إعلان

جدل "الكرديّة" يتجدّد في البرلمان التّركي

المصدر: النهار العربي
سركيس قصارجيان
النائب عائشة سوروجو
النائب عائشة سوروجو
A+ A-
يشهد البرلمان التركي منذ أيام نقاشات حادة، وصلت في الكثير من الأحيان إلى مستوى تبادل الاتهامات والشتائم، اعتراضاً على استخدام نواب من حزب "الشعوب الديموقراطي" الموالي للأكراد، اللغة الكردية للتعبير عن بعض الوقائع أو سرد الأمثلة.
 
تسميات الانفصاليين والاتهامات بتأييد الإرهاب التي كالها نواب الائتلاف اليميني لحزبي "العدالة والتنمية" و"الحركة القومية"، بحق شركائهم في المؤسسة التشريعية التركية، تكشف مرة أخرى، تجذّر رفض الاعتراف بالهوية الكردية في البلاد، لتغدو مصطلحات مثل "الأخوة الكرد" و"اللغة الكردية" و"كردستان" حكراً على فترات الحملات الانتخابية فقط.

حقبة العدالة والتنمية لإنكار الكرد
فجّرت النائبة عن أورفة في البرلمان التركي، عضو حزب "الشعوب الديموقراطي"، عائشة سوروجو، الجدل القديم الجديد، عندما تحدّثت في نهاية مداخلتها ضمن مناقشات إقرار الموازنة العامة للبلاد لعام 2022 تحت قبة البرلمان، باللغة الكردية بعد الاستئذان من الحضور، قائلة إنها ستترجم حديثها القصير إلى التركية بعد الانتهاء منه.
 
أثارت كلمات سوروجو بلغتها التي تشترك بها مع ثلث أبناء البلد تقريباً، غضب زملائها من نواب السلطة، الذين حاولوا إسكاتها بالصراخ بداية، ليغلق رئيس البرلمان مكبّر الصوت الخاص بالمنبر، بعدما عجز عن إسكات سوروجو، مكرراً مطالبتها بالتحدّث باللغة التركية، "لأن الحضور لا يفهمون ما تقوله"، من دون أن يأبه لتأكيداتها بأنها ستعيد الجمل ذاتها باللغة التركية.
 
كتم صوت سوروجو، لم يمنع زملاءها في الحزب من الاستمرار في تضمين جمل باللغة الكردية، في كلماتهم التي طالبوا خلالها بإدراج الكردية في المؤسسات الخدمية العامة على الأقل، عارضين أمثلة واقعية عن حرمان مواطنين كرد من خدمات طبية وإسعافية عاجلة، أو حقوقية وقانونية، بسبب عجزهم عن التحدّث باللغة التركية، فيما أبدى النائب عن ديار بكر في حزب "الشعوب الديموقراطي" من أقلية "اللاز"، هوشيار أوزسوي، استغرابه استخدام لغات عدة، بما فيها العربية، من قبل شركات الطيران التركية خلال رحلاتها بين الولايات ذات الغالبية الكردية داخل البلاد، مقابل غياب اللغة الكردية، متسائلاً بتهكّم: "هل سيؤدي الإعلان باللغة الكردية في طائرة معظم ركابها من الناطقين بها، إلى سقوط تلك الطائرة أو تقسيم البلاد؟".
 
 
ورداً على احتجاجات نواب السلطة على التحدث باللغة الكردية تحت قبة البرلمان، قالت نائبة رئيس كتلة حزب "الشعوب الجمهوري" البرلمانية، ميرال دانيش بيشتاش، إن حزب "العدالة والتنمية" أسس حقبة جديدة من إنكار حقوق الكرد في القرن الحادي والعشرين، "هذه الحقبة ستسمّى باسمه".

العقوبة لن تغيّر حقيقة وجود 30 مليون كردي 
شكّلت اللغة الكردية هاجساً للحكومات التركية المتعافية باختلاف أشكالها وأيديولوجياتها: العلمانية والدينية، المدنية منها والعسكرية، والتي رغم كل التناقضات والخلافات في ما بينها، اتّفقت على سياسة التضييق على اللغة الكردية، واجتمعت حول اتّباع نهج طمسها عبر فرض عقوبات صارمة بحق كل من يرتكب "جرم" التحدّث بها.
 
وفي حديث إلى "النهار العربي"، روت النائبة عائشة سوروجو أنه "منذ قيام الجمهورية، تعرض الشعب الكردي لمحاولات دائمة لإنكار هويّته، وتجاهل لغته عبر حظرها"، مضيفة أن "الكرد شعب عاش طبيعياً على هذه الأراضي منذ آلاف السنين بلغته وثقافته الخاصة".
 
لطالما حوربت اللغة الكردية في تركيا، واعتبر استخدامها من قبل السياسيين والنواب مخالفة دستورية، وجرماً يحاسب قانون العقوبات التركي مرتكبيه من المدنيين. عام 1991، تسبب تحدّث السياسية الكردية، ليلى زانة، باللغة الكردية، غداة أدائها القسم البرلماني بالتركية، قائلة "أؤدي هذا القسم باسم أخوة الشعبين التركي والكردي"، بأزمة سياسية كبيرة، عرفت باسم "أزمة القسم البرلماني 1991"، أدت بعد 3 سنوات إلى تجريد زانة من حصانتها، والحكم عليها بالسجن لمدة 15 عاماً، بعد إضافة تهمة الإساءة إلى تركيا في خطاب ألقته في الولايات المتحدة في العام ذاته.
 
وعلى الرغم من رد فعل السلطة العنيف على تحدّثها باللغة الكردية، إلا أن سوروجو تستبعد أن تلقى مصير رفيقة دربها زانة، فهي تعتقد أن "المجتمع التركي تجاوز هذا الوضع. تم سجن ليلى زانة في حينه، وهو عار في تاريخ تركيا السياسي. لا أعتقد أنهم سيرغبون في ارتكاب الخطأ نفسه اليوم".
 
لكن سوروجو، صاحبة الباع في النضال من أجل حقوق المرأة، تعود لتؤكد: "بالنسبة إلينا، نحن مستعدون لدفع ثمن نضال شعبنا من أجل الديموقراطية، في هذا البلد قُدّمت عريضة رسمية بحقي لأنني شاركت قصيدة (على تويتر)، لذا بغض النظر عن أي قرار قد يتخذه القضاء، الذي تحوّل دمية، فإن العقوبة لن تغيّر حقيقة أن 30 مليون كردي يعيشون على هذه الأراضي".
 
ويشرح رئيس المركزي الكردي للدراسات في ألمانيا، نواف خليل، أن "تركيا منذ تأسيسها اعتمدت مبدأ تجريم التحدث باللغة الكردية، إلى أن اضطر الرئيس سليمان ديميرال، تحت وطأة الكفاح المسلح الذي انطلق عام 1984، الى الاعتراف بوجود بشر مختلفين عن الأتراك، ممن كانوا يسمّونهم بأتراك الجبل في حينه، وفي سنة 1991، أقرّت الجمهورية التركية لأول مرة في تاريخها بوجود الكرد".
 
وأضاف خليل في حديث الى "النهار العربي"، أن "هذا هو سبب الضجة التي أثارتها زانة في البرلمان، حينما تحدّثت بلغة شعب لم يكن يعترف بوجوده في الأساس".
خليل يستبعد هو الآخر تعرّض سوروجو وزملائها من المتحدثين باللغة الكردية في البرلمان التركي خلال الأيام الماضية لمصير زانة، لأن "الوضع اليوم مختلف، فعلى الرغم من ممارسات الدولة التركية طوال السنوات الماضية، من إقصاء أو تجريم نحو 20 ألفاً من سياسيي "الشعوب الديموقراطي" ونوابه ورؤساء بلدياته، إلا أنها لم تنجح في إطفائه، وبقي التأييد الشعبي للحزب من دون تراجع، بل على العكس تظهر بعض استطلاعات الرأي أخيراً إحرازه تقدّماً مقارنة بالنسب السابقة.
 
أظهر مؤتمر "الشعوب الديموقراطي" بالأمس في اسطنبول، من خلال الحضور الجماهيري الحاشد، حجم التأييد الشعبي الذي يتمتع به الحزب في أكبر المدن التركية. ألهم الرئيس المشترك للحزب مدحت سنجار مشاعر أنصاره المتحمّسين، مؤكداً لهم أن "تهديدات السلطة بحق الحزب وقياداته وأعضائه وحتى أنصاره، وممارستها القمعية بالتهديد بالإغلاق والإقصاء، لن تثنيهم عن بناء غد أفضل في تركيا لجميع الشعوب التركية".
   
الازدواجيّة في رؤية السّلطات للغة الكرديّة
يرفض خليل اعتبار التحدّث باللغة الكردية في البرلمان فعلاً استفزازياً، قائلاً: "لطالما حضرنا مشاهد استعانة بامرأة أو فتاة كردية لترحّب بالرئيس التركي خلال زيارته للولايات الكردية طالباً لأصوات الكرد"، متسائلاً: "لماذا لا يتم اعتبار التكلّم باللغة الكردية استفزازاً حينما يكون للترحيب بأردوغان خلال الحملات الانتخابية؟ في حين أن استخدامه من قبل أي كردي يعرّضه إلى تهم تبدأ بالابتزاز، وقد تصل إلى النزعة الانفصالية ودعم الإرهاب؟".
وبرأي خليل، فإن "الاستفزاز الأكبر هو إنكار وجود شعب يعيش على أرضه التاريخية"، مذكّراً بأن حزب "العدالة والتنمية" نكث بوعوده بإعادة الأسماء الكردية الى المدن والمناطق الكردية قائلاً: "الاستفزاز هو عدم إعادة تسمية ديرسيم إلى تونجلي وعدم تغيير المادة 66 من الدستور التركي، الذي يقول بأن كل مواطني الدولة التركية هم أتراك".

الحكومة الحالية بعيدة من حل المشكلة الكرديّة 
وبرأي سوروجو، فإن "حكومة العدالة والتنمية تحاول الهروب من الواقع الاقتصادي المتدهور وذوبان الاحتياط النقدي للمركزي التركي، بتغيير الأجندة السياسية للبلاد، عبر تصفية الكرد وحزب الشعوب الديموقراطي والسياسة الديموقراطية في البلاد"، مضيفة أن "حكومة (العدالة والتنمية) العنصرية عاجزة عن تحمّل أربع أو خمس جمل باللغة الكردية في حديثي".
وترى سوروجو أن "الكرد دفعوا أثماناً باهظة بسبب هويتهم الكردية، والإنكار والاعتقال والحرب لا يمكنها إلغاء الكرد والكردية في البلاد، يجب حل المسألة الكردية في تركيا، وهذا ممكن من خلال الحوار والوسائل السياسية فقط، لكن الحكومة الحالية بعيدة كل البعد من الحل، وتنتهج سياسة قائمة بالكامل على الحرب والإنكار"، لتؤكد: "مهما كانت التكلفة، فلن ننكر أبداً هويتنا ولغتنا، وسندافع عن أنفسنا ووجودنا حتى النهاية ونقاتل من أجله".
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم