركة القومية (اليميني المتطرف) دولت باهتشيلي، مطالباته أخيراً بضرورة إغلاق الحزب وإنهاء مسيرته في الحياة السياسية التركية، ومن المعروف أن الحركة القومية هو حزب مافيوي تركي، كما أن زعيمه يتفاخر بصلاته برجال المافيا في تركيا كعبد الله تشاتلي وغيره، وبالتالي السلطة تتحمل مسؤولية هذه الجريمة اليوم".
 
وأعرب فرهاد عن قناعته بكون الجريمة اليوم "مخططاً لها، وليست اعتداءً عابراً، ومن المتوقع أن نشهد في الأيام المقبلة تصاعداً في العمليات الإجرامية والانتقامية بحق المعارضين الأتراك، وبخاصة تلك التي تستهدف حزب الشعوب الديموقراطي كونه الحزب الأكثر احتضاناً لكل انتماءات المجتمع التركي القومية والدينية". 
 
وأضاف فرهاد: "هذه الحادثة تعيدنا إلى التفجيرات والاعتداءات التي وقعت في الريحانية وسروج وغار أنقرة وغيرها من المناطق، في أعقاب الاستحقاقات الانتخابية قبل أعوام، وهي تأتي بالتزامن مع مطالبة الأحزاب المعارضة بالذهاب إلى انتخابات مبكرة".
 
ويعتقد بعض السياسيين والأكاديميين الأتراك، أن الائتلاف الحاكم المتمسّك بالسلطة في تركيا، قد يضطر للجوء إلى تصعيد العنف الداخلي في البلاد لتمكين القاعدة الاجتماعية القومية والدينية التركية، اعتماداً على نشر "الخوف من العنف القادم" و"الاتجاه نحو المجهول"، بخاصة مع الأخذ بعين الاعتبار مؤشرات الإحصاءات التي قامت بها مراكز الدراسات التركية أخيراً، بما فيها مركز "ORC" المقرّب من الرئيس التركي، والتي أظهرت للمرة الأولى تراجع شعبية الحزب الحاكم لمصلحة المعارضة.
 
ويعزو البعض هذا التراجع إلى الفضائح التي بات يكشفها المافيوزي التركي المقيم في دبي سيدات بيكير من خلال مقاطع الفيديو أو التغريدات التي يقوم بنشرها، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد وسط تراجع قيمة العملة المحلية.
وكان بيكير قد حذّر في وقت سابق من "إقدام السلطة على القيام بأعمال استفزازية بهدف إثارة الفتن، عبر القيام بتفجير دور عبادة عائدة للطائفة العلوية"، مطالباً الشعب "بعدم الوقوع ضحايا لهذه الأعمال أو النزول إلى الشارع، لأن ذلك يعني نجاح خطة رجالات الدولة العميقة والسلطة".
 
وبعد الهجوم، كرر بيكير في تغريدة جديدة، هذه التحذيرات، مشيراً إلى تنبئه سابقاً بوقوع مثل هذه "الأعمال الاستفزازية".
ورداً على هذه الاتهامات قال فرهاد: "أهمية تحذيرات بيكير في كونها صادرة عن أحد رجالات الدولة العميقة في تركيا، الذي كان له طرف سابق في مثل هذه الأعمال في الماضي".
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم