إعلان

أردوغان في فاروشا... كيف استغلّ قصر نظر بروكسل؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يزور أحد المنتجعات البحرية في جمهورية شمال قبرص التركية، 15 تشرين الثاني 2020 - "أ ب"
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يزور أحد المنتجعات البحرية في جمهورية شمال قبرص التركية، 15 تشرين الثاني 2020 - "أ ب"
A+ A-
خلال زيارته جمهوريّة شمال قبرص التركيّة لمناسبة الذكرى السابعة والثلاثين لإعلان تأسيسها، اختار الرئيس رجب طيب أردوغان هدفاً دقيقاً لإغاظة الأوروبّيّين: منطقة فاروشا. نجح أردوغان في مهمّته، علماً أنّ زيارة المنطقة لم تكن مفاجئة.

"لا نزهات فوق الألم"
تقع فاروشا في الحيّ الجنوبيّ من مدينة فاماغوستا التي شكّلت مركزاً سياحيّاً بارزاً جذب الأوروبّيّين والغربيّين إلى منتجعاتها الفاخرة. تغيّر ذلك مع احتلال تركيا شمال الجزيرة سنة 1974. استهدفت أنقرة تلك المنطقة في الساعات الأولى للهجوم فأجبرت سكّانها على الهرب ثمّ احتلّتها. ومنذ ذلك الوقت، تحوّلت فاروشا مدينة أشباح. وأطلق البعض على ذلك الحيّ صفة "جوهرة المتوسّط" قبل الاحتلال التركيّ.

خرق أردوغان قرارات مجلس الأمن الدوليّ التي فرضت منع الدخول إلى فاروشا باستثناء سكّانها، حتى يتمّ وضعها تحت إدارة الأمم المتحدة كجزء من مسار السلام. من جملة الذين أغضبهم الرئيس التركيّ بخطوته كان اليساريّون من القبارصة الأتراك الذين دعموا في الانتخابات الرئاسيّة الأخيرة مصطفى أكينجي في مواجهة الرئيس الفائز إرسين تتار. وحمل مئات من هؤلاء لافتات معترضة على أردوغان مكتوباً عليها: "لا نزهات فوق الألم".

تصعيد على كلّ الجبهات
تمّ التمهيد لزيارة أردوغان فاروشا من خلال عدد من الخطوات الشهر الماضي. في 6 تشرين الأوّل، زار تتار الرئيس التركيّ وأعلن المسؤولان إعادة فتح فاروشا جزئيّاً. وهذا ما حصل بعد يومين في بعض الشواطئ. كان أردوغان يريد تعزيز حظوظ تتار على حساب منافسه أكينجي. لكنّ استمرار الرئيس التركيّ في خطّته بعد الانتخابات الرئاسيّة يظهر أنّ هدفه أوسع من جمهوريّة شمال قبرص التركية. فقد أطلق عدداً من المواقف الاستفزازيّة بالنسبة إلى قبرص واليونان، ومن خلالهما، إلى الاتّحاد الأوروبّيّ، بدءاً بالحديث عن "حلّ الدولتين" بدلاً من صيغة الدولة الواحدة ذات الشكل الفيديراليّ. في الوقت نفسه، أعلن نيّته مواصلة المسح والتنقيب في المياه المتنازع عليها شرقيّ المتوسّط.

وقال أردوغان إنّه يجب إطلاق المبادرات لإنعاش فاروشا مبدياً تأييده دفع تعويضات للقبارصة اليونانيّين الذين فقدوا ممتلكاتهم سنة 1974. علاوة على كلّ ذلك، توقّع أردوغان أن تكون أذربيجان التي دعمها في حربها ضدّ أرمينيا حول ناغورنو كراباخ، ثاني دولة تعترف بجمهوريّة شمال قبرص التركيّة، بعد تركيا نفسها. وتحتفظ أنقرة بنحو 35 ألف جنديّ في تلك الجمهوريّة منذ تقسيمها.

انتقد منسّق الشؤون الخارجيّة في الاتّحاد الأوروبي جوزيب بوريل سلوك أردوغان كاتباً في بيان أنّ تصرّفاته "ستتسبّب بمزيد من غياب الثقة والتوتّر في المنطقة ويجب التراجع عنها على وجه السرعة". وأضاف أنّ هذه التصرّفات أتت في وقت لا تزال الجهود مستمرّة من أجل فتح مساحة للحوار حيث هنالك حاجة لاستئناف المفاوضات برعاية الأمم المتّحدة للوصول إلى تسوية تقضي بإعادة التوحيد. كذلك، أكّد أهمّيّة عدم خرق الوضع الخاص لفاروشا المكرّس بقرارات من مجلس الأمن. ومن المتوقّع أن يرسل الأمين العام للأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريس ممثّلته جاين هول لوت إلى الجزيرة في وقت لاحق من الشهر الحاليّ كي ترصد المواقف المبدئيّة حول فكرة العودة إلى المحادثات. 

"مقبرة الديبلوماسيّين"
تذكّر الباحثة في مؤسّسة الرأي "سنتشوري فاوندايشن" الأميركيّة داليا شندلين بأنّ الملفّ القبرصيّ وُصف بكونه "مقبرة الدبلوماسيّين". وتشير في مجلّة "فورين بوليسي" إلى أنّ القبارصة اليونانيّين أمِلوا بأن يستطيعوا في يوم من الأيّام العودة إلى ممتلكاتهم في فاروشا، طالما أنّ المنتجع بقي مغلقاً. لكنْ بمجرّد فتحه تبدّدت تلك الأحلام. 
غير أنّ زيارة أردوغان فاروشا لم تكن هي المحوّل الأساسيّ في الديناميّات فوق الجزيرة، بمقدار فوز تتار على الرئيس السابق أكينجي والذي حصل بفعل التغيّرات التي أحدثتها هجرة الأتراك خلال السنوات القليلة الماضية إلى شمال قبرص. ففي مقابلة مع شندلين، يقول أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة قبرص الدوليّة (شمال) سيرطاش سونان: "حين تنظرين إلى السياسة الخارجيّة العامّة لأردوغان – مع كلّ خطوة هو يصبح أكثر تشدّداً". ووصف نتيجة الانتخابات التي أتت بتتار بأنّها "نهاية حقبة".

إذا كانت المفاوضات بين القبارصة الأتراك واليونانيّين "مقبرة الدبلوماسيّين" حين بدت تركيا أكثر تأييداً لحلّ الوحدة وأقلّ تشدّداً في السياسة الخارجيّة، فهي تصبح أكثر تعقيداً مع الخطوات التصعيديّة الجديدة لأنقرة. أمكن الأوروبّيين أن يتفادوا هذا العنصر الجديد في المعادلة لو استطاعوا كبح جماح التأثير التركيّ المتصاعد عبر رسم خطوط حمراء لحماية دول الاتّحاد. بدلاً من ذلك، وجد الأوروبّيّون أنفسهم منقسمين حيال طريقة التعامل المناسبة مع تركيا، حتى وصلت بيروقراطيّة بروكسل إلى حائط مسدود، أو تكاد. وتجوُّلُ أردوغان في فاروشا هو أحد نتائج غياب هذه الرؤية، إضافة إلى تشتّت الأولويّات لدى الاتّحاد.
 

"أضحوكة"
تحت عنوان "فاروشا والفشل السياسيّ" انتقد الكاتب أندرياس كريسافيس الاتّحاد الأوروبّيّ، ومعه اليونان وقبرص، سارداً في موقع "أوبن ديموكراسي" تطوّرات الأشهر الأخيرة التي مكّنت أردوغان من تحويل الاتحاد الأوروبي والأمم المتّحدة إلى "أضحوكة".

عقد الاتّحاد في تشرين الأوّل اجتماعاً هدفَ إلى مناقشة التطوّرات البيلاروسيّة والعلاقات الأوروبية-الصينيّة واستفزازات تركيا شرقيّ المتوسّط. هدّدت اليونان وقبرص بفرض "فيتو" على معاقبة بيلاروسيا في حال لم تعاقَب تركيا. أقنعت المستشارة الألمانيّة أنجيلا ميركل تركيا بسحب سفينة التنقيب "عروج رئيس" من المياه اليونانيّة مقابل بدء المفاوضات مع تركيا. عادت السفينة إلى الميناء بهدف "الصيانة"، ووافقت اليونان على رفع الفيتو. كذلك، قبلت قبرص ببيانٍ "صيغ بذكاء" لكن "من دون جوهر" أدان انتهاكات تركيا لحقوقها السياديّة وحذّر من أنّه "سيراجع سلوك تركيا في كانون الأوّل ويفرض عقوبات إن لم تتوقّف انتهاكاتها". بذلك اكتمل "الفخّ" وقبلت قبرص برفع الفيتو بحسب كريسافيس. وقبل أن يجفّ حبر البيان، عاود أردوغان الهجوم وأعلن أنّه سيفتتح فاروشا، كما أرسل "عروج رئيس" إلى جزيرة يونانيّة وسفينة "بارباروس" إلى قبالة قبرص بغرض التنقيب.
رغم أنّ الرئيس التركيّ استطاع مناورة الاتّحاد الأوروبّيّ بنجاح في الفترة الماضية، ليس واضحاً بعد ما إذا كانت أوروبا قد استقت الخلاصة المناسبة قبل أسابيع قليلة من قمّة الاتّحاد المقبلة في كانون الأول. يتوقّف على ذلك الكثير من الآمال المستقبليّة المعقودة على وجود إرادة لدى بروكسل بالوقوف إلى جانب دولها الصغيرة حين تكون بأمسّ الحاجة إليها. 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم