إعلان

المعارضة التركية على درب القاهرة مجدداً... وأنقرة مستمرة بدعم "الإخوان المسلمين"

المصدر: النهار العربي
سركيس قصارجيان
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان
A+ A-
رغم أن دعم أنقرة لـ"الإخوان المسلمين" يعتبر السبب الرئيسي لوصول علاقات البلدين إلى حد الجمود، ويشكّل الملف الأكثر تعقيداً بينهما، إلا أن التداخل العضوي بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والمنظومة السياسية التي أنشأها من جهة و"الإخوان المسلمين" في تركيا من جهة أخرى يكاد يصفّر احتمالات أي توجه تركي، مهما بلغت درجة براغماتية رئيسها، نحو الغاء الدعم للجماعة التي تعتبر خط القاهرة الأحمر.
 
تمسك المعارضة التركية بطريق القاهرة مجدداً، من دون وجود أوراق فاعلة في جعبتها في ما يخص "الإخوان"، معترفة بعدم وجود بوادر لنية السلطة تحقيق المطلب الذي تتشارك فيه مصر مع شركائها الخليجيين: السعودية والإمارات.
 
"حزب الشعب الجمهوري": وجهتنا القاهرة
 
كشف أونال جيفيكوز، نائب رئيس "حزب الشعب الجمهوري" للشوؤن الخارجية،  المعارضة الأم في تركيا، عن نية الحزب إرسال وفد رسمي إلى القاهرة في مسعى لإعادة العلاقات التركية-المصرية إلى وضعها الطبيعي. وقال جيفيكوز، العضو أيضاً في لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان التركي، في لقاء مع "النهار العربي" إننا "تقدمنا إلى لجنة العلاقات الخارجية البرلمانية بمبادرة من أجل تشكيل وفد لزيارة القاهرة، لكننا لم نتلقَ أي رد. لذا، أبلغنا الجانب المصري عن نيتنا زيارة وفد من حزب الشعب الجمهوري إلى القاهرة في الأسابيع المقبلة".
 
خطوة "حزب الشعب الجمهوري" هذه تتزامن مع جو من التفاؤل يسود لدى الأوساط السياسية والإعلامية في تركيا لجهة قرب تطبيع العلاقات مع مصر، والذي بدأ بإشارة من الرئيس أردوغان في آب (أغسطس) الماضي حينما أعلن عن وجود محادثات بين أجهزة مخابرات البلدين، تلاه تصريح لوزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو، الذي كشف عن وجود محاولات للتطبيع مع مصر ولقاء جمعه مع نظيره المصري سامح شكري في مستهل اجتماع منظمة التعاون الإسلامي العام الماضي.
 
أعاد الثنائي أردوغان وجاويش أوغلو إحياء مسار التطبيع بعد أشهر من ركود المياه في مجرى أنقرة - القاهرة بتصريحات متتالية خلال الأسبوع الماضي وصلت إلى حد وصفها بغزل تركي لمصر. وتتوّج هذا الإصرار على التطبيع بتصريح الرئيس التركي الأخير عندما أعلن عزمه على "عدم ترك الشعب المصري لليونان" في إشارة إلى علاقة مصر باليونان، التي شهدت ازدهاراً تدريجياً بالتوزاي مع تراجع علاقتها مع تركيا.
 
في المقابل نفى جيفيكوز وجود أي تنسيق بين حزبه والحزب الحاكم في تركيا "العدالة والتنمية" في ما يخص مساعي تطبيع العلاقات مؤكداً أنه "بالنسبة إلى حزب الشعب الجمهوري، الذي أرسل وفوداً إلى مصر في الأسابيع الأولى من أيلول (سبتمبر) 2013- أي بعد شهرين من وصول المشير عبدالفتاح السيسي إلى الحكم، الذي يعتبر نقطة انكسار العلاقات بين البلدين - ومن ثم في آذار (مارس) 2016، فإن الرغبة في المساهمة في جهود التطبيع بين البلدين ليست جديدة". وأضاف أن "المعارضة أيضاً عليها مسؤولية تصحيح السياسات الخاطئة وتسوية علاقات الدولة التي خرجت عن مسارها الطبيعي، وحزب الشعب الجمهوري على استعداد لتحمل مسؤوليته".
 
لكن تبقى جدوى هذه المسؤولية التي أشار إليها، الدبلوماسي المخضرم، الذي عمل سفيراً في موسكو وأذربيجان وبغداد، إضافة إلى شغله مناصب في حلف الشمال الأطلسي، من دون التوافق مع الحكومة التركية، مقررة سياسة البلاد الخارجية، موضوع تساؤل واستفسار.
 
لا إشارة على دعم "الإخوان"
 
انتقد جيفيكوز في تصريحه الى "النهار العربي" سياسة الحزب الحاكم حيال مصر، مؤيداً مقولة نشوئها على أساس ايديولوجي تمثّل بدعم "الإخوان المسلمين"، "ما أدى إلى إهمال أنقرة لمصر والعلاقة معها، التي تعتبر حيوية من أجل مصلحة البلاد".
 
ورداً على سؤال حول استعداد أنقرة لحل معضلة دعمها "الإخوان المسلمين" تمهيداً للعودة إلى العلاقات الطبيعية مع القاهرة، أجاب جيفيكوز أننا "على مدى السنوات الماضية، طالبنا الحكومة بوضع حد لسياساتها المنحازة في المنطقة، لكنني ما زلت لا أرى أي إشارة تدل على نية الحكومة القيام بذلك".
 
في الواقع، إن العلاقة العضوية بين أردوغان، وقيادات "الإخوان المسلمين" لم تعكر من صفو العلاقة مع مصر فقط، بل تعتبر أحد أهم عوامل مخاصمة الدولتين الخليجيتين المؤثرتين، السعودية والإمارات، لأنقرة. لم يستبعد جاووش أوغلو إمكان "المضي في خطوات" على طريق تطبيع العلاقات في حال قابلت الدولتان هذه الخطوات بالمثل. كلمات وزير خارجية أردوغان لاقت صدى وترحيباً كبيرين في الإعلام التركي الموالي، الذي لم يكف حتى الآن عن مهاجمة "ولي العهد السعودي محمد بن سلمان" في ما يخص مقتل الصحافي جمال خاشقجي، و"عمالة رئيس دولة الإمارات لإسرائيل" غداة التوقيع على "اتفاق ابراهيم" مع إسرائيل، والإعلام المعارض الذي كثّف مؤخراً من المقالات والتحقيقات الاقتصادية المتعلقة بحجم الخسائر الفادحة التي تكبدها الاقتصاد المحلي بسبب المقاطعة غير الرسمية من قبل الدولتين الخليجيتين للشركات والمنتجات التركية، تأكيداً على النتائج الكارثية للسياسات الحكومية الخاطئة على معيشة المواطن التركي.
 
وفي هذا السياق شدد جيفيكوز على عزم "حزب الشعب الجمهوري" على تطبيع العلاقات مع كل دول المنطقة، مؤكداً ما ساقه الإعلام التركي المعارض حول الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الحظر الخليجي، قائلاً إننا "نأمل في أن يبدأ هذا التغيير من مصر، لكن منذ اليوم الأول طالبنا بتحسين العلاقات مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وكل الدول العربية. كما طالبنا بالتواصل مع الحكومة السورية لحل المشاكل الأمنية والمتعلقة باللاجئين، ونستمر في ذلك. موقفنا في هذه المسألة لم يتغير".
 
لطالما شكّلت مصر مادة دسمة على مائدة السياسة الداخلية لأردوغان لجهة إشباع كتلته المؤيدة من الشارع الإسلامي. ولم يغب "القاتل السيسي" عن خطاباته المتنوعة المناسبات، لدرجة أنه دعا "الشعب التركي" في إحدى التجمعّات الشعبية خلال الحملة الترويجية لمرشحه لرئاسة بلدية إسطنبول الكبرى في الانتخابات الأخيرة إلى الاختيار "بين التصويت للسيسي، كناية عن مرشح الشعب الجمهوري المعارض أكرم إمام أوغلو، وبن علي يلدرم ممثل العدالة والتنمية".
 
وكما جرت العادة في تركيا خلال العقد الأخير، فقد تبنى السياسيون والمسؤولون الحكوميون، والإعلام التركي، المسيطر عليه من قبل أردوغان بغالبيته العظمى، هذا النهج محوّلاً إياه إلى خطاب شعبوي مبني على توصيفات "الإنقلابي" و"القاتل" و"معلّق المشانق" بحق الرئيس المصري في محاولة لرسم صورة لـ "السيسي المعادي للإسلام والمسلمين" خدمة لأجندات أردوغان الداخلية وتطلعاته الخارجية. فتحولت إشارة رابعة إلى شعار يرفعه الرئيس التركي في معظم مناسباته الحزبية والرسمية، بما فيها الانتخابات المحلية، وباتت كتابات "رابعة" وشعارها (الأصابع الأربعة) تزيّن سيارات مؤيديه في تعبير عن تأييدهم الموقف الرسمي التركي.
 
إلا أن جملة من العوامل الخارجية أجبرت الرئيس التركي، الذي لا يزال ينتظر مكالمة من سيد البيت الأبيض جو بايدن، الممتنع حتى الآن عن الرد على رسالة التهنئة التركية، على التراجع عن موقفه في الأشهر الأخيرة، يأتي على رأسها العزلة، التي نجحت مصر في فرضها على تركيا في شرق المتوسط من خلال الاتفاقات والتحالفات التي عقدتها مع اليونان وقبرص، والتي توّجت بإجراء التدريبات العسكرية المشتركة وتأسيس منتدى غاز شرق المتوسط، إضافة إلى خطوات المصالحة الأولى التي جرت بين الدوحة والقاهرة، ونجاح مصر في تضييق مساحات الحركة التركية في "التركيبة الليبية الجديدة"، وبروزها كطرف لا يمكن تجاوزه في أي حل سياسي فيها مهما اختلف ولاء رئيسها، وهو ما ظهر جلياً في زيارة كل من فتحي باشاغا وعبد الحميد الدبيبة، المواليَين لأنقرة، العاصمة المصرية.
 
أما داخلياً، فإن الأزمة السياسية والتدهور الاقتصادي الحاد أرغما أردوغان على فتح أبواب تركيا على مصاريعها أمام "التطبيع مع أعداء الأمس" في محاولة لتحقيق أي تقدم يمكن تصويره كنصر سياسي، وبارقة أمل ينعش معنويات المواطن التركي الرازخ تحت وطأة التضخم وانخفاض قيمة العملية المحلية وهروب الاستثمارات الأجنبية ومقاطعة دول عدة للمنتجات التركية، فكانت "الغمزة" المصرية بعدم تضمين المناطق الواقعة ضمن الاتفاق البحري الموقع بين تركيا وليبيا ضمن صفقة البحث عن الكاربوهيدرات في المياه البحرية المواجهة للسواحل المصرية، بمثابة الأساس الذي "يمكن أن تبنى عليه خطوات إعادة التطبيع" حسب رأي أنقرة.
 
ووفق جيفيكوز، "السياسات الخاطئة المتّبعة في شرق البحر الأبيض المتوسط أدت إلى تطورات ضد تركيا. علينا النظر إلى العلاقات التركية المصرية من باب ثقل مصر في العالم العربي، وهي في الوقت ذاته فاعل مهم في شرق البحر الأبيض المتوسط، عندما ننظر إلى الجانب الآخر فهي تشكل بوابة لإفريقيا، إضافة إلى العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الثقافية، فإن العلاقة مع مصر لا يمكن حصرها في مجال الاختصاص البحري فقط". وأكد أن "مشكلة شرق المتوسط، متعددة الأطراف ويتطلب حلها التوافق مع كل الدول المعنية، لكن الاتفاقات المتبادلة مع مصر يمكن أن تشكل أساساً لحل هذه المشكلة".
 
بعد كل ما سبق، ونظراً لعدم وجود تغييرات دراماتيكية في هيكلية خصوم أردوغان، فلا السيسي استقال وسلّم حكم مصر لـ"الإخوان المسلمين"، ولا الملك السعودي أعفى ولي عهده، ولا تراجعت أبو ظبي عن علاقاتها مع تل أبيب، فإن النتيجة الوحيدة المتبقية هي تغيير نهج أردوغان، حالياً، في انتظار وقع ذلك على مؤيديه من المواطنين الأتراك، في ظل معرفتنا بموقف الأتراك المعارضين لهم منذ الانتخابات الأخيرة حينما صوتوا لصالح السيسي في إسطنبول.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم