إعلان

حيث يلتقي المشروعان الإيراني والتركي...

المصدر: النهار العربي
خيرالله خيرالله
خيرالله خيرالله
خامنئي وأردوغان
خامنئي وأردوغان
A+ A-
لم يكن سرّاً، في يوم من الأيّام، وجود المشروع التوسعي الإيراني في المنطقة، وهو مشروع يعمل النظام القائم على تحقيق اختراقات اقليمية في ظلّه. يحصل ذلك منذ العام 1979 تحت شعار "تصدير الثورة". لكنّ السنة 2020، كشفت المشروع الآخر، وهو المشروع التركي الذي لا يمكن فصله عن شخص رجب طيّب أردوغان الذي عمل على حصر كلّ السلطات في يده متجاهلاً أنّ تركيا الحالية ليست السلطنة العثمانية وأنّ العالم والمنطقة تغيّرا الى حد كبير في السنوات المئة الماضية.
 
أردوغان ليس تركيا وتركيا ليست أردوغان، لكنّه يبقى ظاهرة في غاية الخطورة في انتظار اليوم الذي تعود فيه تركيا دولة طبيعية تعرف حجمها وتعرف، خصوصاً، أنّ عليها لعب دور إيجابي في محيطها بعيداً من الأوهام. بين تلك الأوهام التخلّص من معاهدة لوزان للعام 1923، وهي نتيجة طبيعية وواقعيّة أسفرت عنها نهاية الحرب العالمية الأولى.
 
يمكن اعتبار السنة 2020، التي شارفت على نهايتها، سنة بداية التراجع لنفوذ النظام الإيراني على كلّ صعيد، بما في ذلك داخل "الجمهورية الإسلامية" نفسها. تكشف ذلك مشاهد واقعيّة عدّة في مقدّمها العجز الإيراني عن الردّ على الضربات الأميركية والإسرائيلية داخل البلد وخارجه.
 
بدأت 2020 بتصفية أميركا قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني بعيد مغادرته مطار بغداد ومعه نائب قائد "الحشد الشعبي" العراقي أبو مهدي المهندس. كان ذلك في الثالث من كانون الثاني (يناير) الماضي. وفي السابع والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، اغتيل العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده قرب طهران في ظروف لا تزال غامضة، علماً أن هناك مؤشرات الى أن إسرائيل استطاعت قتله بوسائل متطورة في سياق حملة مدروسة تستهدف البرنامج النووي وبرنامج الصواريخ الباليستية الإيرانيَين.
 
يعطي فكرة عن مدى التراجع الإيراني أيضاً، هامش المناورة الذي باتت تتمتع به الحكومة العراقية برئاسة مصطفى الكاظمي. سمح لها هذا الهامش بمدّ الجسور العراقية مجدّداً مع المحيط العربي. تؤكّد ذلك إعادة فتح معبر عرعر، بعد إغلاق استمرّ ثلاثين عاماً، مع المملكة العربية السعودية والمشاريع المشتركة التي تدرس حالياً بين جهات عراقية وأخرى سعودية مهتمّة بالاستثمار في العراق. لو بقي الأمر متروكاً لإيران وأدواتها لما كانت إعادة فتح المعبر تحقّقت يوماً، بل كان مطلوباً أن تكون الأراضي العراقية منطلقاً لابتزاز السعودية على طول الحدود بين البلدين.
 
يمكن الذهاب الى أبعد في عرض أسباب التراجع الإيراني، لكن يبقى الأهمّ من ذلك كلّه أن إيران لم تستطع تكرار تجربة جنوب لبنان في جنوب سوريا. وهذا ما شرحه جيمس جيفري المبعوث الأميركي السابق الى سوريا الذي تحدث أخيراً عن الجهود التي بذلها الأميركيون والإسرائيليون لتقليص حجم الوجود الإيراني في سوريا، كما وضع الانهيار المصرفي اللبناني في إطار تشديد العقوبات على النظامين الإيراني والسوري.
 
لعلّ أهمّ ما تعاني منه إيران حالياً يتمثل في أزمتها الاقتصادية، وهذه نقطة التقاء مع تركيا ـ رجب طيب أردوغان الذي يعتقد انّ لديه أوراقاً كثيرة يستطيع استخدامها في خدمة المشروع الخاص به والذي جعله في صدام مباشر مع أوروبا، وبوجه خاص مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. ذهب أردوغان الى ليبيا. تحرّش بقبرص واليونان وحتّى بمصر. ذهب الى أذربيجان، متحدياً روسيا وإيران في الوقت ذاته. سعى الى وجود في اليمن بعدما أصبح لتركيا وجود في الصومال. بات الوجود العسكري لتركيا في الشمال السوري أمراً واقعاً. ولكن في المدى البعيد، هناك نقاط ضعف تركية كثيرة.
 
اذا وضعنا جانباً الموضوع السوري، حيث لتركيا مصالح حقيقية مرتبطة بأمنها، تظلّ تركيا - رجب طيّب أردوغان حالة غير طبيعية، بل حالة مرضيّة. من لديه أدنى شك في ذلك، يستطيع التمعّن في سعر صرف الليرة التركية وتراجعه المستمرّ أمام الدولار والعملات القويّة الأخرى.
 
كذلك، من لديه أدنى شكّ في وجود حالة مرضيّة في تركيا بسبب شخص أردوغان، يستطيع استعادة مواقف الرئيس الأخيرة من إسرائيل. زايد أردوغان طويلاً على دولة الإمارات العربيّة المتحدة وعلى مملكة البحرين ودعم "حماس" من أجل زيادة البؤس الفلسطيني بؤساً. لم يتجرّأ يوماً على الذهاب الى النهاية في قطع العلاقات مع إسرائيل. الطريف أنّنا نراه الآن يسعى الى التقارب مع الدولة العبرية، فما الذي استجدّ حتى يعيد الرجل حساباته؟
 
ما يجمع بين النظام الإيراني وتركيا – رجب طيّب أردوغان أمر في غاية الأهمّية. إنّه الاقتصاد. ليس في إيران حالياً ولا في تركيا، على المستوى القيادي طبعاً، من يريد التفكير مليّاً في الأسباب التي أدّت الى انهيار الاتحاد السوفياتي. لم تحمِ الصواريخ والقنابل النووية الاتحاد السوفياتي. لم يكن الانهيار انهياراً للقوّة العظمى الثانية في العالم فحسب، بل كان أيضاً انهياراً اقتصادياً قبل أي شيء. كان في الواقع انهياراً لمشروع توسّعي مكن القوّة العظمى هذه من امتلاك قاعدة لها في اليمن. كان اليمن الجنوبي، حتّى أواخر ثمانينات القرن الماضي بمثابة قاعدة عسكرية سوفياتية في الجزيرة العربيّة.
 
لا مستقبل للمشروع التوسّعي الإيراني، مثلما لا مستقبل للمشروع التوسّعي التركي المستند الى شخص رجب طيّب أردوغان المرتبط بفكر متخلّف، هو فكر "الإخوان المسلمين". المستقبل لإيران وتركيا كدولتين طبيعيتين تهتمان بشؤونهما الداخلية ورفاه شعبيهما. الى أن يحصل ذلك، وسيحصل يوماً... يبقى السؤال عن كميّة الأضرار التي سيخلفها المشروعان في المنطقة، في دول مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن وليبيا، وهل سيكون في الإمكان إصلاح هذه الأضرار في يوم من الأيّام؟ 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم